أيها السادة والسيدات

يتذكر الأحياء فيضعون على كل ضريح شارة صاحبه وشعار جهاده، فالسيف على ضريح الجندي، والأجنحة على ضريح الشاعر، وقسطاس العدل على ضريح رجل القانون، والصحيفة المنشورة على ضريح الأثري والباحث، والراية على ضريح المجاهد، والشمعة المحترقة على ضريح الفادي.

أما سركيس فأخَصُّ خصائصه الظرف والفكاهة، ظرفه الشخصي الخاص، وفكاهته التي كانت في يده آلة ووسيلة وقانصة وسلاحًا، فيُخيَّل إليَّ أن روحه المطلة علينا الآن من عالم البقاء قد تجدنا أطفالًا أغرارًا إن نحن لم نستعمل في استحضارها سوى الأفكار الراجحة الباهظة، وقد يخيب ظنها في فطنتنا لو نحن حرمناها شارة موهبتها الكتابية؛ لذلك أنا التي قُدِّرَ عليَّ أن ألقى بطاقتي بين البطاقات الموضوعة الليلة على هذا الضريح المفتوح حديثًا، أضم إلى أزهار الأسى والذكرى زهرة الابتسام الوردية اللطيفة ليعلم صاحب الضريح أن هذه الأزهار إنما ضفرت له خصيصًا، وأن أصدقاءه يعلمون أن للذكرى مؤاساة كما لها جمرات، وأن لها ابتسامات بقدر ما لها من دموع.

***

تسمعون الليلة ممن هم أقدر مني عن فُتوَّة سركيس «الحركة الدائبة» في هِمَّته، وذكائه، في احتياجه الشديد إلى الإعجاب والتحمُّس والطرب، في مَقْتِه للظلم والعبودية وتَعَشُّقه صيحة الحرية، تسمعون وصف الأجواء التاريخية الاجتماعية التي انفعل بها من جو سوريا العثمانية الحميدية، إلى جو مصر في آخر القرن الماضي، إلى أجواء أوربا وأمريكا، إلى جو مصر نهائيًّا في هذا الربع الأول من القرن العشرين، مصر الغضنفرية المستيقظة التي تنيل النفوس أجنحة من النار والنور في هذه الأعوام المتلظِّية، تسمعون عن مساعيه للربط بين أهل الفكر والقلم وتكوين أسرة أدبية منهم، عن إشادته بذكر النابهين عندما يقف على بعض آثارهم، عن محاولته أن يجمع — بواسطة ذوي النفوذ الفكري والسلطان الأدبي — بين مختلف العقائد والطوائف والأحزاب في الأقطار الشرقية دون أن ينسى الشرقيين النازحين إلى الأقطار الأوربية والأمريكية، هذه موضوعات نيطت معالجتها بخطبائنا القادرين وشعرائنا النابغين، أما أنا فقد أخطرتُ بالمثول أمامكم دون أن يعين لي موضوع القول، وفي هذا الإهمال في الظاهر حكمة بالغة، لأن مجرد إفساح هذا المكان لفتاة بأمر الأسرة الصحافية النبيلة هو في نفسه أكبر خطاب وأدلُّ موضوع، وأسنى القصائد وحيًا وجمالًا! ورغم ذلك فأنا قائلة كُلَيْمَة ألمع بها إلى ما يلتصق في نفسي بذكر سركيس، وإن ظهر في البدء غريبًا عنه.

تتذكرون الأغراس في عالم النبات؟ إنها تُخَالُ راضية قابعة ليس لها من شوق ولا مطلب، ولكنها رغم الظواهر تتمخض أحشاؤها بثورة عنيفة، إنها أبدًا ناقمة على نظام العبودية الذي رسخ جذوعها في الثرى، أبدًا مهيئة البذور منها للانتقام والبذور النشوى بجدة الحياة وحداثتها لا تلبث أن تمزق الأنسجة واللفائف، وتهجر مرابضها في كؤوس الأزهار لتفر إلى دائرة نمو جديد، إلى ممكنات عالم جديد تستقر في تُربته، وتتشبث بحيويته وتندمج في فضائله، وما هي بذلك إلا خاضعة لقانون التطور في الكون الذي يحدو أبدًا بالكائنات والموجودات والخلائف من مظهر عبودية إلى مظهر حرية تنقلب بدورها عبودية، إلى مظهر آخر من الحرية، ذلك القانون الهاتف على الدوام رغم الصعاب والعقبات والنوائب: إلى الأمام! إلى الأمام!

وهذا الشوق المكتسح بذور الأزهار إلى هجر أصولها والتفلت من مقدورها لتقيد بمقدور جديد، نجده ولكن بصورة أخرى بين الجيل والجيل من بني الإنسان، بل بين أبناء الجيل الواحد عندما تأخذ الجماعة في الخروج من حالة عامة متشابهة إلى حالة تفصلها فتبرز هنا وهناك شخصيات تستنير بأنوار غير معروفة، وتطلب للأفكار والعواطف والشؤون صورًا غير مألوفة، وتدرك من حياة الاجتماع وحياة الكون وجوهًا لا تتراءى لأحد من قومها، تلك الشخصيات هي المنفية في ذويها، الغريبة بين أحبابها، وربما المجهولة سهوًا أو عمدًا حتى ممن أحسنت إليهم ورفعتهم إلى أُفق من الحياة جديد، وما تلك الشخصيات إلا وسيلة ينفذ عن طريقها قانون الجور والإنصاف العظيم، قانون العراك والتناحر بين ما نُسمِّيه في جهالتنا القديم والحديث، بين التقدم والتقهقر، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.

حالة نبيلة كما ترون ولكنها أليمة، قُدِّرت على بعض النفوس في كل جيل ولكنها كانت أعظم انتشارًا في القرن الماضي بحكم طبيعة الأشياء، وأظن أن أول من عرفها بوضوح وأوجد لها شبه قالب معين في عالم الطباعة وفي عالم الأفكار هو الأديب الفرنسي موريس باريس في كتاب صدر سنة ٩٧، في كتاب وصف فيه حالة بعض أولئك المنفيين من مرتبتهم ومحيطهم وعادات جماعتهم الفكرية والأدبية وصنوف مطالبهم ومطامحهم، وهو الذي أطلق عليهم اسمًا بديعًا في بلاغته، فقد دعاهم «المُستَأصَلِين» وهو الاسم المرسوم به كتابه، ولا شك أنه أُلهِم ذلك الكتاب لأنه كان «مستأصلًا» هو كذلك، هو ابن اللورين المنسلخة عن فرنسا مع الألزاس في الحرب السبعينية مما أرغم بعض المتعصبين لجنسيتهم الفرنسية أن يهجروا إقليمهم الأول لإقليم فرنسي آخر، فحلَّ موريس باريس على الرحب والسعة في باريس مدينة النور، وظل شاعرًا رغم ذلك بالغرابة الناتجة عن بتر الوشائج الطبيعية التي تصل الفرد بجماعته فيتبادل وإياها الحقوق والواجبات التي جرى عليها الآباء والجدود دهرًا بعد دهر، وهناك حكم مؤلف «المستأصلين» بأن الغرسة المستأصلة في عالم النبات، واشتد دور الانتقال، وغليان الأفكار، وتباين المشارب والمذاهب بعد الحرب فاهتم حتى العلم بتلك الحالة الخاصة في الأفراد فتناولها كريبلين الألماني، أعظم علماء النفس الأحياء في أيامنا فزادها إيضاحًا على نحو ما أوضحها علماء الاجتماع من الروس، وسماها «الاستئصال» هو الآخر، وعرف ما قد ينجم عنها من غموم ونكبات، ولكنه قرر كذلك أنها من أبدع مظاهر التطور المشجعة للجماعات على التملُّص من القديم البالي للسير في سبل التجدد والحياة، وأن هذا الاستئصال لا بد منه لبعض الأفراد ولو نزت القلوب لأجله أزكى الدماء وتفطرت في سبيله المرائر.

أتحسبونني — أيها السادة والسيدات — قد شططت عن موضوعي ونسيت سركيسًا؟ كلا! بل قد بلغت الساعة صميم ذكره، لأن هذه الغربة قد ذاق مرارتها بعض النابهين في أقطارنا رواد الانقلاب العظيم الذي نراه كل يوم في ازدياد، لقد وجدوا منذ أعوام أولئك الذين لمحوا وجوهًا جديدة في عالم الإدراك والأدب والسياسة وغايات الأفراد والجماعات ومرامي العمران، أجل وجدوا، إذ ليس في مقدور هذا الشرق المجيد أن يكون متحف موميات وآثار تحدث عن نور تألق في سالف العصور ثم خبا إلى منتهى الدهور! كلا، كلا! ليس هذا نصيب الشرق من الوجود! لذلك برزت البذور الجديدة من كؤوس الأزهار هاتفة: «لست للجمود! إلا خروجًا إلى النور والحياة لأني خلقت للحياة في النور المتجدد!»

وسليم سركيس الذي كان في طليعة أنصار الحرية والتجدد، كان نسيجًا وحده تقريبًا في العطف على هؤلاء الغرباء النبلاء والمستأصلين المحسنين، فكوَّن لهم من جرأته، ومن صحيفته ومن مساعيه وسطًا حيًّا معزيًا، إنه كان يهتدي إليهم بالبداهة كأن بينه وبينهم علامات سرية وإن لم يكن في وسعه أن يكون لهم الأرض المخصبة التي تستقر فيها النبتة المُعذَّبة فتطمئن على مصيرها، فإنه كان يقول لكل منهم بأسلوبه الخاص: «إني هنا! إني أعرف من أنت! وهاك يدي تصافحك.»

وكأن هذه اليد — يد سركيس — قد امتدت إلى أعضاء الأسرة الصحافية بعد وفاته فجمعت بينهم ثم امتدت إليكم — أيها الحضور الكرام — فأحكمت الوثاق بينكم وبين الأسرة الصحافية النبيلة فأتم في مماته ما بدأه في حياته لأن روابط الموت أقوى من روابط الحياة، فاجتمعنا هنا بقوة هذه الرابطة التي ينطق بها اليوم كل شاعر وكل خطيب.

وبين الذين عززهم سركيس وعطف عليهم من الغرباء والمستأصلين تجد المرأة، تلك المنفية عن نفسها التي يحكم عليها المجتمع بقتل فكرها وعواطفها ونزعاتها ولو أخفى الامتثالُ منها ألف أكذوبة، وألف دسيسة، يسمح لها بالثرثرة والنميمة والزور وينكر عليها كلمة الرفعة والنور، يسمح لها حتى بالفوضى الأخلاقية باسم ضعف الأنوثة ويأبى عليها أسمى مجالي الأنوثة في مواقف الرفعة والكرامة، يضغط عليها باسم مصلحة الوسط والعائلة والوطن والتاريخ فتتمثل هازئة ولكنها توسع تمزيقًا وإفسادًا، وتخون الوطن وتجعل التاريخ مغلوطًا.

كان سركيس من أبكر رجال الشرق شذوذًا في تأييد المرأة التي تستحق التأييد، وظل على هذا الشذوذ حتى النهاية، هو الذي كتب في العام الماضي إلى أديبة بيروتية مسلمة، الآنسة عنبرة سلام، يستحثها على نشر أفكارها والخروج من تكتُّمها، فقال ما معناه: «الجدود والآباء كانوا يركبون الجمل والحمار، أما أنت فتركبين السيارات، ولا بد أن يكون الفرق بين أفكارك وأفكارهم على نسبة الفرق بين السير على جمل والسير في السيارة.»

عزز سركيس المرأة بحَثِّها على الكتابة، بتيسير ذلك لها في الصحف التي تولَّى تحريرها، بنقل كتاباتها وامتداح مجالسها، بإنشاء صحيفة لها وانتحال اسم نسوي ليستدرجها إلى الكتابة ويغريها، وإذا جاز لي أن أتكلم عن نفسي قلت إني نلت من تشجيعه ما لم تنله أديبة غيري، وإذا وقفت اليوم حرة على هذا المنبر فأصغيتم إليَّ بسكوت وتهيُّب ليس بصفتي الشخصية، ولكن لأني هنا أُمثِّل يقظة جنسي وأنطق بكلمة المرأة، إذا وقفت هنا فأفسحتم المكان لصوتي وفكري كأنهما صوت الرجل الممتاز وفكره سواء بسواء فإن ذلك يدل على الروح الجديدة التي تهز البلاد من أقصاها إلى أقصاها، يدل على سامي إدراككم وشريف شعوركم، يدل على نبل الصحافة المصرية وهمتها في عطفها العظيم على قضية المرأة وعلى الحق والإنصاف، ولكن موقفي هذا يدل أولًا على فضل سركيس الذي دفعني وأنا مبتدئة حديثة السن إلى منبر الخطابة لأول مرة في مصر في حفلة تكريم خليل مطران قبيل الحرب؛ لذلك قلت في مطلع الكلام إنه حسبي أن أقف اليوم على هذا المنبر صامتة ليكون وقوفي خطبة رائعة ناطقة بنبل الصحافة المصرية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.