كنا قلبنا النظر في صفحات مروج الذهب للمسعودي ج٤ ص٣٦١ قبل أن نكتب النبذة السالفة عن مصرع البرامكة، وقد أسفنا على فَقْد كتاب الخلفاء الكبير، كذلك كتاب التاريخ على السنين لأبي عبد الرحمن بن عدي الكرجي، وكتاب الوزراء لأبي بكر محمد بن يحيى، ولكن يعزينا عثورنا على بعض المعلومات «الأوراق في أخبار آل عباس»، وتاريخ الطبري، وعبد الجليل اليزدي، على أن كتاب الخلفاء الكبير لأبي الحسن المدائني قد يكون هو وكتاب الوزراء أهم المصادر التي يركن المنقب إليها في درس تاريخ البرامكة، ويوجد في دار الكتب المصرية مخطوط من (الأوراق في أخبار آل عباس) لأبي بكر الصولي مؤلف كتاب الوزراء (تاريخ عدد ٥٩٥ ص١٦ ج٥ من الفهرست العربي المطبوع طبعة أولى) وهذا المخطوط مخروم من أوله، وقد ورد في الكتاب ذكر أبان شاعر البرامكة وفيه فصل (أخبار أبان متصلة مع البرامكة) وترجمة شعرية لكليلة ودمنة من نظم أبان، وهي الترجمة التي أجازه عليها سادته البرامكة جوائز كبرى.

ولو تركنا تلك الكتب الفاقدة والناقصة جانبًا، لم نجد مصدرًا لتاريخ هذه الأسرة سوى كتابَي المعارف والإمامة والسياسة، ثم كتاب تاريخ الرسل والملك للطبري، وهو أكمل المصادر لتاريخ الدولة العباسية، ولكنه خالٍ من ذكر أصول البرامكة، وكذلك يرجع الفضل لليعقوبي أحد معاصري الطبري في جمع بعض المعلومات عن البرامكة في كتابَي التأريخ (بالهمز) و(البلدان)، ولعل القارئ يعلم أن مروج الذهب للمسعودي ليست سوى صورة وجيزة مختصرة لكتاب (أخبار الزمان) والكتاب الأوسط، وقد أفرغ المسعودي جهده في جمع كل ما وصل إليه علمه وعلم معاصريه عن البرامكة وأخبارهم، وروى أنهم في بداية أمرهم فرس وسدنة لمعبد (نوبهار) البوذي ببلخ.

وقد شوَّه التاريخ حقيقة هذا المعبد؛ فنسبته الأساطير الأولى لعبادة النار، وأن البرامكة أسلموا في القرن الأول للهجرة ثم قصدوا بلاط الخلفاء الأمويين لأسباب مجهولة، وكان لهم ولذكائهم وثروتهم أثر عظيم لدى الخليفة عبد الملك، وما زال هذا الأثر يكبر وينمو حتى بلغ قمته في عهد بني العباس، وكان من أمرهم في الوزارة والمجد والنكبة التي تلت ما كان. ولكن الكتابين اللذين اختصرهما المسعودي في المروج مفقودان، ولم يعوضنا عنهما بشيء مما ورد في مؤلفات الجاحظ ولا في كتاب الأغاني وإن كانت تشمل بعض المعلومات النافعة. وقد اعتمد الأصبهاني والجاحظ على مصادر شفوية جيدة لا سيما ما تلقاه عن إبراهيم الموصلي وولده إسحاق، وعمران الصيرافي، وابن مناذر شاعر البرامكة، والحسن بن يحيى أحد أحفاد الفضل بن الربيع، وغيرهم.

ومن الثابت أن ابن خلكان — وهو من سلالة البرامكة — قد عُني في وفيات الأعيان بتراجم يحيى والفضل وجعفر، هذا عدا «تاريخ آل البرامكة» لعبد الجليل اليزدي و«إكرام الناس في تاريخ آل برمك وإعلام الناس مما وقع للبرامكة مع بني العباس» وهو كتاب شائع وينطوي على أخبار كثيرة بعضها مرذول منبوذ. وقد رأينا تاريخ آل برمك لعبد الجليل اليزدي في المكتبة الوطنية بباريس (سبتمبر سنة ١٩٠٩)، وإليك نص صفحته الأولى «هذا كتاب تواريخ آل برمك رحمهم الله تعالى وتبارك من مؤلفات عبد الجليل اليزدي أفاض الله سجل مغفرته على تربة مقبرته، بدأت كتابته لسلطان الأقاليم السلطان سليم، نوَّر الله مرقده، وفي عيش السعداء أرغده … وختمت لولده الخاقان باسم الأمن والأمان، وارث ملك سليمان السلطان سليمان طوَّل الله عمره، ويسَّر أمره، اللهم كما زينت صحايف العواطف بطُغَراء حمدك الوارف، احفظ ساحة سرادق جلاله من عروض الوقائع ووقوع المخاوف، آمين بحرمة محمد الأمين عليه أفضل الصلوات وعلى آله أجمعين إلى ساعة قيام يوم الدين.»

ولو أننا عددنا المصادر السالفة الذكر من الطبقة الأولى بالنسبة لدرجة أربابها، فلا يجوز لنا أن نغفل المصادر الأخرى التي تعد في الطبقة الثانية أمثال الآثار الباقية، ومجمل التواريخ، وشرح قصيدة ابن عبدون، والكامل في التواريخ، ومختصر تاريخ الدول، وكتاب العيون والحدائق في أخبار الحقائق، وكتاب الأنباء في تاريخ الخلفاء، ومختصر أخبار الخلفاء، والمختصر في تاريخ البشر، وكتاب العبر، وحبيب السير، وأحسن المسالك لأخبار البرامك ليوسف بن محمد الميلاوي، وقد ذكرنا المؤلف؛ لأنه على تأخره ادَّعى أنه أول من دون تاريخ البرامكة حيث قال:

ممن وصف بها في دولة الإسلام، وتليت مآثرهم فيها على ألسنة الأيام، وأجمع على اجتماعها فيهم أجناس الناس، بنو برمك وزراء بني عباس. ومع ذلك لم يفردهم أحد بتأليف (كذا)، ولا أعرفهم التصنيف، أما ما ذكر لهم المؤرخون أخبارًا متعددة وآثارًا غير منضدة، لا يظفر بها إلا من تتبع كتب الأخبار، وطالع تواريخ الأعصار، فخطر لي أن أجمع ما تفرق من أخبارهم، وأجدد ما أخلق الدهر من آثارهم.

وكذلك تاريخ سيرة البرامكة، وكتاب يحيى بن خالد في الأدب. وقد ذكرنا كتاب إعلام الناس لمحمد دياب الإتليدي الذي حاول وضع الرواية أو القصة التاريخية على أسلوب كتاب ألف ليلة وليلة الذي لم يخلُ من ذكر البرامكة والعباسيين، وآخر من كتب في هذا الموضوع المرحوم صديقنا العالم العامل الذي أحيا فخر الأوائل الأستاذ جورج زيدان، فألَّف (العباسة أخت الرشيد) التي نُشرت تباعًا في مجلته، ثم نقلت إلى اللغة الفرنسية في جريدة الفيجارو سنة ١٩١٢ والذي نقلها هو الأستاذ شارل موليه، وأعانه الأديب بيطار، وأخذتها جريدة كوميديا ونشرتها تباعًا كما فعلت الفيجارو، وحيث ذكرنا قصة زيدان لا يفوتنا أن نذكر كتابه تاريخ التمدن الإسلامي الذي شمل كثيرًا من المباحث الخاصة بالبرامكة عند الكلام في تاريخ العباسيين.

كذلك كتاب حضارة الإسلام في دار السلام لجميل نخلة المدور طبع القاهرة ١٩٠٥، وقد لقينا جميلًا هذا المنسوب إليه هذا الكتاب البديع البليغ، وكان يعمل في جريدة المؤيد لتلخيص مقالاته إعدادًا للمجموعة التي عزم الشيخ علي يوسف على إصدارها، وحادثناه وأظهرنا دهشتنا للمرحوم سليم سركيس من التناقض الظاهر بين الرجل وكتابه الذي هو دائرة معارف علوم وآداب، فأسرَّ لنا المرحوم سركيس أن والد جميل نخلة هو الذي ألَّف الكتاب، وإنما نسبه إلى ابنه تعزيزًا لقدره وسعيًا منه وراء منفعته. ونحن نروي هذه الرواية على علاتها ونقلًا عن المرحوم سركيس، ويعرفها كثيرون من الأحياء، ويا حبذا لو تقدم أحد لكشف القناع عن هذا اللغز في تاريخ الأدب العربي الحديث الذي يشبه ما قيل مرارًا عن كتاب عيسى بن هشام وناقشناه في بعض مقالاتنا الماضية.

يظهر مؤكدًا أن البرامكة ينتمون إلى أصل فارسي، وأنهم كانوا سدنة هيكل نويبهار؛ وهو هيكل عُبدت فيه الأوثان في بلخ، ويرجع تاريخ تأسيسه إلى أجيال عديدة قبل الإسلام.

وروى عمر بن الأزرق — من أهل القرن الثالث الهجري — أنه قبل ملوك الطوائف كان البرامكة سادة قومهم، وكانوا يعبدون الأصنام فسمعوا عن مكة والكعبة وعن ديانة قريش فبنوا في وسط مدينة بلخ هيكلًا يشبه الكعبة وملَئُوه بالأصنام وغطَّوا جدرانه بالمخمل ورصعوها بالجواهر والأحجار الكريمة، ويترجم الكرماني كلمة نويبهار (بالربيع الجديد)، وسبب تلك التسمية أن الهيكل بُني في وقت ظهور الريحان الذي لُطخت به الجدران.

وقد وصفه مؤرخو العرب بالفخامة والضخامة وعظم القباب وتعدد القاعات والزوايا والخلوات، وأسهبوا في وصف ما كان يحيط به من الأوقاف والضِّياع التي حُبست على خدمته والاحتفاظ به، وكثرة عدد الحجيج الذين كانوا يقصدون إليه من كل فج.

وتضاربوا في نوع العبادات التي كانت تقام فيه؛ فقال بعضهم: إنه كان هيكلًا بوذيًّا، وقال آخرون: إنه كان مجوسيًّا لعبادة النار، وقال آخرون: إنه كان قاصرًا على عبادة الأصنام تقليدًا لكعبة مكة قبل الإسلام.

وانفرد المسعودي بقوله: إنه كان هيكلًا خاصًّا بعبادة القمر، وروى أنه كان مكتوبًا على مدخله العظيم باللغة الفارسية ما يأتي:

قال بودسب: ينبغي لبلاط الملك أن يتحلى بخلالٍ ثلاث: الذكاء والصبر والمال»، وفوق هذه الكتابة، وُجدت عبارة أخرى بالعربية وهذا نصها: «لقد كذب بودسب. إذا نال واحد من الخلق إحدى هذه النعم الثلاث، فيجب عليه أن يفر من وجه الملوك.

ويظهر أن سادن الهيكل الأعظم كان يُلقَّب (برمك)، وكان من حقوقه إدارة ثروة المعبد، والملوك أنفسهم يخضعون له.

وتوجد مصادر صينية لتاريخ هذا الهيكل هي ما كتبه هيون سنج وآي تسنج اللذان قاما في بلخ في القرن الأول الهجري، وقالا: إن (نويبهار) لم يكن سوى (نافا فيهارار) السنكسريتية، ومعناها المعبد الجديد، ولم يكن سوى معبد بوذي، وأتيا على وصف الهيكل ومحتوياته مما أيد بوذيَّته. وقال أحد المؤرخَيْن الصينيَّيْن السابق ذكرهما: «إن هذا الهيكل كان ملتقى السبيل للأمة البعيدة والقريبة والرجال ذوي المواهب، وقد يصعب علينا ذكر الرجال الذين نالوا بين جدرانه درجات القداسة الأربع، ولعهدنا هذا يوجد نحو مائة عابد لا يألون جهدًا في العبادة والخدمة الدائمة.»

ولم يذكر الحجيج البوذي شيئًا عن كلمة برمك. ويرجع الفضل للأستاذ كون في تفسير الكلمة، فقال: إنها محرفة عن (باراماكة) السنسكريتية، ومعناها الرئيس أو الزعيم؛ فهذا الاسم إذنْ يرجع إلى عهد ظهور البوذية في بلخ. ولعل هيكل بوذا هذا بعد أن هُدم أو تحطَّم أعيد بناؤه وتحول هيكلًا مجوسيًّا تُعبد فيه النار؛ وبذلك يمكن التوفيق بين الأسطورتين.

وقد روى الطبري أن أنوشروان لما وصل إلى العرش استوزر برمك سليل تلك الأسرة التي كانت تخدم الهيكل، وهذا البرمك هو جد برامكة الأسرة الأموية والدولة العباسية، وروى نظام الملك أنه منذ عهد أزدشير صار البرامكة وزراء أبًا عن جدٍّ وولدًا عن والد، وقد انحصرت الوزارة فيهم بغير استثناء، وكانوا يؤلفون كتبًا في فنون الحكم والإدارة ويلقنونها أولادهم فيستظهرونها لتنفعهم في أعمالهم عند توليهم الوزارة.

قيل: فلما بلغ الخليفة سليمان غاية مجده أراد أن يكون بجانبه وزير جدير به وبمكانته فنصح له عشراؤه أن يستقدم وزيرًا من البرامكة؛ فأرسل إلى بلخ في طلب خالد بن برمك.

وقيل: إن البرامكة ينحدرون من أصلاب ملوك الفرس.

أما فيما يتعلق بانتحالهم الإسلام فقد رُوي أن سادن الهيكل لعهد الخليفة عثمان اعتنق الإسلام، فلما عاد إلى بلخ اضطهده أهلها وخلعوه من سدانة الهيكل وعينوا ولده، فقلد أباه بعد قليل؛ فغضب لذلك طارخان نازك أحد ملوك الترك المجاورين له وأنَّبه على ترك دين آبائه وأجداده وهدده بالزحف عليه، فهدده البرمكي بتدخُّل الخليفة المسلم؛ فلجأ الملك التركي للحيلة وتظاهر بالابتعاد إلى أن تمكَّن من ذبح البرمكي وعشرة من أولاده، ولم ينجُ منهم إلا واحد فر إلى الهند مع أمه، فنزلا بمقاطعة كشمير حيث شب وترعرع وتعلم الطب والنجوم والرياضيات والعلوم الطبيعية واحتفظ بدين أجداده، وعاد إلى بلخ ورُزق أولادًا منهم خالد بن برمك الذي انتحل الإسلام وتبعه إخوته، ويظهر أن برمك أبا خالد في أواخر أيامه انتحل الإسلام وقصد بلاط الخليفة عبد الملك؛ فعينه واليًا على العراقيين وشفى الخليفة هشامًا من داء فظيع لا يحسن ذكره، ثم أراد برمك أن يعود إلى خراسان فتعلق به الخليفة وقال له: (ابقَ بجوارنا ونحن نقوم بأودك) وأقطعه مدينتَي مارحنا وجبال، فشكا برمك من قلة الدخل فتنزل له الخليفة عن إيراد دير مارحنا البالغ في العام مليونَي درهم.

فثبت مما تقدم ومن روايات أُخَر ضربنا عنها صفحًا لعدم انطباقها على العقل أو عدم موافقتها لحوادث التاريخ الصحيح، أن البرامكة فارسيون أصلًا، وأنهم كانوا وثنيين أو بوذيين قبل إسلامهم، وأنهم كانوا يشغلون أرقى المناصب في وطنهم، فلما ظهر الإسلام انتحلوه إما اقتناعًا وإما سعيًا وراء المنفعة، ولكن إسلامهم عن عقيدة أقرب إلى الواقع، وأن بعض ملوك الأتراك الوثنيين من عُبَّاد الذئب الأبيض اضطهدوهم وحاربوهم، ولكن البرامكة تمكنوا من البقاء على دينهم واتصلوا بالبلاط الملوكي العربي (ديوان الخلافة الإسلامية)؛ حيث ارتقوا بسرعة عظيمة بفضل ذكائهم ومالهم وشخصيتهم القومية إلى مناصب الوزارة واحتفظوا بها، وسنأتي في نبذة مقبلة على الخطوة الثانية في تاريخهم العجيب لعلنا نوفَّق إلى حل لغزهم وهو أحد ألغاز التاريخ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    محمد محمود ·٤ نوفمبر ٢٠١٥، ٢٠:١٢ م

    شكراعلي المقال

    • photo avatar
      محمد محمود ·٤ نوفمبر ٢٠١٥، ٢٠:١٣ م

      نقال يعمل العقل