«إن السماء تمطر الناس أوفر العطايا، وهذا معلوم بطبيعة الحال، ولكنها في بعض الأحيان تغدقها إغداقًا جمًّا على فرد واحد تَهَبُ له الجمال والكياسة والقدرة، بحيث يبدو كل شيء يخرج من يده سابقًا لغيره سَبْقًا بعيدًا يشهد بأنه من صنع الله دون غيره لا من كسب صناعة ولا من حيلة إنسان. وقد عاين الناس ذلك في ليوناردو دافنشي الذي وهب جمالًا لا يفوقه جمال، وكانت كل لفتة من لفتاته هي الكياسة بعينها. وعظمت مقدرته حتى زالت كل عقبة وحلت كل معضلة، ورزق قوة في بدنه تصحبها الرشاقة والأريحية والشجاعة على مثالٍ نبيلٍ جدير بالملوك. وقد ذاعت شهرته في بلده وغير بلده، وبقيت ذائعة بعد مماته، بل زادت على ما كانت عليه في حياته …»

كذلك افتتح «فساري» — مؤرخ الفنون الكبير — سيرة ليوناردو دافنشي الذي احتفلت معاهد الفن والثقافة هذا العام بانقضاء خمسمائة سنة على مولده.

وكان فساري وغيره من معاصريه يلقبونه «بالإلهي العجيب»، ولا يبالغون في شيء مما وصفوه به أقل مبالغة؛ إذ لا نظن أن المبالغة يُستغنَى عنها في سيرة إنسان كما يستغنى عنها في تقدير هذا العبقري الذي قل نظراؤه بين عباقرة الأزمان؛ لأن المبالغة لا تزيده شيئًا على ما ثبت له في رأي النقاد بلا خلاف.

كان مصورًا نحَّاتًا، موسيقيًّا شاعرًا، مهندسًا عالمًا طبيعيًّا، مخترعًا من طراز رفيع، وكانت مشاركته في هذه الفنون بسعيه واجتهاده وعكوفه على تعليم نفسه. وهذه هي المزية التي امتاز بها على نظرائه الذين شاركوا في كثير من الفنون والعلوم.

ولم يشتغل بعمل قطُّ إلا فتح فيه فتحًا جديدًا، وكان رائدًا فيه لكبار المخترعين والمكتشفين؛ كان رائدًا لاختراع البخار فاتخذ آلات بخارية لقذف القنابل إلى مسافات بعيدة، وكان رائدًا للطيران وللآلات التي تعتمد على قوانين الحركة، كما كان رائدًا للبصريات والنظريات الكيمية والطبيعية. ولم يكشف سرًّا من أسرار الطبيعة لينتفع به في تجارة أو صناعة، وإنما كان همه كله أن يعرف ثم يعرف ثم يزداد معرفة إلى غير انتهاء، من مُستَهَلِّ حياته إلى أن مات في الثانية والسبعين.

وكانت دراسته الأولى — وهو يافع — دراسة مصور يبتدئ التصوير ثم يتقن معه النحت والصياغة، ولكنه عندما اشتغل بالتصوير عرضت له مسألة النور وموقعه على الأجسام المنبسطة أو المستديرة أو ذات الأشكال المتعددة، فتابع الدراسة في طبيعة النور وفي طبائع الأجسام، وانتقل من الأجسام الجامدة إلى الأجسام الحية والنباتات، فعرف تركيب الأجسام في البناء كما عرف تركيب الأعضاء في بناء المادة الحية، ولم يمضِ عليه غير قليل حتى أصبح حجة في الهندسة يتولى تخطيط المدن على القواعد الصحية، حماية لها من الأوبئة والطواعين.

وكان إذا رسم طاحونًا لم يقنع برسمها حتى يعلم كيف تدار الطواحين، وحتى يكتشف قانونًا جديدًا أو قاعدة جديدة تيسَّر صنعها على طراز غير الطراز المألوف.

وكان إذا تعلم العزف على آلة موسيقية لم يقنع بإتقان العزف والإيقاع حتى ينفذ إلى أسرار تركيبها وانبعاث الألحان منها، ويفتن في صنع آلة مثلها أو أفضل منها على يديه.

وكان إذا عرف سرًّا من أسرار الطبيعة في اختراع من المخترعات، قنع بالمعرفة ولم يشغل باله بالانتفاع منه في سوق الصناعة، إلا إذا جاءه الطلب من ولاة الأمر الذين يعلمون قدرته عليه.

وقد جمع إلى الفن والعلم كياسة تحبِّبه إلى كل من لقيه مرة أو عاشره زمنًا واشترك معه في عمله، فلا يسأم جليسه محادثته ومزاملته لما رزقه من حسن الحديث وحلاوة الفكاهة وسعة المعلومات واستحضار النوادر والشواهد التي تناسب كل مقام.

وربما عمد إلى الفكاهة العملية يتسلح بها للسخرية ممن يناوئونه ويتطفلون على فنه، كما كان يعمد إلى فكاهة السمر حين يأنس إلى أصحابه تسلية للنفس من جهد العمل أو تزجية للفراغ.

عرف عنه أنه كان طويل الأناة لا يشتغل بصورة إلا وهو وادع البال مستريح إلى التصوير. وعهد إليه برسم صورة للعشاء الرباني على جدار كنيسة، فلاحظ القس الموكل بالرقابة على البناء أنه قد يجلس ساعات متواليات مستغرقًا في التأمل بين لمسة وأخرى من لمسات الفرشاة، فرفع الأمر إلى الرؤساء، وسمع ليوناردو بالخبر فانتقم منه بتلك الفرشاة انتقامًا صيره أضحوكة لأولئك الرؤساء، ولم ينفعه أحد منهم حين شكا إليه أمره؛ لأن الفرشاة في يد ليوناردو وليست في يد غيره. وقد أصر ليوناردو على انتقامه وتركه القوم وشأنهم مغلوبين ضحكًا لا مغلوبين في مقام السيطرة والجبروت.

كان المصور قد فرغ من تصوير الحواريين أجسامًا ووجوهًا، ما عدا وجهين اثنين؛ أحدهما وجه السيد المسيح، والآخر وجه يهوذا الإسخريوطي الذي ارتشى بثلاثين درهمًا لتسليم معلمه إلى أعدائه.

أما وجه السيد المسيح فقد أبقاه المصور؛ لأنه كان يرجو أن يوفق بعد طول الأناة لجمع ملامح الحسن والمهابة التي تجمل بتلك القداسة السماوية، وأما وجه يهوذا الإسخريوطي فقد أبقاه لعله — بعد طول الأناة أيضًا — يهتدي إلى وجه يجمع من الدمامة وملامح الخبث والخيانة ما «يصلح» لذلك المخلوق اللعين!

فلما شكاه صاحبنا المشرف على البناء أعفى ذهنه وعينه من التأمل في السجن والوجوه، وعمد إلى جسد يهوذا المتروك بغير رأس، فتممه برأس القس المسكين. ولما روجع في شكواه قال إنه تلقَّى درسًا له ولأمثاله الأشحاء يستفيدون منه؛ ليعلموا أن أحق الأوقات بالمكافأة هو وقت الفنان الذي يقضيه متأملًا منطويًا على بديهته. فأكثر ما يكون الفنان شغلًا حين يبدو أنه فارغ من جميع الشواغل، وأنه عاطل الرأس واليدين.

ومن طول أناته في عمله أنه قضى أربع سنوات يرسم صورته الخالدة التي اشتهرت باسم «جيو كندة»؛ أي المتبسِّمة، وهي صورة موناليزا قرينة النبيل فرانسسكودل جيو كندر، فاشتهرت الصورة بالابتسامة كما اشتهرت باسم الأسرة، وبقيت على الزمن أخلد من البيت وأسلافه وأعقابه، وقامت الدنيا وقعدت في أوائل هذا القرن حين سرقت من متحف اللوفر. وتوالى الإعلان عن الهبات التي تمنح لم يرشد إليها، ويئس السارق من الانتفاع بها حين رأى أعين العالم كله منفتحة عليه، فردها في البريد، ولم يخطر له أن يتلفها ويستريح من المطاردة؛ لأنها في نظر العارف بالفن — وإن كان سارقًا — أحقُّ بالصيانة من بنية ذات جسد وروح.

وقد كان لوصولها إلى متحف اللوفر قصة من طرائف القصص الفنية أو طرائف القصص النفسية؛ لأن ليوناردو أحب الصورة التي خلقها، فلم يشأ أن يفرط فيها، وحملها معه إلى فرنسا حين دعاه ملكها فرانسوا الأول لتصوير بعض المناظر وتزيين بعض القصور، ثم زاره الملك فرأى الصورة عنده، وساومه على شرائها، وألحَّ عليه في قبول الثمن وهو بضعة آلاف من القطع الذهبية، فاستحيى المصور من إلحاح الملك عليه في بيته، وأشفق أن يخرج بغير طلبته. ولكنه لم تمضِ عليه ليلة بعيدًا من الصورة المعشوقة حتى لذعته لواذع الأسف والندم، فذهب يدرج إلى القصر الملكي يتوكأ على عصاه ومعه الكيس بقطعه الذهبية كما هي … والتمس الإذن فأذن له، وأعاد المال وهو يوشك أن يبكي. فرق له العاهل الكريم، وعرف مكمن هواه، وقال له: بل تحتفظ بالمال وبالصورة عندك، على أن تكون للقصر الملكي بعدك … وهكذا انتقلت من بيت الفنان بعد وفاته إلى القصر الملكي إلى المتحف الكبير الذي جمعت له التحف من قصور الملوك والأمراء.

وعاش الرجل فقيرًا أو في حكم الفقير مع وفرة المال الذي كان يعرض عليه؛ لأنه كان يأبى العروض التي لا توافقه، بل كان أحيانًا يرد هذه العروض إلى أصحابها في سبيل كرامته، فسمع مرة أن «سوديريني» الذي كان يجري عليه رزقًا شهريًّا للقيام ببعض التكاليف الفنية عاب صورة له، وقال إن «ليوناردو» لم يبذل فيها أحسن جهده لتمثيل جيوش الجمهورية، فأخذ المال الذي قبضه أجرًا على تلك الصورة ورده إلى صاحبه، واستغنى عن العمل كله وعن الرزق الشهري الذي كان يتقاضاه. ولم يرجع عن عزمه إلا حين نفى الرجل ما نسب إليه.

أما المال الذي كان يصل إلى يده، فقلما كان يدور عليه الشهر في بيته؛ إذ كان يعطي من يسأله ويتصدق على المعوزين ممن لا يسألونه، ويقتني الخيل وكلاب الصيد وقطعانًا من الحيوان ينفق على صيانتها وإطعامها، وقلما يستخدمها في الصيد أو النزهة، ولكنه يكتفي بدراستها لصنع التماثيل أو لفهم وظائف الأعضاء، ثم يفرقها بين التلاميذ والصحاب.

ومن الوجوه التي كان ينفق فيها ثروته أن يشتري الطيور المحبوسة في الأقفاص ويطلقها في الفضاء، ويلبث هنيهة ينظر إليها وهي تنعم بحريتها التي كانت محرومة منها. ثم يمضي لطيته سعيدًا بهذا الإحسان الذي يضيع الطير في فضاء الله الفسيح!

وقد كان على خصاصته يتلقى في مصنعه الملوك والأمراء وهم سعداء بما يبصرونه في ذلك المصنع من آيات الجمال والقدرة. واتفق وهو في إغماءة الموت أن حضر فرانسوا الأول إلى الدار كعادته في كثير من الأيام، فهرع إلى سريره، وأقبل عليه يسنده ويسعفه. وأفاق الفنان العظيم فإذا هو على صدر الملك، ثم لفظ النفس الأخير بعد لحظات، فبكى عليه العاهل الذي قلما بكى على إنسان.

ورثاه شاعر في عصره، فقال إنه «هزم بمفرده جيشًا من قادة الفن من جنوده فيدباس وأبلون»، وجانس بين كلمة فنشي بمعنى القبلة، وكلمة فنشي التي ينسب إليها الفنان.

وظل تلاميذه — وقد بلغوا مبلغ الأساتذة الكبار — يرسمون الصور الخالدة، ويذكرون في توقيعها أنها صنع «فلان» تلميذ ليوناردو … وهي تلمذة أحق بالفخر من أستاذية كثيرين.

مضى خمسمائة سنة على ميلاد ذلك العبقري الذي لقَّبُوه بالإلهي في زمانه، وكفى بتحيته أن يقال في ذكراه بحق: إن هذه القرون الخمسة لم تعرف نظيرًا له في ملكاته الفنية والعلمية، وفي حبه للمعرفة وقدرته على كشف مجاهلها؛ ففي الأريحية الإنسانية التي يزدان بها العالمون والعاملون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.