وصلتني رسالة إلكترونية من قارئة تسأل: «ماذا أدرس لكي أصبح خبيرة اقتصادية؟» وأجبتها بالقول: «المفروض أن دراسة الاقتصاد تكون مفيدة في هذا المجال. والله أعلم.» ولا يخفى أن الإجابة تنطوي على قدر من التردد والشك؛ فاعتقادي الشخصي هو أن الحياة هي أعظم مدرسة لتعليم الاقتصاد، بل لعل الأمر لا يتطلب أصلًا أية دراسة، وإنما هي فطرة بشرية؛ فنحن بشكل أو بآخر اقتصاديون دون أن ندري.

يقوم الاقتصاد — كعلم — على عدد قليل من المبادئ أو البَدَهِيَّات، وكذلك بعض الفروض القليلة حول سلوك البشر. أما ما قدَّمه الفكر الاقتصادي من نظريات، فلا يزيد عن عدد محدود من الأفكار الرئيسية الكبرى، وما عدا ذلك فهو تفصيلات جزئية هنا وهناك.

أما المبادئ أو البدَهِيات التي يقوم عليها علم الاقتصاد، فهي تدور حول فكرة «الندرة»، والمقصود بذلك هو أن حاجات الإنسان كثيرة ومتنوعة ولا نهاية لها، في حين أن الموارد المتاحة لإشباع هذه الحاجات محدودة، فضلًا عن أن زيادة هذه الموارد أو زيادة كفاءتها يتطلب جهدًا؛ فالسلع والخدمات اللازمة لا توجد جاهزة في الطبيعة، وإنما تتطلب استخدام الموارد المتاحة من أجل توفيرها. ونظرًا لأن الموارد محدودة؛ فإن المشكلة الرئيسية التي تواجه الإنسان هي كيفية «اختيار» الحاجات الأَوْلى بالإشباع. والحديث عن «الاختيار» يعني «التضحية» ببعض الرغبات الأخرى لحساب رغبات نعتقد أنها أَوْلى بالرعاية. وهكذا نجد أن الاقتصاد يقوم في أساسه على مفهوم «التضحية»، وهو ما جرى الاقتصاديون على وصفه «بالتكلفة». فالاقتصاد في جوهره هو مقارنة بين «التكلفة» وبين المنفعة أو «العائد»؛ فلا شيء في الحياة مجانًا. والقرار الاقتصادي هو في النهاية اختيار الأفضل «عائدًا» وأقل «تكلفة»، وذلك في حدود الموارد المتاحة، أي في حدود «الموازنة» المتاحة لكل فرد أو منشأة أو دولة.

ويفترض علم الاقتصاد أن الإنسان بطبيعته رشيد في سلوكه، بمعنى أنه يسعى بإمكانياته المحدودة إلى الحصول على أكبر إشباع لحاجاته. وبطبيعة الأحوال فإن الأفراد يختلفون فيما يتعلق بتحديد أهمية احتياجاتهم، وبعض هذه الحاجات قد تبدو غير مقنعة للبعض.

أما ما قدَّمه الاقتصاديون من نظريات أو أفكار رئيسية فهي قليلة. ويمكن أن نُعدِّد أهم هذه الأفكار الرئيسية بدءًا بما أشار إليه آدم وسميث حول أهمية «تقسيم العمل والمبادلة»، كذلك هناك ما عرضه ريكارديو عن ظاهرة «تناقص الغلة» وما يرتبط بها من ظهور «للريع». وكان له كذلك فضل اكتشاف مفهوم «المزايا النسبية» في تفسير المعاملات، وخاصة الدولية. وبعد ذلك أبرزت المدرسة النمساوية مفهوم «تناقص المنفعة الحدية»، ونجح مارشال — الاقتصادي الإنجليزي — في الربط بين «تناقص الغلة» مع «تناقص المنفعة» مؤكدًا أن الثمن يتحدد في السوق من خلال الطلب والعرض عند أدنى منفعة حدية للمستهلكين، وأعلى تكلفة حدية بين المنتجين. ويمكن أن نشير أيضًا إلى ما أبرزه الاقتصادي الإنجليزي الآخر — كينز — عن «الخداع النقدي»، بمعنى أن العمال كثيرًا ما ينخدعون بالأجور النقدية بصرف النظر عن مستويات الأسعار، كما وجَّه كينز النظر إلى أهمية «التوقعات»، فالفرد لا يتخذ قراراته على أساس ما يراه من أسعار حالية، بل يتصرف أيضًا في ضوء توقعاته للأسعار المستقبلية. وهناك أيضًا الإضافة المهمة التي قدَّمها الاقتصادي/الرياضي فون نيومان الذي أوضح أن الكثير من المعاملات الاقتصادية لا تعدو أن تكون نوعًا من المباريات أو استراتيجيات الحرب؛ حيث يحدد كل طرف استراتيجيته في ضوء ما يعتقده عن استراتيجيات الطرف الآخر. وقد نضيف إلى ما تقدَّم فكرة «السلع العامة»، والتي عمَّقها الأمريكي «سامويلسون»، وهي السلع التي تهم الجماعة في مجموعها ولكن أحدًا لا يرغب في تحمُّل تكاليفها رغم أهميتها، ويرتبط بها فكرة «الانتفاع المجاني». وربما باستثناء هذه الأفكار، فكل ما كُتب في الاقتصاد لا يعدو أن يكون تفصيلًا أو تعميقًا أو تطبيقًا لهذه الأفكار الأساسية.

لم يكن الغرض من هذا المقال — عندما بدأته — مناقشة علم الاقتصاد في ذاته، وإنما أردت أن أركز على فكرة محددة، وهي أن ملاحظة معظم الأفراد في تصرفاتهم اليومية وفي مختلف المجالات توضح أنهم يتصرفون بمنطق اقتصادي سليم، دون حاجة إلى دراسة في علم الاقتصاد أو قراءة مؤلفات الاقتصاديين. وسوف أقدِّم بعض المشاهد من الحياة العامة.

وأبدأ بما رأيته من حفيدي، وكيف وأنه — وعمره سنة — يتصرف تلقائيًّا تصرفات اقتصادية رشيدة، فهو يعرف أن لا شيء في الحياة دون تضحية أو تكلفة؛ وبالتالي يوازن بميزان دقيق بين التكلفة والعائد. فهو يريد أن تحمله أمه (ابنتي) ولكنها مشغولة، وليس لديه وسائل للضغط عليها سوى «الصراخ»، ورغم أن الصراخ مؤلم بالنسبة له، فإن العائد يبرر هذه التكلفة، وبعد فترة من الصراخ تُضطر الأم المسكينة أن تترك عملها وتحمله. وهو بذلك يكون قد عقد صفقة اقتصادية ناجحة: قليل من الصراخ مقابل منفعة هائلة من الاسترخاء على صدر أمه. وعندما قررت الأم انتهاج بعض الصرامة لتعويده على مزيد من الاعتماد على النفس بترْكه يصرخ دون نتيجة؛ فإنه اكتشف أن جدته (زوجتي) أكثر ضعفًا، فما يكاد يصرخ حتى تسرع الجدة إليه لتحمله رغم اعتراض الأم. وأدرك هذا الشيطان الصغير الفرق بين الوضعين، فهو يصرخ عندما يرى جدته، ولا يفعل نفس الشيء مع أمه؛ فهو قد اكتشف أن هناك سوقًا جديدة (مع الجدة) تقدِّم أسعارًا للخدمة أفضل: (صراخ أقل) مما هو معروض في سوق الأم. هذا الرضيع اقتصادي بالطبع، ولكن الأمثلة تتعدد.

أعرف عددًا من السيدات العاملات، طبيبات ومهندسات وأساتذة جامعات وخبيرات ماليات، وعددًا غير قليل منهن يجيد الطبخ وأعمال المنزل بشكل أفضل عشرات المرات ممن لديهن من شغالات. فهن من هذه الناحية أفضل في أداء الخدمات المنزلية من الشغالات؛ وبالتالي يتمتعن إزاءهن بميزة «مطلقة»، ولكنهن — وعلى وجه القطع — أفضل من الشغالات مئات المرات — إن لم يكن أكثر — في أمور الطب أو الهندسة أو الإدارة المالية. والنتيجة أنهن اخترن القيام بالعمل المهني؛ لأنهن يتمتعن فيه «بميزة نسبية»، تمامًا كما قال ريكاردو، بل إن توزيع الأدوار بين الأزواج يستند — إلى حدٍّ كبير — إلى نفس المنطق؛ فالزوجة — نتيجة لتاريخ طويل موروث، وربما صفات جينية — أفضل في أمور تربية الأطفال وإدارة شئون المنزل من الزوج الذي يكون قيامه بهذه الأعمال — عادة — كارثيًّا؛ لذلك نجد الغالب أن يوزع العمل بين الزوجين بحيث يلتزم الزوج باكتساب الدخل من العمل خارج المنزل، في حين تقوم الزوجة بتربية الأطفال وإدارة شئون المنزل. وانظر أيضًا إلى زوجة غير متعلمة وغالبًا بلا موارد مالية خاصة، فإن زوجها يُعتبر «رأس مالها» الوحيد؛ وعليها بالتالي أن تحافظ على هذا «الرأسمال»، ولا تُعرِّضه للغواية أو الضياع؛ ومن ثَمَّ فهي تقتنع بالمثل الشعبي، «قصص طيرك، أحسن يطير لغيرك»، منتهى الحكمة. وفيما يتعلق بما يُسمَّى «بالسلع العامة»، فأنت تدخل معظم العمارات فتجد المدخل وكذا الدَّرَج وكل ما هو مَرافق مشتركة في حالة مزرية من القذارة والإهمال، في حين أنك بمجرد دخول الشقق السكنية في نفس العمارة، تجد النظافة والترتيب، وربما الأناقة. السبب هو أن كل تكلفة تُبذل لنظافة الشقة في الداخل تعود على الساكن وأسرته، أما نظافة الأماكن المشتركة للعمارة خارج الشقة فسوف تعود على الجميع، ولا أحد يريد أن يتحمل هذه التكلفة لحساب الآخرين؛ فالسلع العامة تحتاج — غالبًا — إلى تدخُّل السلطات العامة.

وعندما اضطُر الاقتصادي الأمريكي جاري بيكر إلى مخالفة قواعد المرور بترْك سيارته في «الممنوع»، لكي يصل لامتحان طالب في الدكتوراه في الموعد المحدد، فإنه اكتشف أنه اقترف جريمة — مخالفة بسيطة — لأن لديه مصلحة أكبر في الوصول في الموعد المحدد؛ فدفعه ذلك إلى دراسة سلوك المجرمين، وكذلك حالات التمييز العنصري، واكتشف أن معظم هذه الحالات تفسَّر في النهاية بأن هناك مصلحة للمجرم أو لمن يمارس التمييز العنصري أكبر مما يلحق بهما من عقاب أو جزاء. وكان أن حصل بيكر على جائزة نوبل في الاقتصاد؛ لأنه استخدم أدوات التحليل الاقتصادي في تفسير ظاهرة الجريمة والتمييز العنصري. وعندما أراد جيمس بوكنان تفسير تفشِّي ظاهرة الإسراف وعدم الكفاءة — وأحيانًا الفساد — في الإدارات الحكومية، وجد أن المسئول يحقق لنفسه منفعةً مباشرة من هذه الانحرافات، في حين أن التكلفة تتحملها الموازنة العامة، وتُوزَّع أعباؤها على المواطنين دافعي الضرائب؛ وبالتالي فإن ما يلحقه من زيادة في الأعباء كمواطنٍ قليلٌ؛ لأنه فرد من عدة ملايين، أما النفع نتيجة الإسراف أو التبديد فيعود عليه مباشرة بالكامل في شكل مرتبات أكبر وسفريات ومغرِيات أخرى. فالإسراف والتبديد في أموال الدولة قرار رشيد بالنسبة للموظف العام عندما يتعلق الأمر بالمقارنة بين التكلفة والعائد. وكان أن حصل هو أيضًا على جائزة نوبل عن نظريته «الاختيار العام»، لمعالجته أمور السياسة بأدوات الاقتصاد. والقائمة طويلة لمثل هذه الأمثلة.

هل نستخلص من ذلك أن الطبيعة البشرية للأفراد خطر دائم على المجتمع، وأننا سوف نكون دائمًا ضحية لهذا السلوك الأناني للأفراد؟ الحقيقة أن الأفراد يسعون لتحقيق مصالحهم بأقل التكاليف، ولكنهم أيضًا — ونتيجة لهذه الرشادة في السلوك — يستجيبون للحوافز أو الجزاءات التي يفرضها المجتمع على أفراده لمنع هذه الانحرافات، أو تشجيعهم على تحقيق الصالح العام.

فالرأسمالي سوف يستمر في جشعه إذا لم يردعه أحد، ولكنه سوف يعدل سلوكه إذا كانت هناك ضرائب عادلة، وربما تصاعدية، وإذا كانت هناك قوانين صارمة لمراقبة الاحتكار، ومعاقبة الكسب غير المشروع. وبالمثل فإن الحاكم سوف يطلق العنان لتطلعاته السلطوية ولنزعاته الاستبدادية، إلا إذا وجد قيودًا دستورية تحد سلطاته، وقواعد لتداول السلطة. وبالمثل فإن المجرم سوف يعيد النظر في سلوكه إذا كانت هناك عقوبات رادعة، وبشرط أن تتوافر أيضًا فرص مناسبة للكسب المشروع، وهكذا.

وكما يرتدع الفرد نتيجة للقيود والجزاءات التي تحُول دون جنوحه إلى الإضرار بالغير تحقيقًا لمصالحه الذاتية على حساب المجتمع، فإنه قد يندفع إلى أعمال البر والخير إذا وجد ما يكفي من محفزات؛ فالإعفاءات الضريبية على التبرعات في أمريكا كانت أحد أسباب التوسع في العمل الخيري هناك، ووجود نظام الوقف الخيري في مصر كان دافعًا — في الماضي — للقيام بأعمال البر.

السلوك الرشيد أو الاقتصادي والمصالح الذاتية قد تكون خيرًا أو وبالًا على المجتمع، وفقًا لما يضعه المجتمع من قواعد للمكافأة والعقاب، ولنُظم الحوافز والقيود السائدة في المجتمع. وهذه مسئولية المجتمع والنظام السياسي والاجتماعي. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.