طَالِع هذه الحكاية الصغيرة — يا قارئي — رفيعًا كنت أو وضيعًا، ذا أعمال خطيرة وتبعات باهظة أو من ذوي النعمة والأُنسِ والطرب.

لن تقع منها على ذكرى العظماء والنابهين، ولن تلقى فيها أحاديث السياسة والحزبية، لكنها تُرِيكَ كيف أن نواة الاستقامة والصدق والعظمة الأخلاقية قد تكمُن في نفوس الصغار المجهولين، وربما شاركتني في تأثري فأوحت إليك هذه الواقعة الضئيلة ما أوحته إليَّ من جليل العواطف والخواطر.

***

صبي المكوجي هذا عرفتُهُ منذ شهور وقد حادثته غير مرَّة لرغبتي في استطلاع أخبار هؤلاء الصغار، والوقوف على كيفية معيشتهم، وعلى نظرتهم إلى الأحوال المحيطة بهم والطريقة التي يدركون بها الحياة، فعلمتُ أن اسم الصبي «نبيه»، وأنه رابع إخوته الستة الذين يشتغل اثنان أو ثلاثة منهم بمثل شغله أو ما نحو ذلك، في حين أن والده ووالدته لا يعملان، وقد هجروا الصعيد وهبطوا القاهرة منذ عام ونصف عام تقريبًا، أما نبيه فيربح عند معلمه ثلاثة قروش كل يوم، وهو أُمِّيٌّ لا يعرف من القراءة والكتابة إلا المجموع في كل «فاتورة» يتسلمها من معلمه ليُحصِّل النقود من الزبائن، هذه حالة كثيرين من أبناء طبقته المنفذين خاصة هذه الكلمة التي جازت على النوع البشري عامة: «بعرق جبينك تأكل خبزك»، وهم رغم الجهود التي يبذلون كل يوم لا يفقدون شيئًا من حبِّهم للحياة وحبِّهم للنكتة، وحبِّهم للهو والسرور والجمال.

أما وجه نبيه فقد تكامل في الطراز المصري المشوق من سمرة مشوبة إلى عينين دعجاوين شديدتي التعبير، إلى روح رشيقة ودم خفيف، إلى لهجة ظريفة جذَّابة، وأما أثوابه فكوجهه تَنُمُّ عن حاجته إلى العناية والترتيب والنظافة.

كم عمره؟ هذا ما لا يدريه أحد حتى ولا هو نفسه، قد يكون دون العاشرة ولكنه لا يزيد عليها، ومع ذلك فهو نشيط في عمله، ماهر في ما يُعهَد به إليه، حاضر الخاطر، حاضر الجواب، وفي عينيه القاتمتين ذكاء متوقد وشعور باكر بقساوة الحياة تجده في عيون جميع أهل الطبقات الدنيا، وابتسام رجراج يطفو على كل ما في هاتين العينين من المعاني، وإذا ما أوصيته أن يستعجل معلمه في كي الثياب وأن يردَّها إليك سريعًا نظر إليك نبيه نظرته الحلوة القائلة إن الجميع يطلبون طلبك، وأجابك بجواب «المحنك» فألقى إليك بكلمة مُهذَّبة رقيقة لا تَعِدُك بشيء ولا تُعيِّنُ لك موعدًا، إنما تطمئنك اطمئنانًا مبهمًا، وترُوقُك بما حَوَتْ من ظُرفٍ مصري ولباقة من التعبير العامِّيِّ البسيط.

***

كان لنبيه معي موقف رفعه في عيني وجعلني أنظر إليه نظرة خاصة، وذلك منذ ثلاثة شهور أو يزيد قبيل سفري إلى الإسكندرية، وقد جاء الصبي يحمل إليَّ الأثواب المكوية من عند معلمه ومعه قائمة الدراهم التي عليَّ أن أورد بها إليه، فنقدته المبلغ أنصاف ريالات جمعتها في كفِّه الصغيرة وأقفلت بابي وراءه، فلم تمرَّ لحظة حتى سمعت على الباب نقرة خفيفة تلتها نقرات، فتحت الباب فإذا بعينيه الصغيرة ترتفع إليَّ وفيهما شيء من التهكُّم المكتوم، وإذا بيده تمتد إليَّ بالدراهم.

قلت: ماذا جرى يا نبيه؟

قال: اتفضلي الفلوس يا مزمزيل.

قلت: هذه فلوس الفاتورة، فأعطها للأوسطى بتاعك، مفهوم؟

لم يقوَ نبيه على ضبط ابتسامته التي كادت تُحوَّل إلى ضحك، ثم قال: مفهوم، بس اتفضلي شوفي الفلوس الأول.

قلت: هل أعطيتك أقل من المطلوب؟

وكانت الفاتورة في يدي، فنقل نبيه نظره منها إليَّ ثم قال: اتفضلي شوفي الفاتورة وبعدين عدي الفلوس يا مزمزيل.

أعدت النظر إلى القائمة فإذا المطلوب — كما عَلِمْتُ من قبل — ستون قرشًا، وأحصيت الدراهم فإذا هي ثمانون قرشًا، وبينا الصغير يضحك بعينيه وشفتيه من جهلي وقصوري في ضبط الأرقام، نظرت أنا إليه نظرةً اخترقت وجهه إلى ذلك الجمال الخُلُقِي الذي أراني مظهرًا منه، نظرة التهيُّب أمام نواة العظمة التي يجهلها صاحبها ولا يحسب لها حسابًا، نظرة المحبة والإكبار لمَلَكَة النُّبل والاستقامة في نفس صغيرة لم يُعلِّمْها أحدٌ دروس الاستقامة والنُّبل.

عشرون قرشًا تُمثِّل لهذا الصبي عناء سبعة أيام بطولها وعمل ساعات مُضنِية في قيظ الصيف، عشرون قرشًا لو ادَّخرها نبيه لنفسه لما حاسبه عليها أحد لأنه لا علم لأحد بها، أجهلها حتى أنا التي دفعتها إليه، وكان في وسعه أن يحللها لنفسه ضاحكًا من الغافلات اللائي يدعن العجلة تُشوِّش عليهن أعمالهن.

بيد أنه آثر أن يضحك شريفًا يدافع عن نفسه الصالحة البريئة، وردَّ المبلغ الذي لا حق له فيه وهو يجهل جمال عمله.

مضى نبيه يعدو في الشارع وقدمَاه العاريتان تطويان الأرض إلى دكان معلمه، وخرجت أنا إلى الشُّرفة أَرقُب سيره وعيناي تُشيِّعانه وتحدثانه حديثًا طويلًا.

ألم يتفق لك — يا صديقي القارئ — أن تمر بك ساعة أو ساعات ترى فيها من الجحود والطمع والدمامية الأخلاقية ما يبعث الكزازة في نفسك ويحملك — ولو حينًا ما — على إساءة الظن في بني الإنسان واليأس من الصلاح والعدل والحق؟

لقد كنت يومئذٍ في مثل هذه الحالة المؤلمة، فإذا هذا الصبي بنظرة وابتسامة وإشارة يرد إليَّ تفاؤلي الجميل بالناس وثقتي المحبوبة بالحياة، وإذ توارى نبيه في طرف الشارع ارتفعت يدي إلى وجهي بمسح دمعتين لم أشعر بانحدارهما، وإذا بي أقول: لقد أحسنت إليَّ يا صغيري!

***

وانقضت هذه الأسابيع ولم تبرح من خاطري ذكرى نبيه، وطالما حدَّثت الذين لا يعرفونه بما أتاه فرأيت التأثُّر في ملامحهم وسمعته في كلامهم، غير أن التأثُّر لا يقيم في المحافل الاجتماعية، وأنا ما زلت أسائل نفسي كيف أحسن إلى نبيه، ومن ذا أوصي به، وما هي السبيل التي يُنمِّي فيها ذكاءه وشخصيته محتفظًا باستقامته؟

وكنت اليوم أسير في طريقي إذ لمحت نبيهًا في جلبابه الممزق غير النظيف وقدماه على عادته تطويان الأرض عاريتين إلى دكان معلمه يقمز جذلًا وصفاء نفسه وقيامه بواجبه الصغير المحدود لينال في كل مساء ثلاثة قروش!

هذا والصحف تدوي بانتخاب مستر هوڨر لرياسة ولايات أمريكا المتحدة، والشركات البرقية تتسابق في تفاصيل حياته وفي أنه بدأ عمله بائعًا للصحف، فربما كان قد سار يومًا ذيَّاك الظافر في الشوارع حافي القدمين شأن نبيه اليوم، ولكنه اهتدى إلى من يأخذ بيده فيمهد له السبيل إلى إنماء ذكائه وتوسيع مداركه وتكوين شخصيته، حتى ارتفع من الحضيض إلى القمة الاجتماعية والدولية، وقام الآن على رأس الملايين من أبناء الأمة الأمريكية ينعم بمقدرة وسلطان لا ينعم بهما ملك على وجه الكرة الأرضية.

هي هي ذي الجواهر الفرائد التي يقذف بها اليم السحيق، يَمُّ حيوية الشعب الزاخر، ها هم أفراد يرتفعون ويؤثرون ويسيطرون؛ لأن مواهبهم محكمة لحاجة قومهم، ملائمة لسير الأحوال، ولئن سعد فرد بالاهتداء إلى من يساعده ويحسن إليه فكم من موهوب مجهول مظلوم!

فمن ذا أُوصي نبيه الصبي الذكي النبيل؟ أية جمعية، أية هيئة، أي عظيم من عظماء مصر يريد أن يسمع صوتي فينتبه لوجوده ويعطف عليه، ويُعنَى به، وينشئه التنشئة المتناسبة واستعداده الطبيعي ليخرج منه رجلًا قويًّا يافعًا مستكمل الشخصية؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.