وُلِدت «هي» في ظل «البرثينون» هيكل مينرفا الذي زخرفه المثَّال فيدياس، وما زال أعجوبة الفن في العالم، وشبَّت في ذلك الجو الرائق الذي كان العامل الأول في انسجام الذاتية الإغريقية القديمة، وترعرعت في هاتيك الربوع التي خلَّد جمال نسائها وفروسية رجالها هوميروس الشاعر الكفيف شيخ المبصرين، وآلهة الميثولوجيا كل ما حوته من جماد وحيوان ونبات ونهر وينبوع، وكل ما تعاقب فيها من المظاهر الطبيعية والجوية.

هي في نضارة الحسن وريعان الشباب، وإذا كانت هذه المنح مع الثروة والمجد والعز والرفعة ضمانات للسعادة، فشأن السعادة عند هذه الشابة شأن الخاتم المسحور في أصبع علاء الدين. أما «هو» فقد حَبَتْه الأحوال بمثل ما حَبَتْها من جاهٍ وفخار وشباب ومتاع، وباح له المجتمع ما حرَّمه على المرأة مما يسمونه «حرية الرجل»، وسلَّحته الطبيعة بتينك العينين الأخاذتين، حيث الحياة تنادي الحياة، وكان مزاجه مزاج الفنان الطروب المتخير المسرات والحسرات تخيُّرًا لا يخضع فيه لقانون.

كلٌّ منهما سليل أسرة خطيرة الشأن، كلٌّ منهما على ثقافة واسعة، وتربية عالية، وذوق مصفى وعادات وأساليب كيسة أنيقة، يكفي في تعريفها أنها ملوكية، ولئن شحذ الشعراء مخيلاتهم ليصنفوا أساطير ألف ليلة وليلة، فإن الوسط الذي يعيش فيه هذان الزوجان لخليق بترفه وأبهته وفتنته وخلابته، بأن يكون مثالًا لقصور الأحلام الباذخة، وكلٌّ منهما حقيق بأن يكون بطل رواية بهيجة وعروس قصيد سعيد.

ولهذين الأميرين عرش ينتظرهما، وإنما التاج يزداد زهوًا وبهاءً عندما يزيِّن رأس الشباب والجمال، وتمت لهما النِّعَم، فإذا بينهما طفل وسيم أرضى مجيئه غريزة الوالدية عند الزوجين، وأشعرهما بأن زواجهما قد أثمر، فهيَّأ للعرش من بعدهما وريثًا يحييان فيه حتى بعد أن يصبحا هباءً منثورًا، فليس لهما بعدُ إلا أنْ يعنيا بتربية الطفل، وبتكييفه على صورة مثلى تليق بمن قُدِّر له أن يستوي على ذروة من ذرى بني الإنسان.

***

ولكن … الزوج لا يحب!

ذلك السلك الأثيري الشفاف الذي يصل بين مستودع الكون الأكبر وبين جزيئات الحياة الخاصة، فيجعل العمر حلمًا لذيذًا، وتفاصيل العمر متاعًا نفيسًا، ويحوِّل حتى الآلام والحرمانات إلى وسائل عجيبة للسعادة — ذلك السلك القوي ليس موجودًا.

الزوج الذي لا يحب …

أو هو يحب، ولكن عواطفه تسوقه إلى غير المرأة التي جمعت بينه وبينها المناورات الدبلوماسية، وإعجابه متجه نحو صورة غير التي فرضت عليه التقاليد الوراثية أن يكون بها معجبًا.

مأساة! وحولَ هذه المأساة الوجدانية المتلاطمة في قلب رجل تمثَّلت فيه لقومه كفالة المستقبل القريب، تجري شئون البلاد مجراها المتعرج المتقطع، وتتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أنضجتها الحرب وأرهقتها مخلفات الحرب هناك، كما في سائر البلدان.

وانتقلت المأساة من حيز الشعور السري إلى حيز العمل العلني، فإذا بالأحزاب تضطرب وتتأثر وتتناقش، وإذا للسياسة العليا إجراءات ومراسيم، وإذا للدوائر الرسمية قرارات وبيانات حاسمة وتنادي بالطفل الصغير ملكًا، وتحكم بالطلاق بين الزوجين، وتقضي بحرمان الزوج من حقوق العرش والملك، محظرة عليه الإقامة في بلاده كأحد أفراد الرعية، أو اجتياز تخومها كسائح غريب عابر، غير أن الأحزاب المشايعة تمضي في الائتمار والمناقشة ورسم الخطط متلمسة وسائل التنفيذ. والزوج المنتفي لم يتنازل عن العرش إلا ليكون إلى اعتلائه أقرب، فهو من ناحيته يتبادل الرأي وأصحابه، ويعد العدة للرجوع؛ لأنه يريد الجمع بين رغبة الحب ومجد السلطان على طريقة غير التي سنَّتها تقاليد الوراثة، ومع امرأة غير تلك التي اختارتها له مرامي السياسة. والملك الطفل يشب وينمو وسط الزعازع والمشاكل التي يعجز عن إدراكها وتسليكها السياسي المحنك والحكيم الخبير، فكيف بعقل غرير!

والزوجة التي ذاقت مرارة الهجران قبل أنْ حكمت الهيئات الرسمية بطلاقها، لم يبقَ لها إلا أن تكون الأم كل الأم، فتعنى بتربية الطفل وتنشئته جسدًا ونفسًا، وتهيمن على دروسه وألعابه، وتشاركه في تقسيم وقته، في حين الزوجة منها ترقب وتفكر وتسمع وتقرأ وتسكت … وإذ يرى الملك الصغير أن لكل طفل أبًا فيسأل عن أبيه، تجيب الزوجة التي لا زوج لها: إنه مسافر، وسيعود إلينا قريبًا.

***

لقد ابتكر العلم وسيلة جديدة يعود بها المنفيون لم تكن من قبلُ معروفة، وفعلًا هبط الأمير بغتة على وطنه في طائرة موالية، صدقت نبوءة الزوجة المهجورة، ورجع الوالد الغائب الذي طالما استفسر عنه ولده، لم يكن إلا أن يرجع ليستولي على جميع حقوقه، فيصبح الملك الآمر الناهي صاحب الحول والطول، ومصدر «الشرف» في البلاد الذي يمنح الرتب والألقاب، ويضع كل امرئ حيث يريد هو أن يكون، وما كان حتى جعل زوجته القديمة ملكة وجعل ملك البارحة الطفل ولي العهد المرتجى، وعرف أن يقول الكلمة المحكمة في سبيل الأمة الوطنية، وأن يُظهِر رغبته الصادقة في إصلاح الشئون والنهوض بها من وهدتها، ففاز بجمع كلمة الأحزاب كلها على تعضيده في مهمته، وكان الفوز الأكبر للأكثرية التي شايعته وانتظرته وأيَّدته حاضرًا وغائبًا.

***

وهنا لحقت به إلى عاصمة ملكه المرأةُ التى كانت إلى جانبه في منفاه المختار، فخلفت له في الغربة وطنًا، لحقت به على مشهد من رعيته وأسرته وولده، لحقت به على مشهد من مطلَّقته النبيلة العذبة التي جعلها ملكة، وأنشأ يبذل المساعي لمصالحتها واستعادتها إليه …

أين تعاليمكم أيها القائلون بأنَّ تضعضُع الحياة إنما هو نتيجة الشر وسوء التصرف، وأن الإحسان جزاء الإحسان، وأن تهذيب الزوجة وثقافتها وصلاحها وحسن سلوكها يضمن الراحة والهناء لها ولذويها؟

أنتم في نظرياتكم مصيبون … عندما تصيبون ليس غير! وكم يكذِّب الواقع النظريات ليثبت أنْ ليس له من قانون غير قانونه السريع المباشر! ومع ذلك أعترف بوجوب نشر النظريات الأخلاقية وإنْ كان الواقع يناقضها، أو بالحري لأن الواقع يناقضها؛ فقد قال فولتر: «لو لم يكن … موجودًا، لَوَجَبَ أنْ نوجده.» وهذا الرأي يصح على المبادئ الأخلاقية.

ولرُبَّ معترِض يقول: إن هذه حادثة فردية، وإن الفرديات لا يؤخذ بها لإصدار حكم عام، وإننا لو نظرنا إلى الجانب الآخَر لَوجدنا عديد النساء اللائي لا يحسبن لأزواجهن وأبنائهن حسابًا في غير استغلالهم لمآربهن. وهذا صحيح؛ لأن الطبيعة البشرية بحسناتها وسيئاتها واحدة عند الجنسين، وكأن هذه المرأة النبيلة التي تهدمت حياتها وهي بريئة، تكفِّر بتفطرها عن آثام عديد النساء الغافلات المستهترات الجانيات.

غير أن مصابها مصاب كثيرات من النسوة البريئات الصالحات اللائي تقسو عليهن الطبيعة والمجتمع معًا، فيسْكُتْنَ خشية الفضيحة. إذا نُكب الرجل، فهو يفرج من كربته بالخروج إلى ميدان العالم ومسرح السعي والعمل، وأما المرأة فتَلْتَهِم نفسها شأن النار التي لا تجد ما تلتهمه، ولئن شهدنا اليوم في جميع أنحاء المعمور هذه الحركة النسوية الباهرة، التي تجرف حواجز الماضي وتكتسح عقبات الحاضر لتهيئ المستقبل العادل، فإنما هذه الحركات منبعثة من مثل هذا المصاب، الذي ليس إلا بعض الآلام البكماء التي فُرِض على المرأة احتمالها والسكوت عليها.

حكاية قلب الزوج بسيطة: الملك حقه الوراثي وقد ناله، والحب وإن كان حقًّا طبيعيًّا أوليًّا للجميع، فقَلَّ من فاز منه بغير الطيف الخادع. أما هذا الزوج فيحسب أنه عثر على حاجته؛ فمَن ذا الذي يلومه إذا هو وجد سر السعادة ومعنى الحياة؟ مَن ذا الذي يلوم الظامئ الصادي إذا هو تهافت على الينبوع الصافي؟

أما الزوجة فلا نعرف من أمرها إلا ما تنشره الأنباء، فنقرأ السطور، ونتبين ما بين السطور، ونحاول أن نذهب إلى ما وراء السطور مما قد لا يعرفه غيرها، وإن تناوله المقرَّبون وغير المقرَّبين بالتأويل والتعليل.

إن موقفها — على حراجته — محتمَل نسبيًّا إذا هي كانت لا تبالي بالذي لا يبدي لها إلا «الاكتراث السياسي» إن هو أحاطها بالرعاية؛ فلأن ملايين القلوب في تلك البلاد تحبها وتُكْبِرها وترعاها …

وماذا عسى تنفع الملايين حيث القلب الواحد مفقود؟

ولكن، لو هي كانت تحب؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.