تعرَّض العرب في تاريخهم الطويل إلى كوارث متنوعة، أوشك بعضها أن يقذف بهم في هاوية الفَناء أو يردِيهم في فراغ النسيان. واسترجاع هذه الحقيقة لا يخلو من فائدة في أيامنا الراهنة التي يجد العرب أنفسهم فيها ممزقين بين شتى المواقف والآراء، تُحْدق بهم أخطار كثيرة، وتهددهم عداوات متنمرة، وتطحنهم هزائم مريرة. وغالبًا ما ترجع أسباب الكوارث إما إلى خلافات داخلية بين العرب وأنفسهم، أو إلى أعداء من الخارج يرومون اغتيالهم أو إبادتهم أو السيطرة على مصيرهم. ففي أوج عزتهم وذروة انتصارهم شجرَ أول خلاف بينهم على عهد خليفتهم الثالث، فشرَّدهم أحزابًا، وردَّهم إلى عصبية الجاهلية أو أشد، وأجرى بينهم الدماء أنهارًا حتى شُغلوا حينًا عن رسالتهم بخصوماتهم التي امتد بعض بواعثها حتى يومنا هذا، ونال ذلك من قوتهم، ولكنه لم يمنع قافلتهم من السير، فأنشئوا إمبراطورية وحضارة.

وفي زمن آخر جمع الغرب جموعه بغية القضاء عليهم في سلسلة من الحروب الاستعمارية المتخفية وراء قناع الدين، تواصلت أعوامًا طويلة، وتُوِّجت بنصر أقيمت لهم به ممالك في شرقنا، تُوُورِثت عروشُها جيلًا بعد جيل، واتُّخذت كقاعدة عريضة للمزيد من الوثوب في المستقبل، وظن كل متشائم أن تلك هي النهاية التي لن تعقُبها نهاية أخرى، ولكن خاب فأْل العدو والشامت والمتشائم، فاقتلعت الممالك مملكة وراء أخرى حتى تطهرت الأرض من الغزاة وعادت ترفرف فوق قلاعها أعلام أصحابها المجاهدين الصابرين.

وفي حقبة تالية اجتاح الأرض هول أسود مدمر اسمه التتار، اقتحم الحصون، ودوخ المدن، وأباد الناس، وداس بالأقدام جواهر الحضارة ناشرًا الرعب بين يديه، حتى تحول في الأفئدة أسطورة للخوف والموت، ولكنه على حدودنا وجد من يتصدى له ويتحداه، فيوقف تياره المتدفق، ويكسر سيفه الدامي، ويقلب نصره إلى هزيمة، فيقلص ظله، وينقذ العالم من شره المهلك.

وفي مرة رابعة غزا العالم العربي سلطان قاهر، أخضعه لإرادته حوالي أربعة قرون، أطفأ فيها كل شمعة في أرجائه، وأذل أبناءه، واستصفى أمواله وخيراته وعقوله، وضرب حوله سياجًا من حديد منع عنه النور من حوله، فسبح في ظلام دامس، حتى صحا صحوة أهل الكهف أمام رسل عصر جديد، وإذا به يُبعث من جديد، وفي حيرة شديدة، فيواصل مد جسوره إلى العالم من حوله، ويشرئب بحب استطلاعه إلى استيعاب ما فاته في نومه الطويل، محدِثًا نهضة مباركة بعد أن ظُنَّ به الموت والفناء.

وفي عصرنا الحديث، وفي أعقاب الحرب العظمى الأولى على وجه التحديد، سقطت البلاد العربية في قبضة الاستعمار الأوربي باتفاق عالمي، بعد أن ضم إليه عددًا منها قبل ذلك بمختلف العلل، وران الظلام على القلوب، وأسفر المستقبل عن يأس كئيب، ووقف القائد المنتصر على قبر صلاح الدين يتحداه أن يقوم لإنقاذ قومه، وإذا بأول ثورة على الاستعمار تندلع في مصر، فتتبعها سلسلة من الثورات، وإذا بصفوف الشهداء تتساقط صفًّا بعد صف، وفي أقل من نصف قرن فازت جميع البلاد باستقلالها، ومارست سيادتها فوق أراضيها، وواصلت رسالتها الخالدة في تنمية ذواتها، واستكمال حضارتها.

أسوق حديثي هذا للذين ينظرون إلى موقف العرب اليوم بأسًى وقنوط، لا لأهوِّن منه، فهو موقف عسير حقًّا، ولا لأعزيهم بأمجاد ماضية، فالأمجاد الماضية لا تُجدي في تغيير الواقع، ولكن لأقول لهم: إن الكوارث ليست بالجديدة علينا، فكم تعاملنا معها، وكم احتويناها وتجاوزناها إلى الخير والعافية، فلا داعي مطلقًا للقنوط أو التشاؤم، ولا داعي لتصوُّر إن شيئًا يمكن أن يدوم، فلا شر يدوم، ولا خير يدوم، ولا داعي إلى أن نخاف الحرب إذا وجبت الحرب، ولا أن نخاف السلم إذا وجب السلم، ولا أن نجفل من تجربة، أو نجزع من منافسة خصم، ولنعدَّ أنفسنا دائمًا بالعزيمة والحضارة والنزاهة لمواجهة الحياة بكافة تقلباتها من شر وخير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.