إنَّ أكبر ما تُعابُ به الاشتراكية المتطرفة هو نفخ الخامل والكسول والجبان وإيهامهم أنهم في الدنيا الكل في الكل، والقضاء على تلك المكرمات الإنسانية وتلك الصفات النبيلة، صفات القناعة والنزاهة والخضوع والرقة والتهيب أمام الأشياء العظيمة الجلية التي هي أثمن إرث في متحف العصور والمناداة بصلاح ما يناقضها.

***

يهدم التطور صورًا قديمة ويبدع صورًا جديدة على يد أشخاص يخلقهم التطور نفسه وقلَّ مَنْ فَهِمَهُم في محيطهم، وكلما تعالوا إلى المثل الأعلى أفرط العامة في الاستخفاف بهم ودفعهم عنهم لأنهم «لا يشبهون جميع الناس»، على أن نفوذ هؤلاء الأفراد وفوزهم النهائي إنما يتعلق بما عندهم من شجاعة وإقدام واعتقاد بأن الحرية الفردية المطلقة يجب أن تكون دعامة المدنية الجديدة الحقة لأن الإنسان حر، ولو كانت فكرة الحرية وهمًا لوجب الأخذ بها لأنها وهم ضروري للرقي.

***

الوطنية! يا للكلمة الساحرة المنبهة كل فكر، الملهبة كل قلب، الشاحذة كل عزيمة! لقد كانت دومًا عظيمة حتى في معناها الضيق يوم كانت تحسب البلاد كل العالم، وأهل البلاد الشعب المصطفى الأوحد، ولقد كانت في معناها الواسع عطفة رحيبة امتازت بها النفوس الحرة في كل زمان ومكان غير أنها شاعت وصارت لكل أمة ناهضة منذ قرن وبعض قرن بعد أن هدم بنو الفرنسيس جدران البستيل ناشرين على حدود الوطنيات أعلام الثورة الفكرية، وجاعلين الأقطار تتجاوب أصداؤها بتلك الآيات الثلاث المعلنة حقوق الإنسان وهي — من ذا لا يعرفها؟ — حرية، مساواة، إخاء.

ولكن لا تنقمن على الألم فهو مغذي الذكاء ومهذب الشعور ومنبه الإدراك إلى معانٍ جمَّة وأساليب فكرية كثيرة، إن صاحب العواطف القوية شقي إذا ما ذكرنا أن هذه العواطف تعذبه في كل حين وتظل هامسة بالشكوى حتى في أعذب ما يناله من لحظات السعادة النادرة، لكن هذا العذاب بعينه هو ممزق غشاء الجهل والأنانية عن بصر فريسته، وهو مستنزل الوحي على فؤاد نهشته براثنه حتى أَدْمَتْه، هو مفجر ينابيع النُّهَى، هو يعطي القلم قوة تبدع من الكلام سيوفًا وبروقًا ويحبو اللسان بلاغة تملك القلب لأنها تخابره مباشرة بلا وسيط، وماذا عسى ينفع الحديث إن لم يكن مصدره القلب، وما هي قيمة الإصلاح إن لم يكن ناشئًا عن إدراك تكوُّن ليس في العقل وحده بل في العواطف المسحوقة وما تنبه إليه من احتياج كثير؟ ونظرة الكاتب إن لم يطل فيها خيال القلب المتوجع ليست إلا بالنظرة الباردة القاصرة التي لا تنفذ إلى ما وراء قشرة الظواهر، ويظل باب النفس باب الحقيقة أمامها مغلقًا مجهولًا!

***

لماذا يشفق الرجل على المرأة؟ لأنها تقضي حياتها تائهة في لُجَجِ هوة لا يعرف هو منها إلا الشاطئ وهي هوة العواطف، للرجل كبرياء الجولات الفكرية والأطماع المتزايدة والقوة البدنية، أما المرأة فمهما ارتقت وتناهت نشاطًا ورغبة في تسنم ذُرَى الفكر ليست بقادرة على أن تستخرج من نفسها آثار ذلك الإرث الذي أودعتها إياها يد العصور، وهي قوة الشعور قوة الحب التي تخلق من الكائن الترابي العادي إلهة سامية جليلة.

***

ما أسرع ما تتمزق أثواب الورود، وما أتعس القلوب الشديدة التأثر! يمر النسيم العليل على الأزهار النضرة فتتمزق بوطئه جلابيبها وتنثر وريقاتها، كذلك تكفي ملامسة الألم للنفس المنفردة ليثير منها الأشجان ويستقطر من محاجرها العبرات.

من الرجال من يكتفون بالمجد والوجاهة والفخر، ومن النساء من لا يفهمن إلا حياة الزينة والغنى وارتفاع القدر.

أما أنا فلا هذه العطايا تغرني ولا تلك الموهب تستهويني، شيء واحد تام الجمال في تقديري وهو ما يشترك في تركيبه قسم كبير من الفكر وقسم أكبر من القلب، شيء واحد ينبه إعجابي وهو ما كان مترفعًا عن الصغائر والدنايا وهو زهرة نادرة المثال، شمس الذكاء والمعرفة تحييها ومياه العواطف العذبة ترويها، ما أتعس القلب الحسَّاس وما ألينه لاستحكام الجراح في ثنياته!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.