أخص ما ينبغي أن يميز الرجل السياسي الذي ينهض بأعباء الحياة العامة، وينصب نفسه لتصريف أمور الناس: أن يكون نزيهًا فيما يأتي من الأمر، وفيما يُرسِل من القول، وفيما يرسم من الخطط. ومعنى النزاهة فيما أعتقد أن يكون الرجل السياسي الذي ينهض بالأعباء العامة، ويقبل تصريف أمور الناس منصفًا للناس من الناس، ومنصفًا للناس من نفسه قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، لا يؤثر بالإنصاف خَصلة أخرى، ولا يتجاوزه مهما تَكُنِ الظروف، ومعنى ذلك أن أخص ما يَتَّصِفُ به الرجل السياسي النزيه، إنما هو حسن فَهمِه للمساواة وتذوُّقه إياها، وتمثُّله لها حتى تصبح جزءًا من مزاجه، ومقوِّمًا من مقوِّمات أخلاقه العامة، لا سبيل إلى فَهمه بدونها، ولا سبيل إلى تصوُّر عملٍ من أعماله دون أن يظهر فيه أثر الإنصاف والعدل، والحرص على تحقيق المساواة.

وكان عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — من أشد الناس قَدرًا للمساواة، وحرصًا عليها، وتذوُّقًا لها، كان ينصف الناس من الناس وكان ينصف الناس من نفسه قبل أن ينصفهم من أنفسهم، وكان عمر — رضي الله عنه — شديد الحرص على أن يسير عُمَّاله وقضاته في الأقاليم سيرته هو في مستقر الخلافة، والناسُ جميعًا يذكرون أنه كان يأخذ قضاته في بتحقيق المساواة بين الذين يختصمون أمامهم في كل شيء، حتى فيما لا يستطيع الإنسان أن يحقق فيه المساواة إلا بهذه الإرادة القوية النادرة التي لا يمتاز بها إلا أمثاله من العظماء، وهو ميول النفس، وأهواء القلب، وما ترسم على وجه القاضي من مظاهر الإقبال والإعراض، وعلامات الحب والبغض، وآثار العطف أو الانحراف، فكان عمر — رضي الله عنه — يطالب قاضيه أبا موسى الأشعري أن يسوِّي بين خصومه حتى في وجهه، ولأمرٍ ما اتفقت أجيال المسلمين — على اختلاف العصور والبيئات والأجناس، منذ ثلاثة عشر قرنًا أو أكثر — على أن عمر كان المثل الأعلى لحب العدل وتحقيق المساواة بين المسلمين.

ولسنا نطمع في أن يكون ساستنا والناهضون بأعباء الحياة العامة فينا مُثُلًا حية لعمر، ولا للذين اقتدَوْا بعمر من خلفاء المسلمين وقادتهم في عصور المجد الإسلامي القديم؛ فذلك مطمَع يدل كل شيء على أن تحقيقه في هذه الأيام لا سبيل إليه، وإنما نطمع — ومن حقنا أن نطمع — في أن تكون سيرة عمر — رحمه الله — هَدْيًا للذين ينهضون بأعباء السياسة، يتأثرونها ما وسعهم ذلك، يتأثرونها ولو من بعيد جدًّا، فهم إن فعلوا أراحوا أنفسهم من شر كثير؛ أراحوا أنفسهم أمام ضمائرهم، وأراحوا أنفسهم من هذا الخوف الذي يخالط القلوب الحية فيزعجها حين تفكر فيما أَعَدَّ الله للظالمين من حساب عسير. أراحوا أنفسهم من سخط الناس عليهم، وتبرُّم الناس بهم وشَكِّ الناس فيهم، ورجاء الناس أن يخلصوا من سلطانهم الذي ليس له حَظٌّ من رحمة أو رفق فضلًا عن أن يكون له حظ من حب للعدل أو تحقيق للمساواة والإنصاف.

نعم، وأراحوا أنفسهم من أن يذكرهم التاريخ هذا الذِّكْرَ الذي تشمئز له النفوس، وتعبِس له الوجوه، وتقطب له الجباه، ثم أعانوا مع هذا كله على إذاعة الخير ونشر المعروف وأخذ الناس بحب العدل، والرغبة في الإنصاف، والشعور القوي بمنافع الديمقراطية والإيمان القوي بأنها خير ما وصل إليه الناس من أصول الحكم والنظام. من حقنا أن نطمع في هذا كله من ساستنا والناهضين بأمورنا العامة؛ لأننا نؤدِّي واجباتنا الاجتماعية والسياسية على وجهٍ حسن. فمن الحق على الذين يلون أمورنا أن يؤدوا واجباتهم الاجتماعية والسياسية على وجه حسن. فليس ينبغي أن يؤدي الشعب كل ما يطلب إليه لحاجة الدولة، وأن تعوج الوزارات في تأدية ما يطلب إليها في حاجة الشعب. وليس ينبغي أن يؤدي الشعب إلى الدولة ما تفرض عليه من الضرائب، ولا تؤدي الوزارات إلى الشعب ما يجب عليها من إنفاق هذه الضرائب في مصالح الشعب ومرافقه، وليس ينبغي أن يؤثِر الشعب حاجات الدولة على حاجاته الخاصة، ثم لا ترضى الدولة منه ذلك حتى تظلمه وتجور عليه وتكلفه فوق ما يطيق.

ولعل الذين يسوسوننا ويلون أمورنا يعلمون أن الشعور العام قد يئس منذ نهض صدقي باشا بالحكم من أن تناله الوزارة برحمة أو رفق. فالشر كل الشر، والخطر كل الخطر أن ييأس الشعب من أن تناله الوزارة بالعدل والإنصاف.

أكتب هذا كله، وبين يديَّ حوادثُ ثلاثٌ تدعو حقًّا إلى التفكير الطويل فيما وصلت إليه أمور مصر حين أخطأ الناس في المساواة، وحين انصرف الناس فيها عن تحقيق هذه المساواة. وتدعو إلى التفكير الطويل في هذه النزاهة التي يجب أن تكون الشرط الأساسي لكل نهوض بالأعباء أو تصريف للأمور العامة.

فهذه قصة أبي جرج ليست في أكبر الظن إلا عنوانًا لقصص أخرى لعل أصحابها يُشفِقون من التحدُّث بها إلى الصحف؛ مخافة أن يغضب ذلك الوزراء والمديرين، فيضاعف لهم ما يجِدون من الهم والغم، وما يحتملون من المشقة والجهد، وهي قصة أَقَلُّ ما تُوصَفُ به أنها مَثَلٌ قبيحٌ لإهمال المساواة، وتعمُّد التفريق بين الناس فيما ينبغي ألَّا يفرق بينهم فيه من العدل. وقد أخذت السياسة تتحدث عنها منذ يوم الأحد، وأخذت اليوم تنشر بعض أدلتها بالصور التي لا تدع سبيلًا إلى الشك فيها. والوزارة ساكتة لا تقول شيئًا ولا تنكر شيئًا. أفتراها بعد هذا الصمت الذي هو أشبه الأشياء بالاعتراف ستمضي في إقرار هذا الظلم على هؤلاء الناس؟ أم تراها سترفعه عنهم، وعن أمثالهم، وستعاقب الذين اقترفوه؟ وقد زعموا أن رئيس الوزراء أُخرج من وزارة صدقي باشا لأنه أنكر أمثال هذا الظلم، وأراد تغييرًا في سياسة رئيسه أمس، وخصمه اليوم.

أفتراه يقر اليوم ما كان ينكر في أول هذا العام؟ أم تراه يطلب إلى الوزير المسئول أن يُنصِف الناس من نفسه، وأن ينصف الناس من أنفسهم؟ فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من الوزارة، ورضي الناس عن إخراجه؛ لأنه إنما يكون نتيجة للرغبة في العدل والحرص على رفع الظلم والجور.

وقصة أخرى تحتاج إلى عناية رئيس الوزراء، وقد لفتناه إليها منذ أيام، وهي قصة هذا الهزل المؤلم المُحزِن الذي يأتيه مدير الدقهلية مع رجال التعليم الأوَّلي في إقليمه، حين يتحكم فيهم، ويفرض عليهم زيًّا من الأزياء غير معتمِد في ذلك على حق ولا عدل، ولا مستنِد في ذلك إلى نظام ولا دستور، وإنما هو التحكُّم الذي ينبغي أن يُضحِك لولا أنه اعتداء على الحرية وإرهاق للناس وإضاعة لوقت المعلِّمين فيما لا ينبغي أن يضيع وقتهم فيه. ووزير الداخلية هو المسئول عن هذا الهزل. فمن الحق عليه أن يأمر مديره بأن ينظر في أمور الناس بالجِد، وألا يُكرِهَ فريقًا منهم على غير ما يريدون، وألَّا يتحكم في أزياء الناس؛ فإنه لم يُعَيَّنْ مراقبًا للأزياء، وإنما عُيِّنَ لشيء آخر بعيد كل البعد عن مراقبة الأزياء. ومن الحق على رئيس الوزراء أن يتقدم إلى زميله وزير الداخلية في أن يَكُفَّ هذا الهزل الذي لا يلائم جِدًّا ولا عدلًا ولا احترامًا للدستور، فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من وزارته، ولم يَلُمْهُ في ذلك أحد؛ لأنه يكون يومئذٍ مدافعًا عن الحرية والعدل والقانون.

وقصة ثالثة هي أثر من آثار الوزارة السابقة، ومن الحق على الوزارة القائمة أن تصلحها أو أن تنفيها؛ فقد زعموا أن وزير الزراعة السابق تجاوز مشورة الفنيين في وزارته وأمضى عقودًا أجرت بها أرض لحقول التجارب، وأمضى هذه العقود وهو مستقيل، وألزم الدولة بهذه العقود، ولم يكن يملِك إلزامها، وأنفق في ذلك عشرة آلاف من الجنيهات، ولم يكن يملك إنفاقها، وكانت المصلحة الظاهرة تقضي ألا تنفَق ولا سيما في هذا الوقت العصيب، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يفضي إلينا بجَلِيَّة الأمر، ومن الحق على وزير الزراعة الجديد — إن كان حقًّا ما أُشِيعَ — أن يمحو هذا الأثر من آثار وزير الزراعة القديم، وإن كانا جميعًا شعبيين. ومن الحق على رئيس الوزراء ألَّا يقبل من زميله وزير الزراعة إلا إلغاء هذه العقود؛ لأن النزاهة السياسية تفرِض عليه ذلك فرضًا.

ويخيل إلينا أن في حياتنا العامة أمورًا كثيرة ليست أقل خطرًا، ولا أبعد عن العدل والمساواة من قصة أبي جرج ومن هزل الدقهلية، ومن عقود وزير الزراعة السابق. ويخيل إلينا أن النزاهة السياسية تفرض على رئيس الوزراء أن ينفق وقته في تقويم هذا العوج، وإصلاح هذا الفساد؛ فذلك أنفع وأجدى من إنفاق الوقت في مخاصمة صدقي باشا، وهو أضعف من أن يصلح للخصام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.