كانت وجهة مصر منذ بضع سنوات إلى تحقيق استقلالها بالاتفاق مع إنجلترا، وإلى كفالة حياتها البرلمانية، فلما تحقَّق لها من هذا وذاك ما اطمأنت له، أصبحت وجهتها إلى الإصلاح في شئونها الداخلية، وليس بين الناس أحد في هذه البلاد لا يتكلم اليوم في الإصلاح، والوزارة القائمة أكثر الناس في موضوع الإصلاح كلامًا.

وهذه ظاهرة يغتبط لها المصري أشد الاغتباط؛ فالحديث في الإصلاح دليل الشعور بالحاجة إليه، والإلحاح في الدعوة إلى الإصلاح دليل على عمق هذا الشعور في النفس المصرية، ومتى شعر الإنسان بالحاجة إلى شيء التمس الوسيلة للحصول عليه.

ولا ريب في أن من الخير أن تتناول فكرة الإصلاح مختلف النواحي لحياة الأمة ومرافقها، فالحديث في إصلاح حال الفلاح، وفي الإصلاح الاجتماعي، وفي تقوية الجيش، وفي إصلاح الصناعة، وفيما إلى ذلك من وجوهٍ يتناولها الكل بالحديث في هذا الوقت الذي نمر به — هذا حسن وفيه خير كثير، لكنَّا إذا أردنا أن يؤتي هذا الإصلاح ثمره، بل إذا أردنا أن ننفذ هذا الإصلاح وأن لا نقف من أمره عند الكلام، وجب علينا أن نعرف الغاية التي نقصد إليها، وأن نحدد المطمح الذي نريد أن تصل الأمة إليه، ونتخذ هذا الإصلاح وسيلة لبلوغه.

قد تحتاج هذه العبارة الأخيرة إلى بيان يوضحها، وخير بيان لها أن نذكر الأمم الأخرى ومطمحها والمثل الأعلى الذي تريد تحقيقه، ثم الاحتفاظ به متى حققته.

فإنجلترا تجعل من الإمبراطورية البريطانية مطمحها ومثلها الأعلى، وتوجِّه إلى تحقيق هذا المطمح والمحافظة عليه كلَّ جهودها، وتصوغ على غراره سياستها، وتخضع له كل نهضة فيها. وفي سبيل الإمبراطورية يبذل الرجل البريطاني أيًّا كانت مكانته الاجتماعية كل ما يملك بذله: يبذل المال، ويبذل الجهد، ويبذل الحياة إذا اقتضى الأمر التضحية بالحياة. وفرنسا تجعل من الحرية الشعبية غايتها ومطمحها ومثلها الأعلى، في سبيلها تضحي، ومن أجلها تعيش، لها تعمل، وباسمها تتغنى، ولكفالتها تُخضِع كلَّ جهد ونشاط عام فيها. وقد رأينا إيطاليا الفاشية تخلق لنفسها مثلًا أعلى من الإمبراطورية الرومانية القديمة، وتطلب إلى أبنائها بذل التضحيات لبلوغ هذا المطمح، فما هو مطمح مصر؟ وما هو مثلها الأعلى الذي تدعو أبناءها للبذل في سبيله، والذي نصوغ الإصلاح فيها ليكون الوسيلة لبلوغه.

إن كلمة الإصلاح لذاتها لا تكفي مثلًا أعلى لأمة من الأمم، فالغرض من الإصلاح تحسين أحوال الشعب أو بعض طبقاته، ولكن ما هي الغاية التي يعيش هذا الشعب من أجلها؟ أَوَيكفيه أن يأكل غدًا خيرًا مما يأكل اليوم، وأن يشرب غدًا خيرًا مما يشرب اليوم، وأن يجعل ذلك كل همه ومنتهى أمله؟ وَلْنستعر التعبير الذي نعرضه على الصبيان نثير به حيرتهم وطلعتهم: هل يأكل هذا الشعب ليعيش، أو يعيش ليأكل؟ وإذا كان هذا الشعب يأكل ليعيش، ولا يكتفي بأن يعيش ليأكل، فما هي غايته من العيش؟ ما هو الميراث الذي نريد نحن أن نتركه للجيل الذي يجيء بعدنا ليشعر هذا الجيل بأننا عشنا وعملنا، ولم نترك الحياة دون أن نحقق منها أثرًا له قدره وله قيمته؟

لقد كانت هذه البلاد في كثير من الأجيال محط نظر العالم والمثل الذي تتأسى به الأمم في التفكير، أو في السلطان، أو في أسباب الحضارة مجتمعة، ونحن اليوم في مركز يدعونا لأن نفكر في استعادة هذه المكانة؛ فقد ألقت المقادير علينا أن نكون أسوة البلاد العربية وبلاد الشرق الأدنى في نشاطها ونهضتها، فليس يجوز لنا أن نكتفي بالتماس المثل الأعلى لأنفسنا وكفى، بل يجب علينا أن نلتمس هذا المثل لنكون فيه قدوة لغيرنا من الأمم التي تجاورنا، والتي تتصل معنا على التاريخ بصلاتٍ ربطت مصائرنا في أكثر حقبه، وجعلتنا بذلك نتعاون تعاونًا مثمرًا لإدراك غاياتنا الإنسانية السامية.

أشعر باعتراض يوجِّهه بعضهم إليَّ مصحوبًا بابتسامة مغزاها أن هذا الكلام الذي أقوله خيال لا سند له من الواقع، وأن كلمة المطمح والمثل الأعلى ألفاظ تقال ولا مدلول لها، وجوابي على هذا الاعتراض في غير ابتسام أن أصحابه ينكرون حياة الأمم ووجودها، بل ينكرون الحياة الإنسانية وأغراضها، وحسبي أن أُقنِع مَنْ شاء الاقتناع بأن أسأل: ما حياة رجل لا غرض له من الحياة ولا مطمح له فيها؟ ما حياة رجل يكفيه أن يجد قوت يومه، وليس له من وراء ذلك رجاء في مال يُحصِّله، أو جاه يميزه، أو سلطان يكون له، أو علم يسمو به، أو تقوى يتقرب بها إلى الله؟ مثل هذا الرجل يعيش كما تعيش الزواحف، أو كما تعيش الحيوانات على أحسن تقدير، والذين يوجِّهون اعتراضهم إلى ما أقوله عن المطمح والمثل الأعلى هم أول الذين يتهمون هذا الرجل بالضعف والانحلال الخلقي، والذين ينالونه بتحقيرهم وازدرائهم، لماذا؟ وما بالهم لا يرونه رجلًا عاقلًا، آية عقله ازدراؤه الدنيا، حكيمًا، آية حكمته احتقار أوهام الطموح والمثل الأعلى؛ ذلك لأنهم يقدرون بحق أن الرجل الناجح في الحياة هو الذي يجعل لنفسه فيها غرضًا يسعى له ثم يدركه. فأما الرجل الذي لا غرض له من الحياة، والذي لا يبلغ منها ما يجعل غيره يتطلع إليه فيغبطه بل يحسده، فذلك عندهم رجل إمعة أحمق يدخل الحياة، ثم يخرج منها مشيعًا بالسخرية اللاذعة.

الأمم كالأفراد … لها حياة ولها في الحياة نشاط، ولها نشأة هي مولدها، ولها هجعة ما أشبهها بالموت، وكل ما بينها وبين الأفراد من فرق أن الموت الذي يذهب بالأفراد فلا يرجعون ليحدثوا أمثالهم ليس مما تعرفه الأمم؛ إذ تتعاقب أجيالها فيحول هذا التعاقب بينها وبين الموت كما نفهمه بالنسبة للأفراد، لكن حكمنا على الأفراد الذين لا غرض لهم من الحياة غير المرور بها، يصدق كل الصدق على كل جيل في الأمة لا يكون له من الحياة القومية غرض يطمح إليه ويجعله مثله الأعلى، وبمقدار سمو هذا الغرض تكون الأمة جديرة بالاحترام، كما يكون الفرد جديرًا بقدر من الاحترام يتفق مع سمو غرضه في حياته.

هذا أمر مُشاهَد اليوم، وكان مُشاهَدًا في كل الأجيال، فلماذا احترم الناس العرب أول وَثْبتهم بعد حياة الرسول عليه السلام؟ ولماذا احترم الناس مصر أيام الفراعنة وأيام الحروب الصليبية وأيام محمد علي؟ ولماذا نحترم إنجلترا اليوم ونؤيدها في الغرض الذي تسعى إليه من نصر الديمقراطية والنضال في سبيلها؟ ذلك لأن هذه الأمم جعلت وتجعل لها من حياتها القومية غرضًا تطمح إليه، ومثلًا أعلى تحرص على تحقيقه. أما الأمم التي تكتفي من العيش بالعيش، ولا تطمح من وراء حياتها إلى مثل أعلى تحققه لنفسها وللإنسانية، فتلك الأمم التي ينظر الناس إليها شزرًا، وقَلَّما يعنيهم وجودها إلا بمقدار مطمعهم فيها.

وأحسبنا أبر بمصر من أن نرضى لها هذا الموقف الأخير، وبخاصة بعد الذي عانيناه وعاناه آباؤنا وأجدادنا في العصور الأخيرة؛ فقد ظلت مصر منذ الفتح العثماني يقسو بها الزمن أجيالًا، فإذا نشطت تريد أن تسترد حريتها تبسم لها الزمن حينًا لم يلبث أن يعود إلى عبوسه بعد ذلك. أَمَا وقد آن لهذا الزمن أن ينقضي، وآن لمصر أن تستمتع باستقلالها وبسيادتها، وأن تقف في صف الأمم الديمقراطية تناصر الحق وتعمل على كفالة حرية الشعوب، فمن حقها على نفسها، ومن حقها على أبنائها، أن يفكروا في المثل الأعلى الذي يجب أن نطمح إليه، وأن يصوروا حياتهم وسعيهم للمعاونة على بلوغه، وأن يقدروا أن كلَّ جهدٍ وكل بذلٍ وكل تضحيةٍ يسيرةٌ في سبيله، وأن كل جيل لا يعيش لنفسه، بل للجيل الذي يعقبه. وإذا كان الزمن قد قسا بأجدادنا فلم يورثونا مصر كما كنا نحب أن نرثها، فعلينا نحن أن نحدد الصورة التي نورثها مصر لِمَنْ يلينا من أبنائنا وحفدتنا، وأن نسمو عند التفكير في هذا التصوير فوق الزمن وحدوده، والمكان وحدوده، وأن ندرك الواجب علينا لا لأبنائنا وحدهم، بل لهذه الأمم التي تجاورنا وتتطلع إلينا، والتي تبتغي أن يكون بيننا وبينها من التعاون والتفاهم ما يكفل سلامة الإنسانية وسعادتها ورُقِيَّها.

وأعود فأقول مرة أخرى للذين يبتسمون إذ يسمعون هذا الكلام وإذ يقرأونه: لا يكن ابتسامكم ضعفًا، ولا يكن سوءَ إيمان ببلادكم ومقدرتها؛ فمصرنا هذه قد أثبتت منذ أقدم العصور أنها قديرة على المعجزات، وأنها استطاعت دائمًا أن تبلغ كل ما تقعد اليوم عن بلوغه، وتاريخها القريب مصداق ماضيها البعيد، فمصر الفراعنة التي حملت الحضارة إلى ربوع العالم، هي هي مصر صلاح الدين، وهي هي مصر محمد علي التي نهضت في سنوات حكمه نهضةً أدهشت العالم وأوشكت أن تحوِّل مجرى التاريخ، ولكن الأحداث حالت دون ما تريد. فَلْتكن هذه الأحداث موعظتنا اليوم، وَلْنعمل إلى الغاية التي نريدها مثلًا أعلى، وَلْنكن من الأناة والصبر بحيث نجعل هذه الغاية مطمح أملنا ومتطلع نظرنا، إن لم نحققها نحن حقَّقها أبناؤنا، ثم حقَّق حفدتنا ما هو أجلُّ منها وأعظم.

وتصوير هذه الغاية هو وحده الذي يمكِّننا من تصوير وجوه الإصلاح في حياتنا العامة، وقد أرادت الوزارة القائمة أن تلتمس هذه الصورة لمطمع مصر الأسمى، فأشارت في خطبة العرش إلى أن الحوادث الأخيرة علَّمَتْنا ما للجيش وقوة البلاد الحربية من أثر بعيد في نهضتها، ودعت لذلك إلى أن يكون جيش مصر محور الإصلاح، واتخذت من محمد علي الكبير وسياسته مثلًا تتأسى اليوم به، لكنها إذ روجعت في ذلك قالت إنها لم تقصد إلى هذا المعنى، ولم تُرِدْ مما ذكرت أكثر من ضرورة العناية بالجيش لمواجهة الموقف الذي أنشأته الأحوال الدولية الحاضرة. كذلك تحدثت الوزارة في خطاب العرش عن رسالة مصر في الشرق الأدنى وفي البلاد العربية، فلما سئلت عن مدى هذه الرسالة، أجابت بأنها رسالة الثقافة التي أخذت مصر على عاتقها أن تقوم بها، والتي نفذت في السنوات الأخيرة وعلى الوجه الذي نفذت به.

ولست ألوم الوزارة لأنها تراجعت بعد أن همَّتْ بأن ترسم لمصر سياسة بعيدة المدى؛ فلعلها رأت نفسها أخطأت فرجعت عن خطئها، أو لعل الذين فهموا من خطاب العرش ما قدمت من المعاني قد أسرفوا في الفهم وتصوروا ما لا موضع لتصوره، ولو كان صحيحًا أن الوزارة تراجعت بعد أن همت، فما أجدرها بالثناء! لأنها همت وقد خانتها القوة بعد ذلك وقعد بها العزم، وما صنعت جدير بأن ينبه مَنْ كان أقوى همةً وأمضى عزمًا لتصوير الغاية التي تريدها البلاد اليوم لنهضتها، وأن يمعن في التفكير حتى لا يخطئ ولا يضعف من بعدُ. ويوم ينجح أحدنا أو تنجح طائفة منا في تصوير الغاية القومية التي يجب علينا أن نسعى إليها، ويوم تؤدي هذه الدعوة لإيمان الأمة بها، ذلك هو اليوم الذي يتضاعف فيه نشاطنا في الإصلاح، والذي نسير فيه بخطى ثابتة قوية سريعة لتنفيذ هذا الإصلاح.

والذي أنبه الآن إليه أن هذه الغاية يجب أن تصاغ من روح هذا الشعب المصري، وأن تُنتزَع من تاريخه، يجب أن نرجع إلى أقدم العصور وأن ندرس نهضات مصر، والدوافع إليها، والأسس التي قامت عليها، والروح التي أمدتها وأدت إلى نجاحها، فسمت مصر بها إلى المكان الذي جعلها متطلع الأنظار في إكبار وتقدير. ولست أرتاب في أن بحثًا كهذا البحث سيهدينا إلى الغاية التي نقصدها، وسيصور أمامنا المثل الأعلى الذي يجب أن تتجه مصر إليه تصويرًا لا يعرف الخطأ إلى ناحية من نواحيه مأتى.

وأنا أدعو إلى هذه الدراسة لإقامة المثل الأعلى على أساسها؛ لأن طبائع الأمم لا تتغير، والدوافع التي قدَّمتها في الحياة ثابتة على الزمان. انظر إلى إنجلترا، وإلى فرنسا، وإلى ألمانيا، وإلى أيطاليا، وإلى أية دولة من الدول ذات التاريخ المعروف، تجد أن العوامل التي تحركها اليوم هي بعينها العوامل التي حرَّكتها في الماضي، فطبائع الأمم كطبائع الأفراد ثابتة، وكما ينجح الفرد يوم ينبعث عن موضع القوة فيه، كذلك تنجح الأمة يوم يكون الدافع لها في نشاطها صادرًا من فطرتها ومن روحها.

هل أطمع في أن يقوم بهذه الدراسة علماؤنا في التاريخ؟ وهل لهم أن يدلوا في هذا الموضوع الذي تناولته اليوم برأيهم؟! ذلك ما أرجو، ولذلك أَدَعُ لهم الحديث فيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.