في الساعة التاسعة من صباح يوم الخميس ٣٠ ديسمبر ١٩٣٧، وكنت جالسًا إلى مكتبي بهذه الجريدة أعيد النظر في التجارب المهيأة للطبع منها؛ إذ دعيت إلى منزل حضرة صاحب المقام الرفيع محمد محمود باشا؛ لأشترك في الوزارة الجديدة التي كان رفعته يؤلفها.

وقد اشتركت مع رفعته في وزاراته الثلاث التي تعاقبت يومذاك إلى يوم ٢٨ أغسطس سنة ١٩٣٩، وفي هذه الفترة انقطعت عن الصحافة كاتبًا يطالع قرَّاءه بما يجول بنفسه من رأي أو خاطر، ومؤلفًا يعرض عليهم ما يهديه إليه البحث والتفكير، وإن لم أنقطع عنها بما كنت أقوم به من خطب أو مناقشات برلمانية، أو أدلي به من أحاديث وبيانات يقتضيها عمل الوزير. وها أنا ذا الآن أعود إلى قرَّائي كاتبًا ومؤلفًا أطالعهم من جديد بآرائي وخواطري، وأعرض عليهم نتائج بحثي وتفكيري، وإني لسعيد بهذه العودة كما كنت سعيدًا يوم تركتهم لأشترك في الوزارة، ولو أنني دعيت من بعدُ إلى أي عمل أطمئن إلى مقدرتي على إتقانه لكنت سعيدًا به كسعادتي اليوم، وكسعادتي في ٣٠ ديسمبر ١٩٣٧، فليس أسعد في الحياة من أن ينهض الإنسان بعمل يطمئن إليه وإلى قدرته على القيام بأعبائه.

ولقد أذكر بهذه المناسبة حديثًا بيني وبين صاحبي الأستاذ عوني بك عبد الهادي، الزعيم الفلسطيني، جرى ها هنا في مصر حين كان مع زملائه يسعون، بمعونة الحكومة المصرية، لحل مشكلتهم مع إنجلترا. كنا ذات مساء في حفلة أقامها رئيس الوزراء لهؤلاء الزعماء بفندق هليوبوليس بالاس، وجاء مجلسي على المائدة بين راغب بك النشاشيبي وعوني بك، وتحدثت إلى صاحبيَّ جميعًا حديثًا مداره رجاء الخير لفلسطين، والنجاح لزعمائها، وأنس عوني بك إلى فترة رآني فرغت إليه فيها فقال: أما كان خيرًا لنا جميعًا لو أنك بقيت في ميدان الكتابة؟ وأجبته: إنني أؤدي اليوم واجبي مطمئن الضمير، وكنت أؤديه في ميدان الكتابة مطمئن الضمير، وحيثما استطعنا أن نؤدي للحياة واجبنا فقد وجب علينا أن نحمد الله على فضله.

وإنما تحدث إليَّ عوني بك بهذا الكلام لأنه نظر إلى مشكلة بلاده من جانب واحد، جانب الدعاية لقضيتها والدعوة لطمأنينتنا، ولو أنه نظر إليها من جوانب أخرى لرأى الوزير المصري والصانع المصري والزارع المصري يتصل بفلسطين كما يتصل بغيرها من الأقطار العربية اتصالًا مباشرًا وغير مباشر من نواح شتى، وحسبي أن أذكر ما بين مصر والبلاد العربية جميعًا من صلات في الثقافة لمستها عن قرب في وزارة المعارف فقدَّرتها أعظم التقدير، وإنما يطلب إلى الإنسان في كل عمل يتولاه أن لا يحيد فيه عما يؤمن به من المبادئ الأساسية التي يتحقق بها الخير للبلاد وللناس جميعًا، ولعلي لم أحِدْ عن ذلك في الفترة التي لم يطالعني فيها القُرَّاء كاتبًا يجري قلمي في هذه الصحيفة، ولقد كان العهد بيني وبينهم منذ سنوات تزيد على العشرين قائمًا على الإيمان بحرية الرأي وبسلطان العقيدة الراسخة في النفس عن بينة، وهذا ما عملت له ودعوت إليه، وحاولت تربية النشء على أساسه حين كان أمر ذلك إليَّ.

لست أدعي أنني تنزهت عن الخطأ أو أمنت الزلل في كل ما قمت به، ولو أنني ادعيت ذلك لهان على نفسي حسن تقديري، فأبلغ الخطأ الظن بأنَّا لن نخطئ، وكلنا معرض لأن نزِلَّ ونهفو، بل لقد أرتني الحياة العملية في كثير من الأحيان مواضع للحيرة بين رأيين؛ أيهما أدنى إلى تحقيق الغاية التي أقصد إليها، وأرتني ذلك بوضوح لا يتاح للإنسان في عالم الرأي والتفكير المطلق، لكنني حرصت دائمًا على المبادئ التي دعوت إليها طيلة السنين الماضية إيمانًا مني بأن الخير في تحقيقها على أكمل صورة.

وها أنا ذا أعود لأدعو إلى هذه المبادئ كرةً أخرى مطمئن النفس راضيًا، بل إنني لأعود الآن إليها أشد ما أكون إيمانًا بها واعتقادًا بأنها ملاك الخير والسعادة للعالم، وبأنها وحدها معقد الرجاء في أن يستظل العالم يومًا ما بلواء الرضا والسلام، أوليست هذه الحرب القائمة اليوم إنما تلظى سعيرها لأن الساسة في الدول المختلفة لم يستطيعوا التفاهم على أساس من حرية الرأي والمجادلة فيه بالتي هي أحسن.

ولهذا السبب يتراءى شبح البلشفية اليوم؛ إذ تحرص روسيا على أن تقر نظامها البلشفي حيث استقر لها السلطان، وقد أقرته في البلاد التي احتلتها من أراضي بولونيا، وهي تحاول أن تمده إلى البلاد التي تجاورها على ساحل البلطيق، وذلك بعد أن سبقتها ألمانيا إلى إقرار نظامها النازي في النمسا وفي تشكوسلوفاكيا، وفيما احتلته من أرض بولونيا. لا عجب وذلك ما تراه أعيننا أن نقوم نحن — دعاة الحرية والمؤمنين بها — عن بينة نضاعف الجهود في الدعوة إليها؛ ليستقر لها السلطان، ولتكون لها الكلمة النافذة آخر الأمر.

ولا أراني بحاجة إلى أن أجدد العهد بذلك للذين يقرءونني؛ فقد تعارفنا منذ سنوات طويلة لم يتنكر أحد منا خلالها لصاحبه، وكل الذي أرجو أن يمدنا الله بالتوفيق من عنده، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.