كانتا مُعقدتين أشدَّ التعقيد، ولكنَّ الله — عز وجل — يجعل من كل عسر يسرًا، وإذا صَحَّ ما تَقُوله الصحف فهو — تبارك اسمه وتعالى ذكره — قد حل العقد، ويسر العسير، وأزال الحرج، وفتح على الوزراء في اجتماع من هذه الاجتماعات الكثيرة الطويلة التي عقدوها أمس وأول أمس بحل من هذه الحلول الموفقة التي تمحو المشكلات محوًا، وتجعل المعضلات كأنها لم تكن، وكأنها لم تخطر على بال الأيام.

وما دام هناك أزمتان فيجب أَن يكون هناك حَلَّان؛ فَأَمَّا الأزمة الأُوْلَى فهي أزمة القضاة المصريين الذين يَطْلُبون بالحق في رياسة الدوائر في المَحَاكم المُختلطة، وبرِياسة الدائرة التي تنظر قضية المعاشات في اليوم العاشر من هذا الشهر بنوع خاص؛ فقد ألَحَّ القضاةُ في هذا الطلب وأَبَتْهُ عليهم الجمعية العمومية، أو الكثرة الأجنبية للجمعية العمومية، فمضوا في إلحاحهم، فأنذرهم رئيس محكمة الاستئناف بالإحالة إلى مجلس التَّأديب إن لم يغيروا موقفهم.

ولم يفتح الله على هؤلاء القضاة المصريين بحل يُوفِّقون به بين موقفهم وموقف زُملائهم الأجانب، أو يُرضُون به رئيس محكمة الاستئناف، أو يتَّقون به الوقوف أمام مجالس التأديب؛ لأَنَّهم من رجال القضاء لا من رجال السياسة؛ ولأنهم قُضَاة لا وزراء، لم يفتح الله عليهم بحل، وإنما ألهمهم الإصرار على موقفهم، والتصميم على ألا يُغيروا منه شيئًا، فزادوا الأمر حرجًا إلى حرج، وعُسرًا إلى عُسْرٍ، ولكن يجبُ أن نحمد الله على أنَّ لنا وزارة مُوَفَّقَة، ووزراء بَارِعين لا تُعْييهم المشكلات، ولا تُؤيسهم المُعضلات، وإنما يُلهمهم الله حلولًا موفقة، فيمحون بها الشك، ويُزيلون بها اللبس، ويضعون بها مصر في مُقدمة البلاد التي تعرف كيف تحافظ على الحق والكرامة والاستقلال.

ولقد أَلهم الله وزراءنا البارعين حلًّا من هذه الحلول الموفقة، هبطت به عليهم ملائكة الرَّحمة أمس وهم في مجلسهم يتشاورون، فقرروا — إن صح ما روت الأهرام — أنْ تُحال قضية المعاشات إلى دائرة أخرى؛ فإذا وصلت هذه القضية إلى هذه الدائرة كان التأجيل ينتظرها هناك، حتى يدرسها القضاة، وبذلك يتسع الوقت أمام الوزارة للمُفَاوضة فيما يحفظ الحق والكرامة للمصريين.

ألست ترى أن هذا الحل معجزة من المعجزات وآية من الآيات؟ نتيجته الأولى ألا يرأس القاضي المصري هذه الدائرة التي تنحَّى عنها القاضي الإيطالي، ولكنَّ نتيجتها الثانية ألَّا يرأس قاضٍ أجنبي آخر هذه الدائرة حين تنظر هذه القضية، فكرامةُ القاضي المصري محفوظة، وحقه سيُحْفَظُ — إن شاء الله — أثناء المفاوضات التي قد تبتدأ غدًا أو بعد غد، وقد تتم حين يأذن الله لها أن تتم.

وليس هناك بأس بنقل القضية من دائرة إلى دائرة أخرى، لا لشيء إلا لأنَّ القاضي المصري كان ينبغي أن يرأس هذه الدائرة حين تنظر هذه القضية، ليس بذلك بأس؛ فهو أيسر ما يجب من التضحية لحل الإشكال، وإزالة الخلاف، ورد الأمور إلى نصابها.

وبهذا الحل يَسترِيحُ القُضاة المصريون، فلنْ يَرْأس هذه الدائرة أجنبي أثناء نظر القضية، ويستريح القُضَاة الأجانب، فلن يرأس قاضٍ مِصْرِيٌّ ما، دائرة ما من دوائر المحاكم المختلطة حتى تأذن بذلك الدول ذوات الامتياز، وتستريح الوزارة المصرية على كل حال من هذا الإشكال الذي لم يكن يخطر بالبال، والذي جاء في غير الأوان، ونَجَمَ على غير حُسْبان. وراحة الوزارة واطمئنان بالها أحب شيء إلينا نحنُ المصريين، وآثر شيء عندنا؛ لأننا نُحِب الوزراء ونُؤْثِرهم، ونُكْبرهم، ولا نكره أن نشقى ليسعدوا، ولا أن نتعب ليستريحوا، ولا أن نذل ليعيشوا أعزاء.

وإذن فهذه الأزمة الأولى قد فُرجت أو كادَتْ بعد أن اشتدت واحتدت، ومن يدري لعل من أصدقاء الوزارة وأحبائها من أنفقوا الليل الطويل وهم ينشدون القصيدة المشهورة التي يعرفها العامة بالمنبهجة، والتي أولها:

اشتدي أزمة تنفرجي

قد آذن صبحك بالبلج

أما الأزمة الأُخرى، فبين وزير الحقانية ورئيس محكمة الاستئناف، ومصدرها — كما تعلم — هذا الكتاب الذي أرسله الرئيس إلى الوزير واستعمل فيه لفظين ترجمتهما الأهرام بالفظ وغير اللائق. ونُؤكِّدُ نحْنُ أن هذه الترجمة رفيقة جدًّا، وأن هذين اللفظين لا ينبغي بحالٍ مِنَ الأحوال أن يُوجَّها إلى وزير، وحَسْبُك أن أحدهما هو GROSSIER، وأنَّ الآخر هو LNDELICAT، وأن هذين اللفظين الرقيقين جدًّا ينصبان على ما قاله الوزير في مجلس النواب.

وقد غضب الوزير من هذا الكتاب غضبًا شديدًا. ومن حقه أن يغضب، ومن حقنا نحن أن نغضب معه؛ لأنَّه مصري، ولأنه وزير، ولأنَّ توجيه هذين اللفظين إلى مصري وزير لا ينبغي أن يرضاه المصريون.

ونشأ عن غضب الوزير من هذا الكتاب موقف حرج شديد الحرج اجتمع له مجلس الوزراء، كما اجتمع للأزمة الأولى مرات، ولكنَّ الأزمة إذا اشتدت فاشتدادها إيذان بانفراجها، وقد انْفَرَجَتْ — إِن صَحَّ ما تحدثت به الأهرام أيضًا — وانفرجت بحل من هذه الحلول المُوفَّقة التي يَخْتَصُّ الله بها وزراءنا البارعين، وهو أن يرد الوزير على رئيس محكمة الاستئناف.

ولكن يرد بماذا؟ هذا سر من الأسرار، ومن المستحيل أن يرد الوزير على الرئيس بمثل كلامه؛ فهذا لا ينبغي ولا يليق، وإذن فسينكر الوزير على الرئيس هذه اللهجة القاسية، ومتى أنكرها فقد محا آثارها، وقد جعلها هينة لينة، حلوة سائغة، وقد غيَّر معاني الألفاظ أو غيَّر الألفاظ نفسها بألفاظ أُخْرَى أَرَقَّ من النَّسيم، وأعذَبَ مِمَّا شِئْتَ من ألوان الشراب.

وكذلك نجحت المنبهجة التي كان ينشدها ونجحت عدية يس التي يقرؤها في أكبر الظن بعض أصدقاء الوزارة، وكَفَى الله المؤمنين القتال، وعادت السماء إلى الصفو، وعاد الجو إلى الصحو، ولم يبق للمصريين إلا أن يستريحوا؛ فقد أصلح الله بالهم، وحقق آمالهم، وحفظ استقلالهم، بفضل وزرائهم الكرام البارعين.

تستطيع وزارتنا أن تشكو من كل شيء إلا من شيء واحد، وهو أنَّ المصريين قد خَذَلُوها، أو تلكَّئوا في نصرها حين عرضت لها هذه الأزمة الخطيرة؛ فقد اتفقت كلمة المصريين جميعًا على تأييد القُضَاة المصريين في موقفهم، القومي البديع، لم يَشُذَّ مصري واحد، ولم تتخلف صحيفة واحدة، وكان وزير الحقانية بين هؤلاء المؤيدين.

فإذا صَحَّ ما يُروى الآن من أن الوزارة قد رضيت بهذه الحلول المؤقتة التي لا تحل شيئًا، أو اقترحتها؛ فلتعذرنا الوزارة إنْ أَنْكَرْنا مَوقِفَها أَشد الإنكار، وأسفنا له أشد الأسف، وسَجَّلنا أنها لم تحسن انتهاز الفرصة، ولم تعرف كيف تنتفع لمصر باجتماع كلمة مصر، وإنما آثرت الراحة والهدوء على الجهاد والكفاح، وما هكذا تعمل الوزارات، وما هكذا تضيع الفُرص، وما هكذا تستفيد الوزارات من إجماع الشعوب.

على أننا نُريد أن نعتقد أن ما يروى من أمر هذه الحلول غير صحيح، وأن الوزارة مُصِرَّة، كما أنَّ الشعب مُصِرٌّ، على الحل الوحيد الذي يُلائِمُ الحَقَّ والعدل والكرامة؛ وهو أن يظفر القضاة المصريون بما يطلبون من الحق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.