في مساء ٢٩ ديسمبر ١٨٨٢ وقف القطار الحديدي في فناء قشلاق قصر النيل لركوب المنفيين والذين معهم، وكان هناك المستر برودلي والمستر بابيه بانتظارهم، فلما رآهم المستر برودلي جميعًا ضاحكين بل صاخبين، تولَّاه العجب وأخذته الدهشة، وكان الكولونل السير تشارلس ويلسون الرقيب على المحكمة العسكرية ساهِرًا على راحتهم، فلما بات القطار على أهبة السفر لحظوا أن امرأتين من نساء عرابي لم تصلَا، فهاج السير تشارلس على الحكومة المصرية هياجًا شديدًا، وعنَّفَ مأمورَ الضابطية بكلام قاسٍ، واضطروا إلى انتظار النسوة حتى منتصف الليل، وعند منتصف الليل سافَرَ القطار إلى بورسعيد وعليه ما عدا المنفيين بعضُ الجنود المصرية وشرذمة من الجنود الإنكليز.

وصلت الباخرة إلى كولومبو في ١٠ يناير وأُنزِل المنفيون في الأماكن المعدَّة لهم، وكانت الحكومة قد عيَّنت لكل واحد منهم جنيهًا في اليوم، فوق ما يستحق الواحد منهم من المعاش، فكان عرابي يتناول عشرين ألف فرنك، ولكنهم يشكون ويتظلَّمون من قلة المعاش، حتى رفع لابوشير صوته بهذه الشكوى في مجلس العموم في ٢ يونيو ٨٣؛ فزادت الحكومة المصرية ٥٠٠ جنيه على معاشهم، فأعطى الإنكليز المبلغَ كله على وجه التقريب لعرابي. وكانت شكاوى عرابي تتوالى على الإنكليز بلا انقطاعٍ، إلى أن كانت سنة ١٩٠٠ فحنَّ إلى رؤية بلاده التي كانت قد نسيت الثورة والثوَّار، بل قد تحمَّلت مرارة الاحتلال، فتوسَّطَ له الإنكليز لدى الخديوي عباس الثاني، فأصدر في سنة ١٩٠١ عفوه عنه وعن رفيقَيْه الباقيَيْن على قيد الحياة وهما محمود سامي البارودي وعلي فهمي؛ لأن الآخَرين توفوا في منفاهم، فوصل الثلاثة إلى القاهرة في ٣٠ سبتمبر ١٩٠١، ولم يهتم للأمر سوى أقارب الثلاثة، لولا أن بعض السياسيين أرادوا أن يلقوا عرابي بالسخط، فنظم أحمد شوقي بك قصيدته المشهورة:

صِغَارٌ فِي الذَّهَابِ وَفِي الْإِيَابِ

أَهَذَا كُلُّ شَأْنِكَ يَا عُرَابِي

وكتبَتِ اللواء — لسان حال الحزب الوطني — المقالاتِ الشديدة، وكذلك الصحف الأخرى الوطنية.

وألَّفوا موكبًا من النساء على شكل مواكب الجنازات ليقابل عرابي عند وصوله بالعويل والبكاء ولطم الخدود حدادًا على الوطن، ولكن سلطة الاحتلال حالَتْ دون ذلك، وهكذا نَعِم جثمان عرابي ورفيقَيْه بتراب وطنهم.

***

بعد تصفية حساب عرابي ورفاقه الكبار أخذوا يصفون حساب الآخَرين بالأوامر العالية، فقُضِي بأمرٍ عالٍ في ٢١ ديسمبر على عثمان باشا فوزي بأن يقيم في أبعاديته، وبأن يدفع أربعة آلاف جنيه على أربع سنوات، وعلى أحمد أباظة (الشرقية) بأن يدفع ألفَيْ جنيه وبأن يقيم بعزبته ٥ سنين، وأحمد محمود (البحيرة) بدفع ثلاثة آلاف جنيه والإقامة ٤ سنين، وإبراهيم الوكيل (البحيرة) ٣٠٠ جنيه و٤ سنين، وسعداوي الجبالي (الفيوم) ألف جنيه وسنتين، وسليمان جمعة (الشرقية) ٣٠٠ جنيه وثلاث سنين، وأمين الشمسي (الشرقية) ٥٠٠٠ جنيه و٤ سنين، ومراد السعودي (الجيزة) ٢٠٠٠ جنيه و٤ سنين، ومحمد جلال (المنيا) ٣٠٠٠ج و٣ سنين، وعمر محجوب (المنيا) ٢٠٠٠ج و٤ سنين، ومحمود أبو عمر (أسيوط) ٣٠٠٠ج و٤ سنين، ولملوم السعودي (المنيا) ٤٠٠٠ج و٤ سنين، وجُرِّدَ هؤلاء جميعًا من الرتب، وجاء بشأن الستة الآخَرين — أيْ أمين الشمسي، ومحمد جلال، ومراد السعودي، وعمر محجوب، ومحمد أبو عمر، ولملوم السعودي — أنهم إذا لم يدفعوا قيمة التأمين يُبعَدون المدة المقرَّرة بإبعادهم إلى القصير.

وصدر أمرٌ عالٍ آخَر بإبعاد جاميخان غوري مؤبَّدًا خارج القُطْر، وعلي الروبي وحسن موسى العقاد مدة ٢٠ سنة إلى مصوع، وعمر رحمي وعلي حسن مهندس سكة حديد السويس ثلاث سنين إلى سواكن، وأحمد عبد الغفار الضابط القائمقام ٨ سنين خارج القُطْر، والميرالاي عيد محمد، والقائمقام خضر خضر، والميرالاي حسن جاد، والقائمقام محمد الزمر، وناظر قلم المطبوعات أحمد رفعت، والشيخ عبد الرحمن عيسى من علماء الأزهر، ومحمد مصطفى الكردي من بني سويف.

وحُكِم بالإبعاد ٤ سنين خارج القُطْر على الصاغ محمود أحمد، والقائمقام فودة حسن، والميرالاي خليل كامل، وناظر مستشفى الإسكندرية الدكتور مصطفى النجدي، والشيخ عبد القادر قاضي مديرية القليوبية، ومصطفى الأرناؤوطي من دمياط، والشيخ محمد الهجري من الأزهر، والشيخ أحمد عبد الجواد من المنيا، والشيخ محمد عبد الجواد من المنيا.

وبالإبعاد ٣ سنين على يوسف إسماعيل من المنيا، والشيخ يوسف شرابة من العلماء، والقائمقام أحمد فرج، والشيخ محمد عبده ناظر قلم المطبوعات العربية، وحسن الشمسي محرِّر جريدة المفيد، وأمين أبو يوسف من دمياط، وإبراهيم اللقاني من تفتيش وزارة الداخلية، ومحمد بديع العضو في مجلس مصر الابتدائي، وإسماعيل جودت من مصر، وأحمد رشوان الدشناوي من قنا. وحُكِم بالإبعاد مدة سنتين على آدم الأرناؤوطي من الفيوم، وعلي حسن من المنيا، وحسن مطريد من عربان المنوفية، وبالإبعاد سنة على محمد محمد الجندي من بني سويف، ومحمد الصدر. وصدر أمر آخَر يقضي على ٣٢ شخصًا بأن يلزموا دورهم في أملاكهم تحت مراقبة البوليس، وفي مقدمتهم حسين الدرة مللي الذي كان وكيلًا للداخلية، ويوسف برتو مأمور البلدية بالإسكندرية، ومصطفى ثاقب صاحب جريدة المفيد.

وفي ٢٨ ديسمبر صدَرَ أمرٌ عالٍ بتجريد ٢٠٢ من الضباط الصغار من رتبة ملازم أول إلى صاغ من رتبهم، وحرمانهم من المعاش، وبإقامتهم ببلادهم.

وفي ٢ يناير صدر الأمر العالي بالعفو عن جميع الذين اشتركوا بالثورة، وقد جاء في مقدمته: «بناءً على ما جبلنا عليه من الرأفة والشفقة نحو أهالي القُطْر المصري، ولرغبتنا في إيجاد الألفة والاتفاق بين جميع الأهالي، يُطرَح ما حصل في زوايا النسيان والعفو عنه. وبناءً على كون رؤساء المتسبِّبين في الخلل الذي أورث القُطْر الضررَ الجسيم صار مجازاتهم، ونرى أن سلوك مَن تبعهم لم يكن إلا نتيجة إرهاب وإضلال؛ قد عفونا عفوًا عامًّا عن جميع أهالي القُطْر المصري الذين اقترفوا جريمة أو جنحة سياسية في الحوادث الثورية التي حصلت أخيرًا بالقُطْر المصري، ما عدا أولئك الذين صدرت عليهم لغاية يومنا هذا أحكام أو أوامر بالعقوبة.»

فيكون جملة الذين عُوقِبوا من أجل الثورة ما عدا رجال الجيش ١٥٧ شخصًا، حتى أرسل اللورد دوفرين إلى حكومته يقول:

إني لَأشك كثيرًا بأن ثورةً من الثورات أُخمِدت في بلدٍ من بلاد الله بمثل اللين الذي أُخمِدت به الثورة المصرية.

وبعد ذلك حُلَّتْ لجنة التحقيق والمحكمة العسكرية بالقاهرة دون الإسكندرية وطنطا.

***

بقي بعد ذلك كله المتهمون بالنهب والإحراق والاغتيال … إلخ، والمتهمون في ذلك نحو ١٦٠٠، فبُدل النظام الأول بإنشاء أربع لجان للتحقيق تحت رقابة الموظفين الإنجليز، وهي: لجنة الإسكندرية، ولجنة طنطا، ولجنة دمنهور، ولجنة المحلة الكبرى. وكانت للماجور مكدونالد الرقابة العليا بعد سفر السير تشارلس ويلسون، وضموا إليه الكبتن كومتجس والمستر كامرون والمستر ماك لولوغ والمستر كنت.

ففي شهر أبريل ١٨٨٣ كانت المحاكم العسكرية قد أصدرت ٣٦ حكمًا بالإعدام، منها خمسة أحكام على خمسة من البدو اتُّهِموا بقتل الأستاذ بالمر ورفاقه، وحُكِم بالإعدام على يوسف أبو الضيا وثلاثة معه، وكانوا متهمين بمذبحة طنطا في ١٣ يوليو ونُفِّذ فيهم الحكمُ شنقًا في ٥ يناير ١٨٨٣. وكانت قضية سليمان سامي بن داود من أهم هذه القضايا؛ لأنه اتهم عرابي بأنه أمره بإحراق الإسكندرية، ولما لم يُرِد التحول عن الاعتراف، انسحَبَ المحامي عنه المسيو دولانومري الفرنساوي، فحلَّ محله المحامي جاكوبيني الطلياني، ولما رفضوا أن يُطلِعوه على أوراق التحقيق مع عرابي انسحب هو أيضًا. وفي ٧ يونيو ٨٣ حُكِم على سليمان بالإعدام شنقًا، وفي ٩ شُنِق في المنشية بين خرائبها، وحُكِم على سيد قنديل بالنفي إلى سواكن مدة سبع سنين، وحُكِم بالإعدام على حسن حسن العزبي، وسيد أحمد الفرس، ومحمد نجم، ومحمد اللبان، وأحمد بركات، والحاج بكير الجزار … إلخ.

وظلَّتِ المحاكم العسكرية تشتغل إلى ٢٨ أكتوبر، وفي ذلك اليوم صدر الأمر العالي بتحويل ما بقي من تلك القضايا على المجالس الأهلية.

***

ومن تصفية أعمال الثورة دفع التعويضات للذين حلَّتْ بهم المضارة، فأصدر الخديوي أمرًا عاليًا بمنع المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية من نظر قضايا التعويض عن الخسائر التي نجمت عن الثورة منذ ١٠ يونيو ١٨٨٢؛ لأنه قد تقرَّر تأليف لجنة مخصوصة للحكم بطلبات التعويض. وقامت الصعوبة في كيفية تأليف هذه اللجنة؛ لأن الدول الصغيرة طلبت أن يكون لها مندوبون كالدول الكبيرة، واعترضت اقتراح فرنسا بألَّا تنظر اللجنة في مسألة الحلي والجواهر والنقود في المنازل مخافةَ التزوير على الحكومة المصرية.

ثم صدر الأمر العالي بتأليف قومسيون دولي لتلقِّي طلبات مَن أصيبوا بحوادث الثورة منذ ١٨٨٢، والحكم بالطلب حكمًا قطعيًّا، ولا يُعطَى تعويض عن الخسائر التي لا يكون حصولها من الفعل مباشَرةً بل نشأت بسببه، ولا عن خسارة النقود والمجوهرات والفضيات والمصوغات والأشياء الفنية والأنتيكات والسندات والأوراق ذات القيمة والإيجارات والمحصولات؛ إلا ما كان في المخازن مُعَدًّا للبيع أو مرهونًا عند الغير، وكذلك المحصولات بالمخازن والأجران.

وتألَّفَ القومسيون من عضوين عيَّنتهما الحكومة المصرية؛ أحدهما رئيس، والثاني وكيل، ومن عضو واحد لكلٍّ من ألمانيا والنمسا والمجر وفرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا وروسيا وأميركا واليونان، ومن عضو تعيِّنه بالاتفاق بلجيكا والدنمرك وإسبانيا وهولندا والبرتوغال والسويد والنرويج.

وفي ٦ فبراير اجتمعَتِ اللجنة برياسة عبد الرحمن باشا رشدي ووكالة يعقوب بك أرتين، وجُعِل بورللي بك مستشارًا شرعيًّا لها، وأخذت تنظر في الطلبات وتعطي كلَّ صاحب طلبٍ وثيقةً بما تقرَّر له، وصارت تلك الوثائق مادة للمضاربة، فكان المرابون يأخذون المائة بستين، فتلافَتِ الحكومة الأمر بأن خصَّصت ٣٠٠ ألف جنيه على مَن له ٢٠٠ جنيه فأقل، إلى أن عُقِد مؤتمر لندن وقرَّر عقدَ قرض لمصر قدرُه تسعة ملايين جنيه تُدفَع منه التعويضاتُ، وهي أكثر من أربعة ملايين جنيه، ثم يُسَدُّ منه عجز الميزانية ونفقات جيش الاحتلال. وهذا بيان التعويضات التي دُفِعت بالفرنك الذهب عن يد مندوبي لجنة الديون البرنس موروسي الروسي والبارون ويشتوفن الألماني:

فرنك ذهب   
١٦٥٠٩٢٦٣ للوطنيين
١٧٤٠٦٠٥ للألمان
٦٠٦٥٢٠٠ للنمساويين والمجر
٣٠٦٠٠٠٢ للبلجيكيين
١١٤٧٠٠٠ للبرازيليين
١٠٩٥١٠٠ للإسبان
٣٣٠٣٠٠ للأميركان
١٦٥٥٥٩٥٤ للفرنساويين
٥٤٧٢٥٢٠ للإنكليز
٢١٠١٠٨٦٣ لليونان
١٧٨٧٤٠٧٠ للطليان
٥٤٦٦٠٠ للهولنديين
٥٦٨٠٠ للإيرانيين
٢١٥٠٠٠ للبرتوغاليين
٣٣٦٦٥٠٠ للروسيين
١٤٤٤٥٠ للأسوجين والنروجيين
فالجملة ٩٣ مليون فرنك و٦٤٢٢٥ فرنكًا.

ولم تُصَبْ مصر من جرَّاء الثورة بذلك وحده، بل أُصِيبت بإقلاق الأمن؛ إذ كثرت عصابات السطو حتى هجر الكثيرون القرى، وضاعَفَ في ذلك انتشاء الهواء الأصفر الذي بلغ من الشدة حدًّا لم يُعرَف من قبلُ، فجاءت الوفود الطبية من ممالك أوروبا لمكافحته، ولكنه انتقل من مصر إلى أوروبا ذاتها، وهاجَرَ من أجله فريق كبير من المصريين إلى لبنان. وقد قلنا إن سببه منع الإنجليز الحجر على واردات الهند؛ لأن مؤن جيشهم كان مخزنها في عدن، ولأنهم كانوا يعتمدون على مدد الهند، ونزلت مشحونات السفن التجارية من مصر إلى الخارج ٩٩ بالمائة، ووضع اللورد دوفرين المندوب السامي تقريرًا طويلًا عن الإصلاحات، وباشرت سلطة الاحتلال هدمَ الإمبراطورية المصرية ونقض أطرافها، بادئة بإخلاء السودان لتعود بقوة جيش مصر لامتلاكه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.