… إن الإنسان والحيوان والشمس والقمر والماء والهواء والنبات وسائر معالم هذا الكون لم تخلق عبثًا، بل لها في وجودها حكمة … ولكن الشيء الذي يختلط فيه الأمر على كثيرين، وأعجزني تمامًا عن الوصول إلى تفسيره تفسيرًا معقولًا مقنعًا، هو ذلك الخضم الهائل من أنواع الحشرات المهلكة التي تهدد البشرية كلها بالويل والدمار … ولستم في حاجة إلى أن أذكركم بتلك المجهودات الجبارة التي تقوم بها الحكومات في سبيل القضاء عليها … وأرجو من أستاذنا أن يتسع صدره للإجابة عن سؤالنا بما فيه راحة للضمير …

لطفي أحمد عبد الشافي، دمنهور

هذا سؤال من أسئلة كثيرة أتلقاها في معناه بين حين وحين، وكلها تدل على علامة من علامات العصر الكبرى؛ وهي حب التوفيق بين معنى الكون ومعنى حياة الإنسان، وحب الوقوف على السبب حتى في العقائد الخطيرة كعقيدة الإيمان بالحكمة الإلهية؛ ولهذا أرى من الواجب أحيانًا أن أشرح لأصحاب هذه الأسئلة — وهم كثيرون — كل ما يُستطاع تلخيصه من تجاربي العقلية والروحية في هذه الأمور.

وأول ما يلزمنا أن نذكره أن الكون لم يخلق للإنسان، وأن الإنسان جزء من نظام الكون، ولكنه ليس بالغاية الأخيرة ولا بالعلة الأولى لهذا النظام.

إن الإنسان جزء من أجزاء هذا الكون الواسع، ومخلوق من مخلوقاته التي لا تحصى. وأفضل ما يعتقده الإنسان في أمر نفسه أنه مخلوق مميز على غيره بالعقل والإرادة والتصرف، فهل يجوز لنا أن نفهم من ذلك أنه يحقق هذه الصفة بوجوده في عالم لا عمل فيه للعقل والإرادة والتصرف، ولا فرق فيه بينه وبين المخلوقات التي هو مُفضَّل عليها، وليست لها قدرة تضارع قدرته على الوقاية والمقارنة؟

وليكن هذا العالم كله مخلوقًا لأجل الإنسان، فهل يتحقق ذلك بوجوده بين مخلوقات تعمل له ما ينبغي أن يعمل لنفسه، وتعطيه ما ليس يسعى إلى طلبه، وتجعل العامل من أبناء نوعه كالعاجز عن العمل، والواقف بين ما ينفعه وما يضيره، على حد سواء، كالعارف المميز بين دواعي المنافع ودواعي الأضرار؟

إن تاريخ الإنسان في هذه الكرة الأرضية هو تاريخ المقاومة لما يخالفه ويناقض مصلحته وعوامل بقائه. ولو أننا حذفنا من تاريخ الإنسانية اليوم كل ما استفادته من مقاومة عناصر الطبيعة، ومصارعة الضواري والسباع، والتنقيب عن الجراثيم الخفية وعن علل الأمراض المجهولة؛ لما بقي بين يديها شيء يفضلها على سائر المخلوقات.

وأكاد أقول: إن الإنسانية لو خُيِّرت بين حذف الخيرات التي جاءتها عفوًا صفوًا بلا اجتهاد ولا مقاومة، وبين حذف الخيرات التي استفادتها وتستفيدها من مقاومة ذلك الخضم الهائل من الحشرات والمخلوقات المهلكة لترددت كثيرًا في الاختيار، وقد ينتهي التردد بترجيح خيرات الاجتهاد والمقاومة على خيرات السهولة والهوادة.

ونرى أن كلمة «حكمة الكون» وحدها بالنسبة للإنسان تستدعي هذا الاختلاف بين الظواهر وبين نتائج الأشياء، والمخلوقات التي لا تظهر للعقل أو للحس من نظرة واحدة.

وكل حكمة للخلق فمعناها الوحيد أن نعرف بعد التجربة ما لم يكن معروفًا من النظرة الأولى.

() كما جاء في الكتاب المبين.

وأحب أن أذكر في هذا اليوم الذي تظهر فيه هذه اليوميات — وهو يوم ميلادي الثاني والسبعين — أنني لا أحمد تجاربي كلها في هذا الكون، ولكنني لو سُئلت: كيف تريدها محمودة أو غير محمودة؟ لقلت: إن احتمالها على علاتها أقرب إلى وحي العقل والضمير من عقيدة تُسخِّر الوجود والموجودات جميعًا لأنانية الإنسان وأنانية كل إنسان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.