يتحدث بعضهم الآن عن قرب انفراج الأزمة العالمية، وهم يقصدون من ذلك إلى أن الأسعار ستتحسن وأن الأخذ والعطاء سيزداد انتظامًا، وأن اليسر والرخاء سيحل محل الضيق والعسر اللذين رزح العالم تحت أعبائهما قرابة خمس سنوات منذ منتصف سنة ١٩٢٩، ورأينا أن هذه النظرة للأمور نظرة سطحية، وأنه إن صدق أن تنفس العالم بعض الشيء من الناحية الاقتصادية والمالية في المستقبل القريب، وهذا أمر مشكوك أكبر الشك فيه، فإن الأزمة ستظل مع ذلك وستتخذ صورة أخرى ليست أقل شدة مما تخطى العالم حتى اليوم، ذلك أن هذه الأزمة التي يتحدثون عن قرب انفراجها لا تعدو أن تكون أهون ما يقاسي العالم الآن وأقربه لمتناول الناس حلًّا، برغم أنها أدنى إلى شعور الناس بها وألمهم منها؛ لأنها المتصلة بعيشهم وأدوات حياتهم، فأما أزمة الخُلُق، وأما أزمة العقيدة، فسيكون العالم أشد بها شعورًا يوم ينجاب من أمامه شبح الجوع الذي هدده في السنوات الأخيرة، والذي خلف في بلاد كثيرة مشكلة العطلة، وخلف إلى جانبها مشكلة تخمة الإنتاج.

ستتبدى أزمة الخُلُق وأزمة العقيدة في حقيقة شدتهما إذا آن للأزمة الاقتصادية أن تهدأ حدتها، فهذه الأزمة في المعاملة يرجع أكبر السبب فيها إلى هاتين الأزمتين النفسيتين أكثر مما يرجع إلى أي واحد من الأسباب الاقتصادية التي يراد القول بأنها سبب ما عانى العالم من اضطراب في التعامل، ومن انهيار للثقة، ومن ارتباك مالي عام، وليس أدل على ذلك من أن الأزمة المالية عولجت بكل ما يمكن أن يَرِد بخاطر الساسة وبخاطر علماء الاقتصاد من مسكنات تارة، ومن أدوية حاسمة طورًا، ولم ينجع مع ذلك معها مسكن ولا حسمها دواء، عقدت المؤتمرات للنظر في الحوائل الجمركية، وللنظر في العملة وتضخمها، وفي معيار الذهب والرجوع إليه أو اتخاذ معيار آخر على أساسه، وفي وضع المفاضلات الجمركية، وفي إغراق الأسواق، ثم قيل بحق أنه ما دامت الحرب قائمة بين رأس المال والشيوعية؛ أي بين حكم أرباب رأس المال وحكم العمال، حربًا لم تهدأ إلى صلح، فالأمل في الرخاء الاقتصادي غير ممكن؛ لأن أساس الرخاء نوع من التضامن، أو على الأقل من التعاون والتفاهم، أو على الأقل من الأقل من التغلب والإذعان تنتهي إليه عناصر الإنتاج جميعًا: الطبيعة والعمل ورأس المال، وما دام ذلك لم يقع بعد، وما دامت روسيا البشفية واقفة بالمرصاد تنتظر ما قد يتكشف عنه تنافس عالم رأس المال وتنازع دوله المختلفة من تضعضعها جميعًا ليسود بعد ذلك سلطانها، ما دام ذلك فلا بد من انتظار المعركة الحاسمة بين العمل ورأس المال ليكون بعد ذلك صلح أساسه إذعان إحدى القوتين إذعانًا يعقبه صلح مسلح وتفاهم إلزامي — يجري الرخاء من بعده كما يشاء المنتصر منهما.

هذا الفشل الذي منيت به الدول الرأسمالية في علاج الأزمة الاقتصادية، وهذا التحفز من جانب البلشفية لمواجهة رأس المال بعد أن تصفي الدول الرأسمالية الحساب مع بعضها، يدل على أن التفاؤل بقرب انفراج الأزمة الاقتصادية تفاؤل سطحي لا يستند إلى أسباب الأشياء وإنما يستند إلى ظواهرها، ويستند أكثر من ذلك إلى سأم الناس من طول الأمد الذي خيم عليهم التشاؤم فيه، فهم يرون مغالبة هذا التشاؤم بشيء من القوة المعنوية ومن الإيحاء الذاتي يعاونهم على تحمل ما هم فيه، وهم لذلك يخلقون أمامهم أملًا يضيء لهم ظلمات اليأس المخيم عليهم منذ سنين، أملًا يقيمونه على الأوهام أكثر مما يقيمونه على الحقائق، ثم يجعلون من أوهامهم حقائق إذا تحطمت بعد زمن فلا بأس فقد عاشوا بها زمنًا رغدًا، هذا مع الإغضاء عما يقول البعض من أن هذا الأمل الذي يزجى للناس ليس إلا دعايات يروجها المضاربون لأغراض مالية كالدعيات التي حركت عالم المال قبل الحرب، والتي لا يَعرف أسرارها إلا جماعة دولية محصورة من آلهة المال في أمم العالم كله.

وسواء أكان التفاؤل يُحرز إيحاء أم لم يكن، فمن حق كل إنسان أن يتساءل بالفعل: على أي أساس يبني الإنسان أمله في الرخاء؟ وعندي أن الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه مثل هذا الأمر هو تحطم الآمال الطويلة العريضة التي كانت قائمة بنفوس الناس من بعد الحرب، وعوْدهم إلى القناعة بالممكن بعد أن أجهدتهم الثورات المتصلة التي قاموا بها في سبيل الثروات الواسعة، والتي استهانوا معها بكل قواعد الخُلُق، وبكل ما توجبه النزاهة، وبكل ما يُرضي الضمير، وتستريح إليه العقيدة.

نعم، إن الأساس الوحيد الذي يمكن أن يُبنى عليه الأمل في رخاء قريب إنما هو تحطم آمال الناس في ثروات واسعة يحصِّلونها، لا من طريق الادخار ولا من طريق طبيعي معقول، ولكن بوسائل مصطنعة، الأقلون فقط قادرون على الاستفادة منها مع تحملهم ما قد يترتب عليها من خطير النتائج، انتهت آمال الناس الذهبية في أن يبيع المصري قطنه بأربعين جنيهًا للقنطار، أو يضارب الفرنسي بأسهم شركات ستافسكي في بنما، أو ما إلى ذلك من مثله مما كانت الصدفة أو المضاربة أساسه، وبدأ الناس يعودون إلى الإيمان بالقوانين الطبيعية المعقولة في كسب العيش وفي إقامة الثروة، وقد انتهت هذه الآمال بعد أن تكشفت عن فضائح ستافسكي في فرنسا، وبعد أن جعلت مثل مستر أنصول يفرُّ من الولايات المتحدة بعد أن هوى نجمه في المغامرات المالية، ليعود إليها مقبوضًا عليه متهمًا بتهمة النصب، وبدأ الناس يشعرون أن تلك الحياة التي لم يبق المال فيها زينة الحياة الدنيا، بل أصبح معبودها الأكبر حياة آمال، كاذبة، وآمال ضعيفة، وأن الخير في أن يعود العالم إلى حمى الإيمان بحكم العقل، وسنن الكون الثابتة، وأحكام الطبيعة التي لا تتبدل.

لكن هذا اليأس الذي يريد الناس أن يفتحوا به باب أمل جديد لم يتخط بعد سأم الناس من طول التشاؤم، ولم يتعد إلى أسس العلة التي أنتجت الأزمة الاقتصادية، فلو أن العالم استطاع غدًا، لسبب أو لآخر، أن يجد الوسيلة إلى الاندفاع فيما كان مندفعًا نحوه من تحصيل الثروات الواسعة بكل وسيلة ممكنة، مع الاستهانة بكل قواعد الخُلق والنزاهة وحكم الضمير؛ لما تردد الناس في سلوك السبل التي سلكوا أمس، ولن ينفعهم إيمانهم بأنهم سيتعرضون إلى مثل ما تعرضوا له من أزمة عنيفة شاقة طويلة، ذلك بأن السنوات التي أعقبت الحرب قد عفت في النفوس كل قواعد الخُلُق، وهدمت في القلوب أركان الإيمان، وجعلت الأثرة أساس الحياة، ولم تترك الفرد يفكر فيما وراء هواه أو يقدِّر معاني التضامن بينه وبين الناس جميعًا في مختلف أنحاء العالم، بل بينهم وبين العالم كله تضامنًا يدفعه ليتعاون لفائدة العالم كله، وهذا الأثرة هي التي جعلت مبدأ القومية يصل إلى مكان العبادة عند الشعوب، وما دامت هذه الحال النفسية قائمة في العالم فإن أزمة العالم ستبقى وستتطور في طور وألوان أغلب أمرها أن تكون أعظم حدة من هذه الأزمة الاقتصادية التي شهد العالم أخيرًا، وأن تتمخض عن ثورات أعظم مما تمخضت عنه أزمة العيش أضعافًا مضاعفة، حتى تنتهي بالعالم حتى يتجه إلى الصراط المستقيم.

ولقد كانت الأثرة من قبل الحرب مستعدة لأن تنمو هذا النمو المخيف الذي جاء في أثر الحرب، فالحضارة الأوربية التي دعت نفسها حضارة العلم قد اصطبغت منذ زمن بعيد بلون أعطاها صبغته فجعلها حضارة الاستعمار، وجعل العلم، وجعل العقل، وجعل النفس، وجعل كل ما في الحياة من قوى في خدمة هذا الاستعمار الذي لا يبغي إلى نشر العلم أو الدعوة إلى عقيدة جديدة، وإنما يبتغي استغلال ما سوى أوربا استغلالًا ماديًّا بحتًا، والاستعمار في هذه الصورة أناني بطبعه، أناني حتى ليستهين بالقتل وباستئصال الأجناس وبكل ما يقف في سبيل غايته الاقتصادية المادية الصرفة.

وهذا الاستعمار قد استطاع فيما قبل الحرب أن يخفي لونه الحقيقي، وأن يزعم لنفسه غايات هي تحضير الشعوب القليلة الحضارة، فلما وقعت الحرب بتأثير أرباب المال في العالم زادت العواطف الأنانية نموًّا في نفوسٍ تنطوي على حظ غير قليل منها، وكان من أثر ذلك هذه الأزمة الاقتصادية الشنيعة وليدة الخلاف بين رأس المال والعمل، ووليدة التطرف في نظرية القومية، ووليدة هذه الحضارة الاستعمارية التي استفحل بسببها ما بين رأس المال والعمل من خلاف، والتي عاونت التطرف في نظرية القومية تطرفًا جعل كل مجهود للقضاء على الأزمة الاقتصادية ضعيف الأمل في النجاح، وجعل كل سعي لتوطيد السلام في العالم أقرب إلى الخيال.

كيف يمكن أن تعالج هذه الحال وأن يقضى على هذه الظاهرات الخطرة التي هددت العالم وما تزال تهدده؟ يجب إذا أريد ذلك أن يعالج الداء من أساسه، وعلاج الداء من أساسه يقتضي محاربة الأثرة في النفوس لإقامة الخُلُق على قاعدة من الإيثار، إيثارًا يصدر عن إيمان متمكن من القلب بأن الناس إخوة، وبأن الإنسان للإنسان كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وبأن الحضارة الاستعمارية التي تنقض هذا الإيثار حضارة فاسدة الأساس يجب أن ينظر إليها العالم على أنها نقمة جديرة بلعنته، إذا استطاع الناس أن يصِلوا إلى هذا اجتثوا الداء من أساسه وقضوا على الأزمتين: أزمة الخُلُق وأزمة العقيدة، وأقاموا في العالم حضارة جديرة بأن يسعد بها الناس جميعًا، وبأن يتقدم بها العالم نحو الكمال.

وأول ما يجب لذلك أن تغير نظرة الناس إلى صلة الإنسان بالكون وما فيه، فالإنسان اليوم ينظر إلى الحياة وكأنه وحدة مستقلة بنفسها يجب أن تغزو الحياة لتملكها، تلك هي نظرة الفرد إلى ما حوله، ونظرة كل طائفة من الناس إلى الطوائف الأخرى، ونظرة كل أمة إلى ما عداها من الأمم، وبحكم هذه النظرة يحسب الفرد وتحسب الأمة نفسها أدنى إلى الكمال كلما كانت أمعن في الغزو وأشد سلطانًا، فالفرد الكامل في نظر الناس هو الذي حصَّل من الثروة ومن الجاه ومن النفوذ ما يجعل الآخرين يخضعون لحكمه وتعنو رءوسهم لسلطانه، والطائفة الكاملة هي التي تتغلب على غيرها من الطوائف وتتحكم فيها، فطائفة أرباب المال هي أفضل الطوائف في أوربا لأنها صاحبة الحكم فيها، وطائفة المؤمنين بالعمل هي أفضل الطوائف في روسيا؛ لأنها هي التي فرضت عليها نظامها، والأمم التي استطاعت أن تتغلب على غيرها بجيوشها وأساطيلها البحرية والهوائية، فأخضعت لسلطانها ملايين الناس ومئات ملايينهم في بقاع الأرض المختلفة، هي أدنى الأمم إلى الكمال بحكم هذه النظرة التي أذاعت الحضارة الأوربية، وإذن فسبيل الكمال للإنسان أن يغزو ما في العالم، وأن يجاهد ليغزو السماوات وأفلاكها إن استطاع، وهو إن فعل ذلك لم يفعله مدفوعًا بحب المعرفة وحده، ولا بالرجاء في أن ييسر الاتصال بسائر الكواكب أسباب السعادة للناس، ولكنه يفعله مدفوعًا بعامل الغزو والغَلَب وبالحرص على المادة، فهو يرجو أن يجد الذهب والمعادن النفيسة في القمر، وأن يجد الخامات اللازمة للصناعة في المريخ، وأن يجد هناك في مختلف الأفلاك مستهلكين يصرف بينهم بضائعه بعد أن يغزوهم ويتغلب عليهم.

هذه النظرة للحياة نظرة ضيقة الأفق أدنى إلى تفكير الإنسانية في طفولتها، وهل ترى الأنانية أشد نموًّا مما هي في الأطفال، فالطفل يحسب كل شيء له، كذلك تفكير الإنسانية تحت لواء المدنية الذي يظلها اليوم، وهذا التفكير الضيق الأفق هو الذي أدى إلى الأزمات الخلقية والعقيدية والاقتصادية، ولو أن الناس أحسنوا التفكير أو نظروا إلى صلة الإنسان بالحياة على أنها صلة تعاون وتضامن وصلة إيثار ومحبة، ونظموا أعمالهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض أفرادًا وطوائف وأممًا، وعلاقات الإنسانية بالعالم كله على هذا الأساس لانحلت العقدة، ولرأى الناس الأزمات تحل نفسها من غير حاجة إلى كل هذه الجهود العقيمة التي بذلت في غير كبير نجاح لحل الأزمة الاقتصادية أهون هذه الأزمات.

وليس أيسر من أن نضرب الأمثال على هذا، فجشع أرباب المال كان السبب في أكثر الأزمات التي وقعت في العهد الأخير تعقيدًا، جشعهم جشعًا لا حدود له من خُلُق ولا من قناعة ولا من فضيلة تقف دونه، جشعهم الذي جعلهم يبدعون أوهامًا يسمونها شركات يبتزون بها أموال السذج الطامعين في الربح الوفير، وهؤلاء من أرباب المال كانوا يملكون في مختلف بلاد العالم أشد الصحف أثرًا في توجيه الرأي العام، وكانوا يملكون توجيه الانتخابات، وكانوا يملكون أصوات النواب في المجالس النيابية، ولو علمت أن النواب الذين يقسمون يمينًا على أن يؤدوا واجبهم بالذمة والصدق، يقسمون في بعض الدول يمينًا سريًّا لبعض الهيئات بأن يكونوا عند إرادتها في البرلمان، لعلمت السر في ظهور فضائح مالية كفضيحة استفاسكي في فرنسا، ولو علمت إلى جانب ذلك أن عصابات دولية من أرباب المال هي التي تهيمن على شئون بعض دول أخرى وتوجهها كما تشاء، لهان عليك أن تدرك السر في كثير من الشقاء الذي تنوء الإنسانية اليوم بأعبائه.

وليس يكفي أن ينظر الناس إلى صلة الإنسان بالحياة على أنها صلة تعاون وتضامن وصلة إيثار ومحبة، معتبرين هذه النظرة وسيلة لحل أزماتهم وكفى، بل يجب أن يؤمنوا بذلك إيمانهم بوجودهم وإيمانهم بالحياة، يجب أن يؤمنوا به على أنه الحقيقة، وعلى أن ما سواه زور وباطل، ويجب أن ينظموا أعمالهم وعلاقاتهم بالناس وبالأشياء على ضوء هذه الحقيقة، ويجب لذلك أن يحاربوا بكل ما أوتوا من قوة كل ما يحاول نقض هذه الحقيقة، والحضارة الغربية عدو هذه الحقيقة والعامل الأكبر للقضاء عليها، فيجب لذلك أن يقضى على إيمان الناس بهذه الحضارة، وأن يتطلع الكل إلى وجه الحياة بغير ما يتطلعون اليوم، يجب أن يتطلعوا إليه مؤمنين بأنهم والوجود وحدة متناسقة تعمل كلها لغاية عالية، إذا لم نعرفها نحن إقرارًا فعزمًا؛ لأنها سر الوجود وسر هذا الكون كله.

إذا امتلأ الناس إيمانًا بهذه الحقيقة تغير اتجاههم في الحياة، وشعروا بسعادة لا سبيل إلى شعورهم اليوم بها، فلن يكون العلم يومئذ أداة استثمار واستغلال، وأداة حرب وسفك وكفى، بل يكون العلم يومئذ أداة مزيد من اتصال الناس بالحياة، وكمال إحساسهم بها، وفنائهم فيها فناء إيمان وإيثار ومحبة، ولن يكون المال يومئذ معبودًا تذبح أمام هيكله الضحايا وتراق في سبيله دماء الملايين، بل يصبح زينة الحياة في حدود ما تقتضيه هذه الزينة، فإذا زاد عليها وحاول أصحابه أن يتخذوه معبودًا أو أن يسخِّروا الناس لعبادته وجب أن يردَّ ما زاد منه على زينة الحياة إلى بيت المال المشترك، والذي يسميه الإنكليز (Common wealth)، ولن تكون الصلات الاجتماعية بين الناس أفرادًا وطوائف صلات تحكم بعضهم في بعض واستيلاء بعضهم على بعض، بل صلات تعاون في العمل للخير المشترك ينال كل منه ما يجعله مطمئنًا إلى الحياة، ثم لن تكون الحرب ذاتها وكل غاياتها الاستعمار الجشع، بل تكون غايتها إذا لم يكن مفر منها القضاء على الأنانية حيثما تنبت الأنانية وتعميم الدعوة إلى الإيثار، وإلى المحبة، وإلى الإيمان بالحق، وبهذه الوحدة في الوجود ينظمها جميعًا في اتساق كاتساق الجسم الصحيح إذ ينتظم أعضاؤه جميعًا في دعة وتعاون طبيعي لا يشعر عضو معه بمجهود؛ لأنه لا تَكلُّف فيه ولا مرض يفسده.

إذا أمكن أن يقوم هذا الإيمان بالنفوس، انحلت أزمة الخلق وأزمة العقيدة، وانحلت تبعًا لذلك كل أزمات العالم، وأما أن يظل الناس وإيمانهم بالحياة لا يعدو أنانيتهم الوضيعة وحبهم الحيواني لذواتهم، ثم يجيبوا بعد ذلك أنهم بالغون شيئًا من النعمة في الحياة فوهْم باطل وغرور لا غرور مثله، وأنت تستطيع أن تسأل: بم يؤمن العالم اليوم؟ وما هي قواعد الخُلُق فيه؟! أوقفتني عن جواب إيجابي لتسألك، ذلك هذا — أفتراك تجد هذا الجواب؟ كلا! فالعالم لا يؤمن اليوم بشيء غير الأنانية الفردية، وحتى المذاهب الاشتراكية متطرفة وغير متطرفة إنما تقوم على أساس من أنانية الطوائف التي عجزت أفرادها عن أن تحقق لنفسها سعادة الأنانية الفردية، فأما قواعد الخُلُق فقد وقفت من حدود ما قرر القانون مما جعله جريمة فحرَّمه أو لم يجعله جريمة فأباحه، بل إن الناس ينظرون إلى الرجل الذي يستطيع أن يتحايل على القانون ويرضي أنانيته من غير أن يقع في قبضة العدالة؛ نظرَهم إلى رجل ماهر يستحق الإعجاب والتقدير.

وقد بلغ من تأصل علة الأنانية في النفوس، ومن استفحالها وانتشار خطرها حتى أصابت في بلاد العالم المختلفة أشد الناس تدينًا، وأصابت رجال الدين أنفسهم، ترى الرجل يصوم ويصلي ويقال إنه يؤمن بالله، وهو مع ذلك يتهالك على عبادة المادة أشد التهالك، ولا يحول بينه وبين اهتبالها غير القانون وما حرمه على أنه جريمة وفرض عليه العقاب، أما الفضيلة لذاتها، وأما التعفف عما ليس من حق الإنسان، وأما الزهد الذي يأمر به الدين، وأما إيثار المال على حبه، والإيثار على النفس ولو كان بصاحبها خصاصة؛ أما ذلك كله فلم يبق إلا كلامًا يقال تتلفظ به الشفاه دون أن تؤمن به القلوب، أما إيمان القلوب فالمادة: الذهب، والمال، هذا الوثن الذي يُنحر له ويُضحى في سبيله بكل شيء، وبالكرامة الإنسانية هي الأخرى.

من العسير جدًّا أن نحوِّل تفكير العالم إلى هذا الذي ندعو إليه ونصرفه عن هذه الأنانية التي خلقت فيه أزمة الخُلُق وأزمة العقيدة، فهذه الأنانية هي التي طبعت بطابعها نظمه، وجعلت من الجيوش، ومن القانون، ومن المحاكم، ومن الدعاة الدينيين حماتها، لكن هذا العسر يجب أن يحفز الهمم بدل أن يثبِّط العزائم، ويجب على محبِّي الإنسانية حقًّا أن يعلموا أنه إذا كان زمن المعجزات المادية قد انقضى فزمن المعجزات النفسية لن ينقضي، وستبقى صادقة أبد الدهر كلمة الإنجيل: إذا ملأ الإيمان قلبك وقلت للجبل انتقل من مكانك ينتقل، وإنما يكون تمام هذه المعجزة ويتم التغلب على الأنانية يوم يقوم المؤمنون بالدعوة إلى الإيثار والمحبة والإيمان، وبِلَعْن الأنانية والأنانيين بالغة ما بلغت قوتهم وسلطتهم، ولو أن ذلك أدى بهؤلاء المؤمنين إلى غيابات السجون، لكانوا في سجنهم أبلغ دعوةً وأكثر أداءً للرسالة العليا التي يندبهم القدر لها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.