تعيش الإنسانية الآن بعض هذه الأيام الخطيرة التي تتاح لها بين حين وحين في أثناء تاريخها الطويل، والتي تجمع في كثير من الروعة صورة مختصرة لآلام الماضي، وصورة مختصرة لآمال المستقبل. ولست أدري أيمكن أنْ تقاس هذه الأيام التي نحياها الآن إلى أيام أخرى شهدتها الإنسانية حين انجلت عنها الحوادث الجسام، بانتهاء ما خاضت من غمرات الحروب، وأسلمتها إلى أيام أخرى استقبلت فيها حياة السلم العاملة المنتجة. ولكني أعلم أنَّ جيلنا هذا البائس قد شهد حربين منكرتين، وعاش لحظتين من هذه اللحظات الخطيرة التي يودع الناس فيها آلامًا ثقيلة مُرة، ويستقبلون فيها آمالًا جميلة حلوة. وبيننا كثيرون يذكرون يوم ١١ نوفمبر سنة ١٩١٨ حين وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، واستقبلت الإنسانية سلمًا، كانت تراها طويلة خالدة، فابتهجت لها أيَّ ابتهاج، واحتفلت بها أي احتفال، واستيقنت أنها قد ودعت الحرب الوداع الأخير، وقال كاتب فرنسي معروف إنه يعفو عن تلك الحرب العالمية بأنها قبرت الحرب إلى آخر الدهر!

ثم لم تكد أيام الغبطة والبهجة تطول؛ فقد أخذ المنتصرون يعملون في مؤتمر الصلح، وإذا الإنسانية تبدو كما هي، وكما كانت دائمًا طاغية باغية، مسرعة إلى النسيان، غير متعظة بالحوادث ولا متدبرة للعواقب ولا معتبرة بالخطوب، وإنما هي تقيم أمرها على الأثرة وحب المنافع العاجلة، يبطرها الفوز، ويُطغِيها الظَّفَر، ويذهلها النصر حتى عن أيسر الأشياء.

في تلك الأيام انهارت ألمانيا، وانهارت معها النمسا، وانهارت معهما دول أخرى كانت تشابههما. وقالت الإنسانية لمن بقي من أبنائها لقد انهار الظلم، فلن يجدد بناؤه، ومات الجور فلن يعود، وبعثت الحرية فلن تتعرض لخطر ولا خوف، ولن ينتقدها الناس مهما تكن الظروف، واستقرَّ الأمن العالمي فلن يضطرب ولن يزول، وصدق الناس حديث أمهم الإنسانية في ذلك الوقت، ثم لم يلبثوا أنْ عرفوا أنها كانت تمنيهم الأماني، وتزيِّن لهم الأحاديث، كما تعلل الأم طفلها الصغير مما تعلله به من الآمال والأحلام؛ لتسرَّه وتغره وتلهيه وقتًا ما عما يمكن أنْ يحزن أو يسوء.

ولم تمضِ عشرون سنة حتى بعثت الحرب العالمية من قبرها؛ لأنها لم تكن قد ماتت موتًا حقيقيًّا؛ ولأنها كانت شبه ذلك الكائن الغريب الذي تتحدث عنه الأساطير، والذي يحمل رءوسًا كثيرة لا يقطع منها رأس إلَّا نبت مكانه رأس آخر أو رءوس أخرى. وكان رأس الحرب الماضية غليوم إمبراطور ألمانيا، وكان الحلفاء يؤكدون أنهم سيقطعون هذا الرأس وما يحيط به من الزعانف والأتباع، ولكنه لم يكد يحس قربهم منه حتى انحاز إلى ملجأ أمين، فعاش وادعًا مطمئنًّا، ومات وادعًا مطمئنًّا بعد أنْ رأى لألمانيا رأسًا آخر ينبت في المكان الذي تركه مختارًا.

كان غليوم رأس تلك الحرب، وأصبح هتلر رأس هذه الحرب، وقد كان هتلر شرًّا من غليوم وأعظم منه نكرًا، فرد إلى الحرب حياة لم تعرف مثلها قط في تاريخ الحروب، حياة كلها هزل، وكلها إثم، وكلها بغض، وكلها عذاب، حياة لم تفسد أوروبا خاصة، ولم يجرَّ معها أمريكا إلى الفساد، وإنما أفسدت الأرض كلها، وملأت العالم كله بؤسًا وشقاءً وثكلًا وحرمانًا. وكان هتلر مستيقنًا أنه سيحيي الحرب إلى آخر الدهر، كما كان الحلفاء من قبل مستيقنين أنهم سيميتون الحرب إلى آخر الدهر، وقد كذبت الآمال هتلر كما كذبت الآمال الحلفاء من قبله؛ فقد ماتت الحرب عشرين سنة أو أقل من ذلك، ثم بعثت بعثًا جديدًا، وقد عاشت الحرب في أوروبا ست سنين أو أقل من ذلك، ثم ماتت موتًا جديدًا.

والمسألة الآن هي أنْ نعلم أماتت الحرب إلى آخر الدهر، أم ماتت الحرب إلى حين؟! أقطع الرأس الذي يحتفظ بجوهر الحياة، أم قطع رأس ليس بذي خطر، ولا يلبث أنْ ينبت مكانه رأس جديد؟ وهل قطع رأس الحرب؟! هل مات هتلر؟! فأين جثته؟! أم هل لا يزال هتلر حيًّا، فأين يمكن أنْ يكون؟! هل مات هتلر؟ وهل ماتت معه آماله الآثمة، وأحلامه المنكرة، ودعوته البغيضة؟ أم هل مات وترك هذه الأحلام والآمال تعبث بنفس الشعب الألماني المغلوب؟ تنام فيها الآن لتستيقظ فيها بعد وقت يقصر أو يطول.

كل هذه خواطر لا يستطيع الذين شهدوا الحرب العالمية الماضية والسلم العالمية الماضية أنْ يدفعوها عن أنفسهم، ولا أنْ يذودوا آثارها المحزنة عن قلوبهم، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ويجب أنْ يكون إيمان الإنسانية بالحق والعدل ونعمة السلم والأمن قليلًا جدًّا، ضئيلًا جدًّا؛ لأنها قد لدغت من جحر مرتين.

مهما يكن من شيء فقد انهزمت ألمانيا، وانهزمت إلى أبعد ما يمكن أنْ تكون الهزيمة، فرض عليها أنْ تسلِّم بلا شرط ولا قيد، فسلمت بلا شرط ولا قيد، ووضعت حكومتها وشعبها ووطنها وثروتها وماضيها ومستقبلها تحت أقدام المنتصرين، فهم يتصرَّفون في هذا كله كما يشاءون، وبانهيار ألمانيا انهارت كل الآمال التي كانت تعقدها بالحرب، فلن يتغير العالم كما كان يريد هتلر أنْ يتغير إلى ألف سنة، ولن تستعمر أوروبا كما كان يريد هتلر أنْ تستعمر إلى ألف سنة، ولن يتسلَّط الجنس الألماني على الشرق والغرب والشمال والجنوب كما كان هتلر يريد أنْ يتسلط إلى ألف سنة، كل ذلك قد ذهب مع الريح، وكل ذلك قد انقضى كما ينقضي الحلم البغيض، وهذه الإنسانية تُفِيق من نومها المنكر، كما أفاقت في ١١ نوفمبر سنة ١٩١٨، فتستقبل نهارًا ليس نورًا كله وليس ظلمة كله، ولكنه مزاج غريب من الظلمة والنور، فما زالت الحرب قائمة في الشرق الأقصى، وما زال إله الحرب ظمآن إلى الدماء، قرمًا إلى الضحايا من الناس، وما زالت الضحايا تقدم إليه، لا تحصى بالعشرات ولا بالمئات، وإنما تحصى بالألوف، وما زال إله الحرب يلتهم هذه الضحايا التهامًا، فلا يشبع، ويعبُّ في دمائها عبًّا فلا يرتوي، وإنما هو جائع دائمًا، ظمآن دائمًا، يقدم إليه طعامه المنكر، وشرابه البغيض، فيقول هل من مزيد، وتقول الإنسانية: نعم، وأي مزيد!

ما زالت الحرب قائمة في الشرق الأقصى، أما السلم في أوروبا فهي تُقبِل متعثِّرة، على وجهها ابتسامة شاحبة، وهي تسعى مترددة، وتتقدم مضطربة، وتمشي على استحياء، لم تصل بعد إلى أنْ تستكمل قوتها التي تبهر النفوس، وجمالها الذي يروع القلوب، ونشاطها الذي يملأ الضمائر ثقةً وأمنًا وأملًا؛ فالأمم الظافرة لا تأمن هذه السحب السياسيَّة التي قد تكدر ما بينها من صفو، وتفسد ما بينها من صلات.

هذه سحب تثور في الجو السياسي يسن الروسيين من جهة، والبريطانيين والأمريكيين من جهة أخرى؛ لأن بولندا — وهي أول دولة أزالها هتلر — لم تحرر بعد كما يحب الحلفاء جميعًا أنْ يكون تحريرها. لقد أعلنت الحرب من أجل بولندا، بذلك تنبئنا الوثائق الرسمية على الأقل، وقد انتهت الحرب، ولم يتفق الحلفاء في أمر بولندا، فقد غيرت حدودها باتفاق الحلفاء جميعًا، وبدون أنْ يستشار الشعب البولندي، ثم أنشئت لها حكومة رضيت عنها موسكو، ولم ترضَ عنها لندرة ولا واشنطون، ونشأ عن ذلك أنَّ الأمم المتحدة — جميعها — تشهد مؤتمر سان فرانسيسكو لتتحدث في مستقبل العالم الجديد، ولا يغيب عن هذا المؤتمر إلَّا بولندا التي أعلنت الحرب من أجلها.

وقد احتفل الحلفاء بعيد النصر يوم الثلاثاء، أما روسيا فاحتفلت به يوم الأربعاء. وبينما كان الحلفاء يحتفلون بعيد النصر، كانت الأمور هادئة في موسكو، وكان الراديو يتحدث إلى الأطفال، وكان الماريشال ستالين يصدر أوامره العسكرية بسقوط مدن ألمانية، وتحرير مدن أخرى في تشيكوسلوفاكيا، وبينما كانت موسكو تحتفل أمس بعيد النصر كان النواب البريطانيون يلحُّون على وزير الدولة في مجلس العموم بالأسئلة التي لا تنقضي عن مصير الزعماء البولنديين الذين اعتقلهم الروسيون، وعن أحاديث الاضطهاد الذي يقال إنه واقع في بولندا، وكان وزير الدولة يجيب متحفظًا على هذه الأسئلة، ولكنه لا يخفى أنَّ أمرها خطير جد خطير.

وقبل أنْ يحتفل الحلفاء بعيد النصر، وبعد أنْ احتفل الحلفاء بعيد النصر كان المؤتمِرون في سان فرانسيسكو ينظرون إلى الدول الكبرى نظرة فيها كثير جدًّا من الأمل، ولكن فيها كثيرًا جدًّا من الإشفاق؛ فقد ظهر في جلاء أنَّ الدول الكبرى لا تريد أنْ تفلت أمور العالم من أيديها، وأنها لا تريد أنْ يكون الأمر سواءً بينها وبين غيرها من الدول المتوسطة والدول الصغيرة؛ لأنها وحدها ذات القوة والبأس؛ ولأنها وحدها تستطيع أنْ تصنع القوة والبأس في خدمة السلم والأمن، فيجب أنْ تكون لها الكلمة العليا، ويجب أنْ يكون لها الصوت المسموع، وقد يكون هذا حقيقة واقعة، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنه لا يصوِّر الحق والعدل، ولا يصلح أساسًا للعالم الجديد الذي طالما وعدت الإنسانية بأنه سيقام على الحق والعدل والمساواة.

وهذه الدول الكبرى نفسها ليست متفقة كل الاتفاق، ولا مؤتلفة كل الائتلاف؛ فقد رأينا قصة بولندا بين السلافيين والسكسونيين، وهناك قصة الوصاية والمستعمرات بين البريطانيين والأمريكيين، وقد تحدَّث المسيو مولوتوف أمس إلى الصحفيين بأن أمر المستعمرات عظيم الخطر، وبأن الروسيا ستُعْنَى به؛ لتيسِّر وصول المستعمرات إلى الاستقلال في أسرع وقت ممكن. ومعنى ذلك في لغة السياسة أنَّ روسيا لا تريد أنْ تلزم الحيدة في تنظيم الوصاية والاستعمار، وإنما تريد أنْ تكون لها كلمة مسموعة، فما عسى أنْ تكون هذه الكلمة؟

وقد ظهرت نغمة جديدة كان العهد بها قد بَعُدَ؛ فهؤلاء الأرمن المقيمون في تركيا يريدون أنْ ينضمُّوا إلى إخوانهم في روسيا، والغريب أنْ تظهر هذه المسألة بعد أنْ عدلت روسيا عن تجديد ما بينها وبين تركيا من الميثاق؛ فهناك إذن مسألة أرمنية تريد أنْ تنشأ في الشرق الأوسط، كما أنَّ هناك مسألة فلسطينية أنشأتها الحرب الماضية في الشرق الأدنى، ولم يجد الفرنسيون وقتًا أشدَّ ملاءمة لإجراء التنقلات بين وحدات الجيش الفرنسي في روسيا ولبنان من هذا الوقت الذي يحتفل العالم فيه بعيد النصر، فاحتجَّ لبنان على إرسال الجيوش إليه بغير إذنه بعد أنْ وضعت الحرب أوزارها.

وكذلك تنتهي الحرب في أوروبا بأهوالها، وتبدو السلم بمشكلاتها، وحياة الناس لا تستطيع أنْ تكون صفوًا كلها، ولا بُدَّ من أنْ يجد الناس ما يشغلهم عن الحياة الهادئة السعيدة المطمئنة، فإمَّا أنْ تشغلهم الحرب، وإمَّا أنْ تشغلهم مشكلات السلم. والشيء المحقق هو أنَّ العالم الجديد لا يبدو مختلفًا مخالفة ظاهرة للعالم القديم، وإنما هو يبدو صورة مطابقة للأصل، يشبه عالم الأمس كما تشبه قطرة الماء قطرة الماء. والشيء المحقق أيضًا هو أنَّ الذين يقودون الشعوب في هذا الشرق ويحملون هذه الأمانة الثقيلة؛ أمانة الإرشاد إلى الحقوق والواجبات، يجب ألَّا ينخدعوا، وألَّا يُخْدَعوا، وأنْ يروا العالم كما هو، ويصوروا الحقائق كما هي، ويقولوا للناس إنَّ الحق والعدل والمساواة مُثُلٌ رائعة، كما قال المستر تشرشل منذ أسابيع، ولكنها لا تسعى إلى الناس ولا تنتظرهم، وإنما يجب أنْ يسعى الناس إليها، وأنْ يجدُّوا في هذا السعي حتى يبلغوها، وأنَّ سبيلهم إلى ذلك هي ألَّا يتخاذلوا ولا يتواكلوا ولا يعتمدوا على غيرهم، ولا ينتظروا أنْ تُهْدَى إليهم العزة والكرامة والاستقلال، كما تهدي إليهم الشمس ضوءها في كل صباح.

أما بعد، فقد أعلن وزير الداخلية البريطانية أمس في مجلس العموم أنَّ القوانين المقيدة للحرية قد ألغيت في بريطانيا العظمى، ألا يمكن أنْ يكون لهذا النبأ صدًى في مصر؟! فبريطانيا العظمى مثل يحتذى في الديمقراطية، وأظن أنها أشد منَّا إمعانًا في حرب اليابان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.