في أسماء بعض الرجال برنامجٌ وطنيٌّ خاصٌّ، وعنوانٌ تامٌّ لنهضة قومهم، ورمزٌ للخطوة الجازمة التي خَطَتْهَا البلاد بفضل مساعيهم وجهودهم.

ومن هذه الأسماء العالمية العظمى اسم جورج واشنجتون، محرر أمريكا الشمالية، الذي احتفى الأمريكيون يوم ٢٢ فبراير بذكرى مولده.

للأقلام الاختصاصية في شتَّى فروع البحث والنشاط أن تتناول واشنجتون من مختلف نواحي شخصيته فتدرسه قائدًا عسكريًّا، ومُنظِّمًا سياسيًّا، وشارعًا دستوريًّا، ورئيسًا للولايات المتحدة مرتين اثنتين إثر تأسيس تلك الجمهورية الحديثة الأولى في العالم الجديد، وحبَّذَا مسايرته في النهاية راكنًا إلى العيشة الهادئة في حضن الطبيعة، عاكفًا على معالجة الأرض والأعمال الزراعية بعد أن عالج قيادة الشعوب وتكوينها وتنظيمها، وخلق أمة عظيمة كاملة مجددة في أساليبها، ونزعاتها، ومطالبها، واتجاهها التاريخي والعمراني.

ولأقلام المؤرخين والساسة والمفكرين مادة غزيرة في وصف أخلاق واشنجتون الممتازة واجتماع المواهب النظرية والعملية في شخصه، من شجاعة نادرة وإدارة قوية هادئة، إلى بعد النظر والإدراك المباشر لحاجات أمته وموقفها في العالم، إلى نشاط متتابع وجهاد مستمر في طهارة نية وإخلاص واستقامة ووطنية وإنسانية، فإذا ما ذُكِرَت تلك الصفات والمواهب تيسَّر تبيُّن الخطوط الكبرى من صورة ذلك الذي لم يكن يروقه أن تؤخذ صورته الفوتوغرافية، وكان يعتذر لكل من طلب التصريح بنشرها، على أن أهم ما يهمنا اليوم من ذكرى واشنجتون هو عنايته الخاصة بالتعليم، ومناداته بوجوب نشر الثقافة بين جميع أبناء الولايات المتحدة.

ففي جميع رسائله الموجهة إلى مختلف المعاهد العلمية والأدبية، وإلى الأفراد ذوي المكانة العلمية المعروفة، كان يحضُّ على تثقيف العقول ونشر التعليم وتكوين الشخصيات، وفضلًا عن أنه كان في مقدمة الداعين إلى تأسيس جامعة أهلية فإنه كان يَعُولُ من ماله الخاص (وإن لم يكن من ذوي الثروة) جماعةً من الطلبة الأيتام والفقراء الذين ليس في مقدور ذويهم أن يقوموا بنفقاتهم المدرسية والتعليمية.

أما تقديره لأهل العلم والسلطان الفكري فيتجلى في هذه الفقرة المقتطفة من رسالة بعث بها إلى مدير جامعة بنسلفانيا (أبريل ١٧٨٩) حيث قال:

إني فخور بأن يَنظُر إليَّ أقطاب الأدب كواحد من جماعتهم، ولما كنت على تمام المعرفة باقتدار أهل العلم والثقافة في النفوذ بسلطانهم الأدبي على الأفكار والأخلاق والعادات والحكومة والقوانين والحرية، فإني أشكو ضآلة محصولي العلمي الذي لا يجعلني في هذا الباب واسع السلطان.

ولم يكن من المقتنعين بمنافع التعليم للفرد فحسب، بل كان يرى ببصيرته الجلية أنَّ تنوُّرَ الشعب ومعرفته بالتبع لواجباته الفردية الاجتماعية والوطنية، دعامةٌ لا مندوحة عنها لقيام الحكومات الحرة وبقائها، وأن لا وطنية صحيحة، ولا ديمقراطية صحيحة، بدون علم موفور، وأذهان مثقفة، وملكات مصقولة، وشخصيات تامة التكوين، إذ ما معنى استقلال لأمة تحكم نفسها؟

أليس معناه اختيار أفراد من تلك الأمة لتتقلَّد وظائف الحكم، وتُعنَى بإدارة الشئون والبيت في مصالح الدولة؟ فلا ريب أن الحكومة — وهي من الأمة — تكون حتمًا على صورة الأمة ومثالها، وإن لم يكن جميع أبناء الأمة على استعداد للقيام بذلك العبء الخطير الذي قد يُلقَى يومًا على عاتقهم، فكيف يستحقون الحرية وهم يفرِّطون بألزم شروطها الحيوية؟!

كان يودُّ «أن تكون أمريكا دوامًا في طليعة الشعوب بما تُقدِّمه للعالم من مُثُلِ العدل والكرم والحرية»، ولتقومَ بتقديم ذلك للعالم عليها أولًا أن تقدم تلك المُثُل لنفسها، وتضمن معالجة مصالحها لتكون واثقة من استقلالها وقومها، والوسيلة إلى ذلك هي التعليم، لذلك قال في «رسالة الوداع» التي وجَّهها إلى شعوب الولايات المتحدة (في ٧ سبتمبر سنة ١٧٧٦):

… إن حاجتنا المباشرة إلى المدارس والمعاهد العلمية لتعميم المعرفة والثقافة، وبمقدار ما تستمد الحكومة من قوة وسلطان من الرأي العام، وجب تنوير هذا الرأي العام ليُحسِن الاختيار ويحكم على بصيرة.

هذا مجمل رأيه في التعليم من حيث علاقته باستقلال الأمة السياسي، ولكن للتعليم المنوع الموافق لطبيعة كل متعلم ومواهبه واستعداداته، منافع أخرى لم يهمل واشنجتون ذكرها في رسائله الحكيمة، فتحيَّة، يا أبا الحرية والنور!

إن في هذه البقعة من الشرق القديم صحيفة جديدة للنور والحرية؛ لذلك نحيي ذكراك في يوم مولدك السعيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.