حين أعلن المسئولون منذ أسبوعين إلغاء الرقابة على الصحف والتمهيد لعود الحياة البرلمانية، في جو بريء من الحكم العرفي، ومن تدخل الجيش في السياسة، ومن كل شذوذ تأباه الديمقراطية الصحيحة، يومئذ كتبتُ أشير إلى ما حدث في الماضي من أغلاط أدت إلى قيام حركة الجيش في ٢٣ يوليو ١٩٥٢، ورجوت أن نستفيد في عهدنا الجديد من عِبَر الماضي وتجاربه، وأعدت إلى الذاكرة ما دلت عليه التجارب، من أن تضامننا واتحادنا عن صفاء نية وإيمان صحيح قد وصلا بنا إلى كثير مما ننشد من أغراضنا القومية، وأن الفُرقة والانقسام قد كانا دائمًا وبالًا على الأمة، وطلبت إلى المسئولين في الحكم وخارجه أن لا يفكر أحد منهم في نفسه أو فيما أصابه، وأن ينصرف كل تفكيرنا إلى ما يحقق للوطن الحرية والخير، وإن اقتضانا ذلك أن نتسامح في حقوقنا الذاتية.

كذلك دعوت رجال الصحافة إلى أن يقدروا مسئوليتهم في العهد الجديد، وأن يحملوا علم الحرية والإخاء والتضامن.

ومن يومئذ قامت الصحافة بهذا الواجب إلى حدٍ كبير. لكن بعض الصحف آثرت — مع الشيء الكثير من الأسف — أن تقف من بعضٍ موقفَ الخصومة، وأن تعيد إلى الأذهان صورة مما كان يحدث في الماضي الذي شكونا منه، وأن تحاول نصر فريق على فريق. ولقد كنت أشعر وأنا أقرأ هذه المعاني بشيءٍ من الضيق، ولا أستطيع مع ذلك أن أخص فريقًا من الكتَّاب باللوم دون فريق، بل لعلي كنت أعتذر لنفسي عنهم بأن الكبت الطويل الذي عانته الصحافة منذ أعلنت الأحكام العرفية للمرة الأخيرة في ٢٧ يناير سنة ١٩٥٢ هو الذي يدفعهم إلى ما يكتبون، وأن الدعاية التي يقوم بها بعض الرسميين وشبه الرسميين في الوقت الحاضر تدفع بعض الكتاب إلى هذا التنابذ وتحرضهم عليه.

أتراني رغم ما قرأت وما سمعت من هذا التطاحن في حل من توجيه القول إلى الدعاة وإلى الكتاب أناشدهم باسم الوطن وحقه علينا جميعًا أن يذكروا أن العود بالأمة إلى سابق شحنائها وتطاحنها أشد خطرًا عليها غدًا مما كان بالأمس؛ لأن خصوم مصر أكثر اليوم عددًا، وإن كانوا لصداقة مصر أشد احتياجًا، وهل لي أن أرجوهم أن يتجهوا بتفكيرهم وجهة جديدة أساسها التفاهم الصريح فيما بينهم لمصلحة الوطن، ووسيلتها المجادلة بالتي هي أحسن، وغايتها الخروج بمصر من وضعٍ شاذ إلى حالة طبيعية من الاستقرار في حمى العدل والحرية والأمن.

إن الثورة التي قام بها الجيش في سنة ١٩٥٢ قد جعلت القضاء على الطغيان هدفها الأول. وقد نجحت منذ اللحظة الأولى في اجتثاث مصدر هذا الطغيان. وكان طبيعيًّا أن تلجأ إلى العنف لبلوغ هذا الغرض. لكن العنف والحرية لا يتفقان. لذلك توسلت الثورة بأغراضٍ أخرى قبل أن تطوي صفحتها، وقبل أن تعود البلاد إلى حال من الاستقرار يعيد الطمأنينة إلى القلوب، والثقة إلى النفوس، ويجعل من هذه الطمأنينة وهذه الثقة في الداخل عربونًا لتبادل الثقة مع الدول الأخرى.

وقد استبشر الناس منذ أسبوعين، وحسبوا أن هذا الاستقرار قد أصبح قاب قوسين أو أدنى، وقدروا أن الطمأنينة عائدة عما قريب. أترى ما يحدث اليوم من تنابذ وتطاحن يؤكد هذه الطمأنينة في نفوسهم، أم تراهم حين يسمعون الحديث عن الثورة الحمراء، وحين يقرءون ما في الصحف من مهاترات تضطرب طمأنينتهم، وينظرون إلى غدهم بعين التوجس والحذر؟

إن الثورة كالحرب، ليس عسيرًا بدؤها وخوض غمارها، وإنما العسير أن نبلغ بها إلى غاية مأمونة العاقبة، وأن نخرج منها ظافرين بالحرية والعدل والأمن. وقد بدأت ثورة الجيش منذ عشرين شهرًا بدءًا موفقًا، أفنستطيع اليوم أن نصفي هذه الثورة وقد حققت أغراضها، وأن نستفتح عهدًا جديدًا من الاستقرار يكفل لكل مصري حريته وأمنه، أم ترانا لم نؤت من الحكمة ما يجنبنا التورط في ثورة جديدة بيضاء أو حمراء لا تؤمن عاقبتها وقد لا تحمد مغبتها؟

لشد ما أخشى أن يتشكك الرأي العام في حكمة المسئولين منا، من كان منهم داخل الحكم أو خارجه، وأن يرتاب في حسن تقديرهم بعد الذي يسمعه الناس ويقرءونه اليوم. فالحديث عن قيام الثورة حين التفكير في تصفية الثورة حديث تأباه البصيرة المستنيرة وتنكره الرزانة والاتزان. والمهاترة العنيفة لم تكن في يوم وسيلة شعب من الشعوب إلى الاتحاد والتعاون، وماضينا القريب حجة ناهضة على ما أقول. فقد كانت ثورة سنة ١٩١٩ ثورة قومية شاملة اشتركت فيها طوائف الأمة كلها على أساس من إنكار الذات ومحبة الوطن والتضحية في سبيله، ولذلك حققت من أغراضها الشيء الكثير. فلما تفرقت الكلمة، وانصدع الشمل، وحاول المصري أن ينتصر على المصري، انقلبت ثورة فريق من أبناء الوطن على فريق. لذلك تدهورت الشئون العامة، ودب إليها الفساد، ورفع الطغيان رأسه البشع فوق أسوار الحياة النيابية وحصونها، فدكها دكًّا وحطمها تحطيمًا. ولقد قاومت هذه الحياة النيابية جهد طاقتها، ثم أدركها الإعياء، وبقيت في إعيائها إلى أن أدركت رحمةُ الله هذه الأمة بحركة الجيش، ويومئذ نفضت الأمة عن كاهلها غبار اليأس، ورفعت رأسها تلتمس الحرية في الداخل والكرامة في الخارج.

والآن ونحن مقبلون على عهدٍ جديد يجب أن نخلص نفوسنا من شوائب الماضي وأوزاره، وأن نتعاون جميعًا بقلوبٍ صافية ووجدان سليم، يجب أن نذكر ما قدمنا في الماضي من خير لنضاعفه، وما وقع في الماضي من وزر لنتقيه، وأن تكون المجادلةُ بالتي هي أحسن ابتغاء وجه الوطن وسيلتَنا لخدمة هذا الوطن، وأن نغسل نفوسنا من درن الحقد والهوى، وأن ندرك أن انتصار فريق منا على فريق خذلان للوطن، وأن انتصار الوطن رهن بتآزرنا لنصره، متحابين متآخين في سبيله وحده.

أما إذا نحن عجزنا عن التعاون لتصفية الثورة، وملكنا الشعور بأنَّا معرضون لثورة أخرى ونضال جديد، فسنعود إلى الحلقة المفرغة التي دُرنا فيها أعوامًا متعاقبة في الماضي القريب، وستكون الثورة أشد خطرًا إذا اشترك الجيش فيها. لقد حمدت الأمة للجيش منذ عشرين شهرًا أنه تخلى عن حماية الطغاة فأنقذها منهم. فالجيش عماد الأمة في دفع من يحاول العدوان على سلامتها أو حريتها. لكن الجيش لا يمكن أن يكون أداة عدوان على حرية الوطن وبنيه إلا أن يكون جيشًا أجنبيًّا غازيًا، أو يكون أداة طيعة في يد مستبد غاشم، يرهب به الأحرار ويقضي على حرية الوطن. وحاشا جيشنا أن يكون كذلك.

أما ونحن على أبواب عهد جديد نريد به أن نستفتح صفحة مبرأة من سيئات الماضي وأوزاره، وأن نبلغ عهد استقرار وطمأنينة، فإنما يكون ذلك بأن نعقد الخناصر متآزرين لتنفيذ ما نحن متفقون عليه لخير الوطن، وأن ندع جانبًا — ولو إلى حين — ما نحن مختلفون فيه. وما نحن متفقون عليه يزيد على «تسعين في المائة» من مشاكلنا في الداخل والخارج. وما نحن مختلفون فيه قلَّ أن يتناول الأمور الخطيرة أو المسائل الجوهرية. فإذا نحن فعلنا ذلك أحرارًا مختارين، أسرعنا بمصر في مضمار التقدم، وتبوأت مصر في المضمار العالمي أسمى مكان وأعزَّه.

إننا الآن في مفترق من الطرق، والوطن في هذه اللحظة الحاسمة ينادي أبناءه جميعًا أن تعالوا إلى كلمة سواء أن لا تشركوا بي منافعكم وأحقادكم وكبرياءكم الغرور. انسوا أشخاصكم في سبيلي، واعملوا لرفعتي، ورفعةُ الوطن رفعة لكل واحد منكم، ورخاءُ الوطن رخاء لكم جميعًا، وحرية الوطن وكرامته هي حريتكم وكرامتكم. والعزة لله جميعًا وللمؤمنين بالله والوطن.

فهل ترانا يشد بعضنا أزر بعض لنلبي هذا النداء؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.