نحن نعتقد أن مالنكوف لا يملك السيطرة التي كانت محصورة بين يَدَيْ أستاذه ستالين، وأنه لم ينفرد بتدبير نكبة «بيريا» كما خطر للكثيرين عن اعتقال هذا ومطاردة أنصاره، ولكنهم هناك يخافون أن تعود سيطرة ستالين في صورة «دكتاتور» آخر من طريق احتكار النفوذ والاطلاع على الأسرار وتوزيع الأعوان سرًّا وجهرة في كل وظيفة من الوظائف «المفتاحية» كما يسمونها في اصطلاحهم، ولم يكن أحد غير «بيريا» مستجمعًا لأسباب هذا النفوذ ومتمكنًا من توزيع الأعوان حيث يقبضون على كل مفتاح من مفاتيح الدولة.

ولهذا فكروا من بادئ الأمر في تقسيم العمل، فلم يجمعوا بين رئاسة الدولة وسكرتيرية الحزب، كما جمعهما ستالين، وأعلنوا في الأسبوع الماضي تُهَم «بيريا» فكانت كلها خلاصة للسياسة التي وصل بها ستالين إلى السيطرة الشاملة طول حياته، فبيريا إذن متَّهَم بالتدبير الذي دبَّرَه ستالين ولم يزل يدبره منذ كان سكرتيرًا للحزب قبل موت لنين إلى أن مات.

هذه كلمة في الطريق.

أما الغاية التي نقصد إليها من التعليق على محاكمة «بيريا» فهي الحكم على مذهب كارل ماركس بالموت، ولا حاجة في هذا الحكم إلى «حيثيات» غير محاكمة بيريا على استغلال النفوذ.

ما هو مذهب كارل ماركس في كلمتين؟

مذهبه أن القضاء على المِلْكية الخاصة وعلى رءوس الأموال يقضي على عوامل الاستغلال، ويُبْطِل النزاع على السلطة الحكومية التي يحتكرها المنتجون.

طيب، وهو كذلك.

فلماذا يُحاكَم بيريا ويُحسَب من أعداء الشعب أو أعداء البشرية؟!

هل نهب خزانة الدولة؟ هل احتكر المعامل ومصنوعاتها؟ هل جمع في يديه رءوس الأموال الداخلية أو الخارجية؟

كلا … إنه لم يصنع ذلك، لكنه متهم بالتسلط والاستغلال.

سبحان الله! … إذن هناك تنازع على النفوذ والاستغلال بغير مِلكية خاصة وبغير رءوس أموال.

إذن هناك سلطة بغير إنتاج.

إذن هي الطبيعة البشرية تُسخِّر المال في سبيل السلطة، وليس المال المسكين هو الذي يُسخِّر الطبيعة البشرية.

إذن صَدَق الشاعرُ مع بعض التعديل اليسير:

يقولون: الزمانُ به فسادٌ!

وهم فسدوا وما فسد الزمانُ

ونحن نقول:

يقولون: الحطام به فساد

وهم فسدوا وما فسد الحطامُ

لقد بلغ إفلاس الماركسية غايته بمحاكمة بيريا وأمثاله، وقبل ذلك أعلن مالنكوف إفلاس الماركسية يوم وقف في المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي وشكا مُرَّ الشكوى من «المحسوبية» في اختيار الموظفين للمناصب الفعالة التي تحتاج إلى الكفاءة الممتازة.

سبحان الله العظيم! …

إذن هناك محسوبية بغير الفلوس!

هناك محسوبية الصداقة، أو محسوبية القرابة، أو محسوبية المشاركة في الأغراض والأهواء، وليست المحسوبية كلها من الثروات والأموال!

إذن هي المحسوبية من رأس الإنسان وليست من رأس المال الظالم المظلوم.

وقبل أن يُحاكَم «بيريا» ويُحكَم عليه، لا مناص للقوم من أن يعلنوا طائعين أو كارهين أنهم حاكموا كارل ماركس ومذهبه، فحكموا عليهما بالإدانة، ثم حكموا بإفلاس هذا وذاك.

ونحسبهم يرضون عنا بعض الرضا؛ إذ نستخدم كلمة الإفلاس في هذا الموضوع، فإنهم لا يحبون شيئًا كما يحبون مادة: فلس يفلس فلسًا وفلوسًا. ولا شيء عندهم في تاريخ الأرض والسماء غير الفلوس والإفلاس!

الجوائز الأدبية

ومن المال المظلوم إلى الجوائز الأدبية نقلة قريبة؛ لأن الجوائز الأدبية تستخدم المال أحيانًا، وتثبت أحيانًا أن المسكين مظلوم، وأن الإنسان لا يطلب المال لذاته إلا عن مرض نفساني؛ كمرض الهوس بجمع الحصى أو عيدان الكبريت، أو الخرق الملونة أو ما شاكلها من المجموعات التي لا تنفع ولا تضر، وإنما يُولَع الناس بجمع المادة عادة لغرض ينالونه به ولا ينالونه بغيره، فهو أداة كسائر الأدوات.

في هذا الشهر تنتهي مواعيد الجوائز الأدبية في كثير من البلاد الأوروبية، وفي هذا الشهر نسمع بالغرائب في اختيار الكتب والتنويه بالكتاب.

ومن هذه الجوائز ما تقبض منه الأكف على أقل من عدد أصابعها جنيهات أو ريالات … فهل هذا كل ما يريده المؤلفون من الشهادة والتفضيل؟!

ألمح هنا ألف رأس «ماركسي» يتطلع ليشتم ويتعالم بالرطانة الماركسية المعهودة … وخلاصتها أن الكاتب غبي سخيف، وأن فائدة الجائزة مالية مُحقَّقة؛ لأنها تزيد في العدد المطبوع من المؤلفات المشهود لها بالامتياز والتفضيل.

وردُّ التحية بمثلها أو بأحسن منها واجب.

ردُّ التحية للأغبياء السخفاء أن هذا غير صحيح في أكثر الأحوال؛ إذ كانت الجوائز تُقيِّد الموضوع أحيانًا لأنه من الموضوعات التي لا تُطرَق ولا تروج. ونضرب لذلك مثلًا: جائزة يعرف المصريون اسم صاحبها — لورد كرومر — مقدارها أربعون جنيهًا، وشروطها أن يكون موضوعها دراسة تتعلق باليونانية القديمة، ويُقاس على ذلك عشرات من الجوائز والمباريات.

المال مظلوم هنا كما هو مظلوم هناك، وإن كان ظُلْمُه هنا ظلمًا لا يخجله ولا يسخطه؛ لأنه عنوان للسبق والامتياز في أشواط العقول والأذواق.

لو اجتمع الآدميون واتفقوا على تحطيم آخِرِ درهمٍ على ظهر الكرة الأرضية، أو في جوفها، لكان الاحتفال بتحطيمه معرضًا للتسابق والتنافس والاعتزاز بما يبقى من هذه الذكرى أو ما يُحفَظ من أحاديثها في سجلات البلاغة والفصاحة.

فتِّشوا يا هؤلاء على رأس الإنسان، ودَعْكُم من رأس المال.

حاكموا التاريخ وأبطاله كما تحاكمون بيريا وأمثاله … ويومئذ تعلمون مَنِ الظالم ومَنِ المظلوم.

تشرشل وكبلنج

وعلى ذكر الجوائز نعود إلى جائزة نوبل؛ لأن أخبارها المُفَصَّلة من مصادرها الرسمية لم تَصِل إلينا إلا منذ أيام.

بعد أن أعلن المجمع السويدي اختيار تشرشل لجائزة نوبل الأدبية في هذا العام قصد إليه «الهرجونر هجلوف» سفير السويد في العاصمة الإنجليزية، وأبلغه هذا الاختيار وأنه وقع عليه «لأستاذيته في عرض التاريخ والتراجم، وبراعته الخطابية التي ناضل بها دائمًا عن القيم الإنسانية الخالدة.»

وقد أجاب تشرشل هذا التبليغ قائلًا: «إنني لفخور جدًّا حق الفخر بتلقِّي هذا التشريف العالمي. فقد تلقَّيْتُ كثيرًا من التشريف الوطني، ولكن هذا الاختيار أول تشريف ذي صبغة عالمية أتلقَّاه، ويحضرني أن أول إنجليزي وُجِّهَتْ إليه جائزة نوبل هو رديار كبلنج، وأن أديبًا آخر أُجِيزَ بمثل هذه الجائزة هو برنارد شو، وليس في طاقتي أن أتطلع إلى منافسة هذين النابهَيْن، بيد أنني قد عرفتهما جيدًا، وأحسب أن تفكيري إلى ناحية كبلنج أقرب منه إلى ناحية شو. ومن وجهة أخرى أقول إن كبلنج لم يخطر كثيرًا على باله خلافًا لشو الذي كان يَذْكُرني أحيانًا بكلمات مُرْضِية.»

ولقد صدق تشرشل حيث قال إن تفكيره أقرب إلى تفكير كبلنج الذي يُطلَق عليه لقب شاعر الإمبراطورية، ويزيد بعضهم أنه شاعر الاستعمار Empire لا شاعر الإمبراطورية Imperialism.

وكبلنج هو القائل: «إن الشرق شرق، والغرب غرب، وهيهات يلتقيان! …» فهل من أجل هذا الشعور يُجاز تشرشل من قِبَل اللجنة السويدية؟!

لقد نعلم أن الشرط الأول من شروط نوبل في جوائزه الأدبية والسنوية «أن تُقرِّب بين بني الإنسان.»

فهل ينطبق الشرط بهذا المعنى على ذلك الشاعر أو هذا الخطيب؟

النقد المستقل

ما أصعب الاستقلال في النقد والاستقلال بالرأي في المرحلة الحاضرة من مراحل الثقافة العالمية!

إن الدعايات التي تخل بموازين النقد كثيرة قديمة متجدِّدة، وقَلَّ أن يوجد أديب لم ترفعه الأهواء عن منزلته أو تهبط به دون هذه المنزلة.

فالعصبية المذهبية ومصالح السياسة وتنافس الأوطان والأقوام، كل أولئك كان له عمله في إغداق الثناء على أناس، وكَيْل الذمِّ والانتقاص لآخرين؛ تعصبًا لهم أو تعصبًا عليهم وبدافع مقصود وغير مقصود.

وقد ذكرنا في هذه المقالات أسماء كُتَّابِنا الأقدمين، ونذكر الآن أننا حضرنا أناسًا يُفَضِّلون كتابة المؤيد؛ لأن صاحبه علي يوسف ينتمي إلى الأزهر، وأناسًا يُفضِّلون كتابة اللواء؛ لأن صاحبه مصطفى كامل حقوقي، وهم حقوقيون. ولا يزال بيننا من يضع في ميزانه حساب «الدرعمية» والجامعية ومدرسة القضاء الشرعي، وعقلية العلوم وعقلية الآداب، حين يتعصبون لهذا أو يتعصبون على ذلك، ولا نخال أن بلدًا من البلاد يخلو من أمثال هذه العصبيات وهذه الدعايات، ولا نحسبها مقصورة على عالم الكتابة دون عالم الرياضة وعالم السياسة، وكل عالم له صبغة وعنوان.

إلا أنها في الغالب دعايات مرتجلة عارضة، وما كان منها مدبَّرًا من وراء ستار السياسة، فهو محصور في نطاق محدود.

الدعايات العالمية

أما الدعايات التي تخل بميزان النقد حقًّا، فهي الدعايات العالمية التي طبقت الآفاق في العصر الحديث، فليس في العصر الحاضر كاتب عالمي يزنه الناقد دون أن ينظر في علاقته بتلك الدعايات العالمية، وليس للنقد من عمل في عصرنا هذا أهم من تصفية الشهرة العالمية في ميادين الثقافة، وما من شيء أصعب من هذه التصفية على النقاد المخلصين.

وإنها لدعايات شتى وليست بدعاية واحدة.

إن منها الدعاية الصهيونية، ودعاية الشيوعية، ودعاية الهيئات الدينية والهيئات السياسية التي تحاول أن تصبغ الأفكار بما يوافق برامجها ومساعيها، وكل منها له بيننا نحن الشرقيين أثر محسوس.

منذ خمسين سنة يشتهر في الآداب العالمية كُتَّاب ليسوا هناك، وإن كانوا على حظ من الألمعية والطرافة في باب من الأبواب.

لدڤج، وموروا، وزفايج، وبروست، وريلكه، وكافكا، وسارتر … وغيرهم وغيرهم ممن لا يسيرون مع هذا الرعيل.

إن زفايج من هؤلاء لنابغ حقيق بمكانه بين الأدباء العالميين، ولكنه ما كان ليبلغ هذا المكان بغير الدعاية الصهيونية، وقد بلغها الآخرون وفاقوه وهم دونه في القدرة والإحسان، وسر هذه الحظوة أو لدفج وموروا يهوديان، وأن بروست وكافكا وريلكه وسارتر أمهاتهم جميعًا يهوديات.

ومعوَّل الصهيونية في بسط هذه الدعاية على وسائل كثيرة، منها: دور النشر والطباعة، ومنها شركات الإعلان التي يتوقف عليها ثبات الصحف وتعزيز مواردها، ومنها الأيدي الخفية التي تدخل في المنظمات الدولية بلا استثناء، ومنها «الأونيسكو» المشهورة … بل هي منها وفي مقدمتها على الخصوص.

والهيئات الشيوعية تعمل من جانبها ما تستطيعه للترويج والتشهير، ومعوَّلها على الجماعات والآحاد الذين يَدِينون بمذهبها ويتطوَّعون لنصرتها أو ينقادون لأوامرها، وقلَّما يذكرون اسم الشيوعية في محاربة هذا ومحاباة ذاك؛ لأنهم يخشون أن تنكشف الحيلة ويفتضح السر المستور.

وللجماعات الدينية قدرة هائلة على الدعاية الواسعة، ووسائلها تناسب العصر وتعتمد أحيانًا على العلم والثقافة.

ولجنة نوبل لا تدخل في عصبة من هذه العصب المختلفة، ولكنها على العموم تستنكر المذاهب المادية قطعًا، ولم يسبق لها قط أن أجازت صاحب نزعة يسارية من الماديين، ولعلها اختارت تشرشل في هذا العام لمن يكرهونه لا لمن يحبونه، واليساريون بعض كارهيه …

إن القارئ الذين يبني حكمه على هذه الدعايات مخدوع، وإن الناقد الذي يغفل عنها لمختل الميزان. أما الكاتب الذي يملك استقلال رأيه بين هذه التيارات الطاغية فهو قديس.

وماذا تصدق من مصدق؟!

بدأنا هذه التعليقات بمحاكمة من أعجب المحاكمات؛ لأنها بمثابة اتهام صنم معبود أمام كُهَّانِه والمتعبدين بمذهبه.

ونختمها بمحاكمة لا تَقِلُّ عنها في العجب، ولكنها تستمد العجب من أطوار المتهم فيها، وهو الدكتور مصدق رئيس وزارة إيران قبل انقلابها الأخير.

أطوار مصدق لا تكاد تُصَدَّق!

إغماء وبكاء وتحدٍّ وهجوم، في نفس واحد.

وفي الناس من يقول إنه خداع واحتيال، وفيهم من يقول إنه تمثيل وتلفيق! فهل تراها من قبيل الدهاء أو من قبيل الفن الجميل؟!

نحسب أن السؤال على هذا الأسلوب صعب الجواب، ولكن السؤال الذي لا صعوبة في جوابه هو: هل يستطيع مصدق أن يُغيِّر هذه الحالة؟ هل يستطيع أن يمتنع عنها باختياره وأن يصطنعها كلها باختياره؟

نحسب أن «لا» هي الجواب القريب إلى كل لسان.

ففي سلوك مصدق — ولا ريب — شيء من الاضطرار، ولكنه قد يزيد فيه، أو قد «يسوقها» كما نقول في تعبيراتنا العامية، أو قد يتخذ من الضرورة فضيلة كما يقول الغربيون.

والأطباء النفسانيون يرجعون إلى أطوار البنية الحية في الأحياء الأولى لتفسير بعض الظواهر النفسية التي تعرض لهم من أطوار بعض الناس.

يرجعون إلى أحوال «التماوت» التي يلجأ إليها بعض الأحياء اضطرارًا لإخفاء حركته عن أعدائه وكفِّهم عن مطاردته.

يرجعون إلى «النوم الشتوي» Hibernatior، وهو تدبير حيوي تلجأ إليه البنية الحية في أثناء جمود الشتاء للاكتفاء بأقل ما يمكن من النشاط والغذاء، فينام الحيوان شهورًا ولا يحتاج إلى طعام.

ويرجعون إلى حالة بيولوجية قد تنقلب إلى حالة نفسية برياضة من الرياضيات الشاقة التي يتدرب عليها الدراويش والنساك، وهي حالة الانحلال الشعوري Conscious Katabolism أغرب هذه الأطوار وأبعدها عن الاحتمال.

وكل هذه التدبيرات الحيوية أو البيولوجية مألوفة في عالم الحياة عليها يقع إعفاء البنية من مجهود ثقيل عليها، واكتفاؤها بأهون ما يتيسر من النشاط وتوتر الأعصاب.

ومنها ما يُكتسَب بالمحاولة والتعوُّد على درجات، ومنها ما يبتدئ اضطرارًا ثم يُستطاع المضي فيه على حسب الإرادة.

وقد تعرَّض مصدق منذ سنوات لصدمة نفسية متفق على تاريخها، وتلك هي صدمته يوم ماتت ابنته وحِيلَ بينه وبينها وهي تُحتضَر وتفارق الوعي والحياة … فلا يبعد أن بنية الرجل قد اعتصمت يومئذ بنوع من الشلل النفساني المخفف لمجهود الصدمة، ثم جعل هذا الشلل يعاوده مع الذكرى الأليمة حتى راضَ نفسَه عليه، وملَكَ إرادتَه فيه، فأصبحت له قدرة في نوباته على التحوُّل من الاضطرار إلى الاختيار، ومن الاختيار إلى الاضطرار.

وأيًّا كان نصيب الفن أو الدهاء أو المرض من أطوار الرجل، فلقد كانت محاكمته — والحق يُقال — أبرع «مسابقة سياسية» بين المحاكمة وبين الاتهام، وكان الرجل ظريفًا حقًّا حين هَرْوَلَ من المحكمة غاضبًا منها، كأنما كان مدعوًّا فيها إلى وليمة!

كانت ضربته الأولى ضربة معلم بارع حين قال للمحكمة إنه يُحاكَم لحساب الدول الأجنبية لأنه أمَّمَ آبار البترول!

وقُوبِلَتْ هذه الضربة بأبرع منها حين تلا رسولُ الشاه تبليغَه الذي يعلن فيه أن الرجل يستحق تخفيف العقوبة؛ إكرامًا لوطنيته واعترافًا بفضله في تأميم تلك الآبار!

فليس التأميم علة الإدانة بل هو شفيع البراءة.

ولم يفقد هذا السياف البارع ثبات قدمه ولا اتزان حركته أمام هذه الضربة الماضية؛ إذ كان منظورًا أن يستكين الرجل ويستسلم للتهمة، ويعترف بأنه أساء واقترف ما يستحق العقاب بعد تخفيف العقاب.

ولكنه قابل الضربة في طريقها قبل أن تصل إليه، وكان على الرغم من تماوته وإغمائه واعيًا متيقظًا لا يسهو عمَّنْ حوله من الواعين المتيقظين.

إن الرجل أعجوبة من أعاجيب السياسة العصرية، بل من أعاجيب السياسة في جميع العصور.

ولا شك أنه على خُلُق، وإنه لخُلُق متين لا يقبل المراوغة في مواضعها المعهودة، وإن هذا لهُوَ أعجب العجب من طبيعة هذا الرجل الذي يُوَزِّع مواقفه بين اليقظة والإغماء.

لا أذكر وهو في القاهرة أنه استرسل أو أطنب مُنَوِّهًا بصاحب التاج في بلاده أو بصاحب التاج يومئذ في هذه البلاد، فكان بدعًا بهذه الصراحة السلبية بين الوزراء ورؤساء الوزارات، وبخاصة حين يمثلون دولهم عند دولة أخرى.

أليس هذا نفورًا من المراوغة في مواضعها خليقًا أن نستقر به من إنسان لم يعرف الروغان قط عن مرض أو اصطناع في جميع حياته؟! …

بلى وايم الحق … فكيف بمن يُغمَى عليه مرات في كل يوم، ومَنْ يُقال عنه إنه يمثل في كل مرة ويروغ من المقال الصريح؟! …

«إن في الأرض والسماء أسرارًا لا تحيط بها فلسفتك يا صاح!»

كذلك قال صاحبنا القديم شكسبير.

ولكن أين أسرار الأرض والسماء من أسرار النفس الإنسانية؟! وأين الكون الكبير من الكون الصغير؟!

وتزعم أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالَمُ الأكبرُ

أَيْ وحقِّ الإنسان، ومَنْ خَلَق الإنسان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.