تتصل الكُتب الثلاثة التي اخترتها لهذا الحديث بدراسات البحر الأبيض المتوسط، وكنتُ قد حاضَرْتُ في الشهر الماضي بمركز من مراكز تلك الدراسات بمركز نيس في فرنسا، وأدركتُ عن قُرْبٍ أهميةَ تكوين الرأي السليم في شأن تلك الدراسات؛ ما موضوعها وما وسائلها وما أهدافها، وسأحاول في هذا الحديث أن أبيِّنَ لحضراتكم قيمةَ هذه الكُتب لدراسة البحر الأبيض المتوسط وحضارته.

هذه الكُتب هي أولًا رسالة صغيرة للمؤرِّخ البريطاني Myres ميرز أستاذ التاريخ القديم بجامعة أكسفورد، عنوانها حضارة أو ثقافة البحر المتوسط. والكتاب الثاني كتاب للباحث الفرنسي المشهور أندريه سيجفريد، وأندريه سيجفريد يكاد يكون له في كل عام رحلة يعقبها كتاب، إلا أن مؤلفاته نالت مع تعدُّدها من التقدير ما نالت، وقد نشر عن البحر الأبيض المتوسط نظرية عامة في شئونه. وكتابنا الثالث مؤلَّف ضخم للجغرافي الفرنسي برودل، موضوعه ذلك البحر على عهد ملك إسبانيا فيليب الثاني؛ أي في النصف الثاني من القرن السادس عشر. أعيدُ ذكرَ هذه الكُتب: رسالة ميرز، ونظرة سيجفريد العامة، ومؤلَّف برودل.

وينبغي عليَّ لتقدير قيمتها أن أقرِّرَ بعضَ الحقائق الأساسية، أولى تلك الحقائق أننا تعلَّمنا من الجغرافيين تقسيمَ العالم إلى أقاليمه السبعة وقاراته وأقاليمه الطبيعية، وهذه تُبنَى على أُسس معيَّنة ولا تعبأ بالقارات ولا تعرف الحدود السياسية، وقد عرفناها أداة طيبة للدرس والتنظيم والتنسيق. ومن أقاليمهم الطبيعية إقليم البحر الأبيض المتوسط، إقليم متميز عن غيره بظروف وشروط، وينبغي أن يكون لهذه الظروف والشروط نتائجها؛ أي ينبغي أن تحيا الإنسانية في هذا الإقليم حياةً من نوع معيَّن خاص بها، ولكن هل نجد هذه الحياة في الواقع؟ وإذا كنَّا لا نجدها في صورتها النظرية الكاملة، فما الفائدة من البحث عنها وتصويرها؟ والحق أنه لا غنًى للجغرافي ولا للمؤرخ أو المشتغل بالرياضيات والعلوم عن تلك الصور النظرية الكاملة؛ فلولاها لكانت العلوم خليطًا مهوشًا من المعلومات والحقائق، ولما ارتقى جمعها والنظر فيها إلى مرتبة الدراسة العلمية المثمرة؛ أي لا بد من رد المتفرقات إلى مثال ما، ولا بد من أن يكون جمعها على أساس ما.

على هذا النحو نفرِّق بين الحياة في البحر الأبيض كما هي وكما ينبغي أن تكون أو كما كانت في فجر التاريخ. ومهما كان من أمر الجماعات الإنسانية الأولى على سواحله وجزائره، فإنها ما لبثت أن تعرَّضت لمؤثرات وعوامل حوَّلتها لشعوب وأمم تنظمها ممالك وإمبراطوريات متنوعة الثقافات متعددة الأشكال والأوضاع؛ تؤثِّر فيها ظروف البحر الأبيض المتوسط الثابتة، وتقرِّب فيما بينها في بعض عناصرها، ولكن لم تستطع تلك الظروف أن تحول ثقافاتها ثقافة واحدة؛ فلا يحق لنا إذن أن نقول إن للبحر الأبيض المتوسط حضارةً، إلا إذا قصدنا ذلك المثال التصوري أو ذلك الواقعي الضئيل في الزمن السحيق.

وإن نظرة سريعة واحدة لحوادث التاريخ الكبرى لَتدلنا على أسباب ذلك، فها هي الجماعات الأولى تتعرض للإغارات والهجرات من الصحاري والمراعي والهضاب الأفريقية والآسيوية والأوروبية، فتتأثر الحياة بعناصر غريبة من البحر الأبيض المتوسط، ثم تتشكَّل الجماعات الجديدة بضغط الإمبراطوريات النهرية والقارية من مصرية وبابلية وفارسية، وتختلط التيارات الدينية والاقتصادية والسياسية وتتعقد الشئون. وتمتد المؤثرات إلى البحر، ومنه إلى أقصى أنحاء القارات، فلا عجب إنْ لم تَقُم بالبحر حضارةٌ واحدة، بل كان ملتقى حضارات.

ولقد تمَّ للرومان إخضاع أمم البحر لحكومة واحدة، فهل أدَّى هذا لتكوين حضارة واحدة؟ لم يؤدِّ لشيء من ذلك، وكان نجاح الرومان أتمَّ خارجَ حوض البحر لا داخله، كان نجاحهم أتمَّ فيما وراء جبال الألب؛ في فرنسا وفي اتجاه الغرب الأوروبي، ولكن الأمم اليونانية والشرقية لم تنهدم لها شخصية، بل استطاعت الاحتفاظ بمقوماتها الأساسية وانبعثت منها النصرانية فتبدَّلت المعالم ودخلت الدنيا في طور جديد. ثم كانت الإغارات الجرمانية والصليبية والعربية الإسلامية، فتمزَّقت وحدة البحر السياسية، ووُضِع أساس الأوضاع الراهنة؛ أمم أوروبية على سواحله الشمالية، وأمم إسلامية على سواحله الشرقية والجنوبية. الحضارة الأولى أوروبية، والحضارة الأخرى عربية؛ لم تخلُ واحدة منها من مؤثرات البحر، فاختلفت إسبانيا وفرنسا وإيطاليا مثلًا عن إنجلترا وألمانيا، واختلف المغرب الإسلامي عن إيران والهند، ولكن بقيت إسبانيا وفرنسا وإيطاليا قطعةً من أوروبا، وبقي المغرب الإسلامي قطعة من دار الإسلام.

هذا وجه الحق في هذا الموضوع، إلَّا أن الكُتَّاب الأوروبيين يصرُّون على التحدُّث عن حضارة واحدة؛ ولذلك لا يعترفون للبحر الأبيض المتوسط إلا بالحضارة الأوروبية المنحدرة عن الأصل اليوناني والمتأثرة بظروف البحر وشروطه، وينظرون لأمم البحر التي رفضت الاندماج فيها نظرتَهم للدخلاء الجامدين أو المتعصبين. والفكرة سياسية قبل أن تكتسي ثوب العلم، وهي من ناحية العلم كما هي من ناحية السياسة، لا تصلح لأي عمل قويم. أذكر هذا لأن جميع الكُتَّاب الأوروبيين تقريبًا يصدرون عن هذا الاعتقاد؛ هم جميعًا يدَّعون البحر الأبيض المتوسط لأوروبا وحدها.

وبعدُ، فما قيمة كُتب الثلاثة لفهم ذلك البحر ودراساته؟ أما رسالة ميرز فلا أعرف خيرًا منها في حجمها لتوضيح صورة الحضارة في جوهرها الأصلي، فنوع المعاش الذي عاشته الجماعات القديمة، وأثر المنظر في الفن، ونوع الاعتقاد الديني، ونوع التنظيم الاجتماعي؛ كل هذه الأشياء بيَّنَها ميرز على خير وجه. ولرسالته أيضًا قيمة أخرى، هي أنها تبيِّن إيجازًا تأثُّر حياة البحر الأبيض المتوسط على وجهها الأصلي بالمؤثرات الطارئة عليها من منابع أخرى. ولكن كل ذلك يتصل بالعالم القديم، فإذا ما أردنا عالمنا الحاضر فإننا لا نجد خيرًا من نظرة سيجفريد العامة، ولقد حاوَلَ أن يبني بحثه على فصول جغرافية ومقدمات تاريخية، وهذا حسن في ذاته، ولكن هذه الفصول وتلك المقدمات لا تُغنِي عن الدراسات الجغرافية والتاريخية الأصيلة. فإذا ما تركناها جانبًا وانتقلنا للفصول التي شرح فيها أثرَ العوامل الاقتصادية العالمية في أحوال ممالك البحر الزراعية والصناعية والتجارية والنتائج السياسية والاجتماعية التي ترتَّبَتْ على ذلك، نجد الكتاب خير معين لفهم أثر العوامل العالمية في منطقة معينة من العالم. وقد اكتسب سيجفريد خبرةً لا تدانيها خبرة في الاستخراج والاستنباط وعرض الحقائق بأسلوب جذاب. وأما كتاب برودل: البحر الأبيض المتوسط في عهد فيليب الثاني ملك إسبانيا — أي في النصف الثاني من القرن السادس عشر — فهو من طراز آخَر؛ هو بحث جغرافي تاريخي في حقبة من الزمان حفيلة بأخطر الحوادث؛ بالثورة العالمية في طرق التجارة، باستعمار العالم الأمريكي، بالزحف البرتغالي ثم الأوروبي نحو الشرق الآسيوي، باستتباب الأمر في شرقي البحر للإمبراطورية العثمانية، بظهور قوة إسبانيا بعد إجلاء المسلمين منها، وبظهور الملكية الفرنسية مركزة قوية، وبتنافس الدولتين الإسبانية والفرنسية في إيطاليا وغيرها. وكان اهتمام برودل متجهًا بصفة خاصة نحو بيان أثر هذه الأحداث الخطيرة في حياة الإقليم الطبيعي، إقليم البحر الأبيض المتوسط، ولم يكن ذلك بالأمر اليسير؛ فقد قرأ الرجل المئات من المراجع، ورجع إلى دور الوثائق والمحفوظات في كل ممالك البحر، بما فيها راجوزا القديمة، وكانت في وقتٍ ما جمهورية تجارية نشيطة. ونحا برودل منحى لوسيان فيفر ومدرسته الجغرافية التاريخية في الربط بين التاريخ والجغرافية على نحوٍ يُظهِر التفاعل بين الإنسان وبيئته الطبيعية والبشرية، ولا يخلو فصل من فصول هذه الرسالة الضخمة من فكرة جديدة واتجاه جديد مُثمِر. ومما استوقف نظري أثناء القراءة شرحُ برودل لما أطلق عليه اسم دورة الذهب في البحر الأبيض المتوسط، وقد ربطت الدورة بين ذهب السودان وغيره من المناطق الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى والمسالك التجارية على سواحل البحر في نظام عجيب أخلَّ به الكشف الجزافي، ومناجم المعادن النفيسة بأمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، والكتاب جدير بأن يُترجَم لقرَّاء العربية.

وما من شك في وجوب التعاون بين ممالك البحر الأبيض المتوسط، لا لأننا نرجع لأصل مشترك، أو لأننا ندين لشيء موهوم اسمه حضارة البحر؛ ولكن لأن تعاوننا يقوم على تلاقي الأصول المتصلة في مواضع عديدة، ولأن كلًّا من الفريقين الأوروبي والعربي يملك أدواتٍ ووسائلَ للبحث والدرس لا غنًى لكلٍّ منهما عنها، والله ولي التوفيق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.