إني على شرقيَّتي الصميمة وحُبِّي العظيم لهذا الشرق في ماضيه وحاضره ومستقبله جميعًا، لست أجهل ما للغرب وثقافة الغرب ومفكري الغرب من فضل علينا عميم، فبعلمهم اهتدينا إلى كرامة العلم، وأمام مجدهم ذكرنا أننا ذوو مجدٍ قديمٍ، وعن طريقهم أنشأنا نتبين معالم طريقنا، ومن نور مدنيتهم أخذنا نشعل مصابيح مدنِيَّتنا الحديثة، وحيال مواكبهم المقتحمة الظافرة تحفَّزت منا الهِمَمُ لتأليف موكب يسير بهذا الشرق إلى الأمام ولا يبقينَّه جامدًا بين المتخلفين، ومنهم تلقَّينا الشرارة التي لمست منا النار الكامنة تحت رماد القرون، فإذا بنا — ونحن كما يرون — تعترينا حُمَّى النشاط والعمل ويبرح بنا ظمأ الحياة، ويستحثُّنا الشوق اللَّجُوج إلى التقدم والرفعة والفلاح.

وللأمريكيين في هذا الفضل قِسْطٌ عظيم بما بثُّوا بين شبابنا وشابَّاتنا من علمٍ نافعٍ، وخُلُقٍ قويمٍ، وتَعشُّقٍ للحرية والاتكال على النفس، فسواء في مدارسهم المنتشرة في ربوع الشرق وفي معاهدهم التي يقصد إليها طلاب العلم من بلادنا إلى أمريكا، لقد أفادونا إفادة تبتدئ في الأفراد وستظل فعالة في أجيال المستقبل القريب والبعيد وسرعان ما نُعرَف بين رجالنا ونسائنا المطبوعين بطابع الثقافة الأمريكية، تلك الثقة العملية المباشرة التي كوَّنت نفرًا من رجالنا المعدودين من أركان النهضة الحديثة في الشرق.

فليتقبل رئيس هذا المعهد الجليل وعمدته والقائمين بأمره، كلمةَ الشكر والثناء التي أوجهها الساعة إليهم، كلمة صغيرة ضئيلة في ذاتها ولكنها كبيرة باشتراككم فيها جميعًا، قوية لأنها تتجاوب أصداؤها في كل قلب عرف لأمريكا الحرة المفكرة المثقفة حُسْنَ جميلها ونبل صنيعها.

***

وأحدث مآثر هذه الجامعة هو هذا القسم الذي أنشأتْهُ للخدمة العامة وشرَّفتني بأن جعلتني أحد خطبائه على أن أحدثكم في هذا المساء عن «ميزانية البيت وأهميتها»، وقد تقدمني في ٣٠ يناير المنصرم الدكتور محمود سكر بمحاضرته الضليعة الجامعة بين العلم المالي والاختبار الشخصي، وإذا سمحتم لي بملاحظة صغيرة في هذا الباب، قلت إن الدكتور كان في هذا النادي رمزًا لذلك المشروع الخطير الذي يحق لمصر الحديثة أن تفاخر به، فبنك مصر يقوم الآن بتنظيم الثروة القومية في هذه البلاد مقدمًا الحجة القاطعة على كفاءة المصري إذا هو وضع يده في أمر ما وصمم على العمل والمثابرة، والدكتور الفاضل الذي هو من رجال بنك مصر جاء يدلُّنا كيف تتكون الثروة الفردية من غير ما تبذير ولا تقتير، فتكون شرط الحياة الهنيئة للأفراد كما تكون أساسًا للثروات القومية في الشعوب الحية، وبعد أرقام دكتور الأرقام بتنظيم الأرقام وبتبيان ما ينطوي من تحتها من المعاني، بقي عليَّ أن أتناول الموضوع من ناحيته الاجتماعية، ومن قال اجتماعًا ذكر شتيت الشؤون المختبئة في هذه الكلمة وذكر خصوصًا الفرد الذي هو دعامة المجتمع، ومن قال اجتماعًا ذكر المرأة ملك العائلة أو شيطانها! المرأة التي هي روح العائلة وروح المجتمع وروح الوطن، وروح الإنسانية!

***

وقبل الاسترسال في الكلام عليَّ أن ألمع إلى أمر ربما كان ضروريًّا للذين منكم قد يرون تناقضًا بين ما كنت أكتبه وأقوله بالأمس وبين ما أنا اليوم قائلة وكاتبة.

منذ زمن غير بعيد كنت أتوهم أن المال غير ضروري للراحة وأن المرء قد يعيش على أهنأ حال وهو فقير معدوم، وهي نظرية ما زلت أراها صالحة للزهَّاد في الصوامع — وليسوا بالعديدين في أيامنا! — الذين يستطيعون أن يعيشوا كأطيار السماء وأزهار الحقل مكتفِين بما تتبرع به الطبيعة من بذور، وتربة ونور وماء وهواء، وكنت أحتقر المال وأظنه أَضْأَلَ من أن يُعنَى به عقل، وأَذَلَّ من أن يجري وراءه حُرٌّ، كان ذلك بالأمس، ولكن لا بد هنا من لكن! ولكني تطورت أيها السادة والسيدات، تطورت كما نقول بتعبير هذا العصر، تطورت لأن الحياة تأتينا كل يوم بدرس جديد وتطبع فينا ما لا يفلح في تلقينه أبرع الملقِّنين، وكلما زاد في عمرنا شهر أو عام صرنا أوسع إلمامًا بالحاجات والمقتضيات، وأتم معرفة لما يتحكم بنا من الشؤون.

تطورت فأنشأت أدرك حقيقة المال وخطورة شأنه، تطورت فأنشأت أدرك أن المال سبب كل ثورة وكل اضطراب، وكل حرب، صغيرة وكبيرة، وأن جميع المشاكل التي نسميها اليوم سياسية ودولية واجتماعية واقتصادية إنما تتلخص في المال وتحوم حوله، فهو في حياة الأفراد والمجتمع شأنه في حياة الشعوب والدول بمثابة الزيت من المصباح، بمثابة التيار الكهربائي من النور، بمثابة الدم من الجسد الإنساني.

ورغم كل ذلك ما زلت أحتقر المال واحتقاري الآن أشد وأحكم؛ لأنه يقوم على العدل والمنطق، أحتقره — وكلُّنَا مشتركون في هذا الاحتقار — عندما يكون أداة لابتياع الضمائر، وتزييف العواطف، وإغراء الفضائل وتشويه الحقائق، عندما يكون وسيلة لاختلاق الأكاذيب والافتراءات، وسيلة لإنكار الفضل وتفخيم الغباوة، وسيلة للتهويش والهوان، فيزحف حتى الذين نظنُّهم من الأحرار لأجله في الأوحال منكرين أسمى ما في ذواتهم، متخلين عما يجب أن يعتصموا به ويذيعوه بين الناس من المبادئ والنظريات والعقائد.

كلنا نحتقر المال في مثل هذه الحال، وفي هذا الاحتقار — حتى ولو ظل نظريًّا — صيانة للمبادئ الأخلاقية التي فيها — وليس المال — شرفُ ببني الإنسان وعظمتهم الصادقة، أقول «احتقارًا نظريًّا» لأن الذين يتفلتون من سطوة المال والجاه قليلون، ودون أن نهبط إلى تلك الدركات الذليلة في سبيل المال، ترانا في الغالب مستعدين لتكريم الغني السري والازدراء بمن هو أقل ثروة وجاهًا، وقد كان ابن المقفَّع عليمًا بقلب الإنسان عندما قال:

ليس من خُلَّةٍ هي للغنيِّ مدحٌ إلا هي للفقير عيب، فإن كان شجاعًا، سُمِّيَ أهوج، وإن كان جوادًا سُمِّيَ مفسدًا، وإن كان حليمًا، سُمِّيَ ضعيفًا، وإن كان وقورًا، سُمِّيَ بليدًا، وإن كان لَسِنًا، سُمِّيَ مِهْذارًا، وإن كان صموتًا، سُمِّيَ عَيِيًّا.

وقد لخَّص الشاعر العربي مقدرة المال في بيت خالد قال:

ونَدَرَ الجريء الذي يُجابِهُ القويَّ القادر بصراحةٍ وأَنَفَةٍ، ولو في شيء من التهكُّم الأنيق كما فعل بوالو الناقد الفرنسي مع الملك لويس الرابع عشر، فإنَّ هذا الملك العظيم لم يكتفِ بمجد الملك والسلطان، وكان يطمح إلى مجد أعظم وأبقى هو مجد العبقرية، فوطَّد نفسه على نظم الشعر واستدعى إليه يومًا الناقد الكبير بوالو وتلى عليه أبياتًا كان الملك شديد الإعجاب بها، وكان بوالو جريئًا، صائب النظر، أصيل الحكم؛ لأن الجرأة مع النظر العليل والحكم الضعيف أسخفُ ما تكون، فأنصت بوالو ثم قال: «إن مولاي صاحب الجلالة قادر على كل شيء، أراد أن ينظم أبياتًا سقيمة فنجح كل النجاح.»

***

أما الآن وقد هجونا المال الهجو الذي يستحقه فلننتحِ إلى الناحية الأخرى لنُقدِّره التقدير الواجب، هذا المال الذي نحتقره مفسدًا ونهجوه دعيًّا، كم نحن نكبره إذ به تُصان الكرامات، وتُسدُّ الحاجات وتُحقَّق بواسطته صالح الغايات لإنماء الفرد في شخصيته، وتوسيع الحياة حوله، وتوطيد مكانته في قومه، بل نحن نقدِّس المال عندما يكون ثمرة الجهود ونتيجة العمل المقدس، إن الحياة الاجتماعية قائمة على التعاون، والتعاون في الاجتماع معناه التبادل، أي أني أعطيك شيئًا فتعطيني غيره مما يقابله، والفرد في عمله ينفق من ذكائه وعمله ووقته وصحته ليفيد الآخرين، وليس من عمل مُنظَّم مهما ضَؤُلَ إلا وهو يستغرق شتيت القُوَى ويكون موفور العائد على فرد أو أفراد، فمن الحق أن يكون المال «وهو تلك القوة الكبرى وأداة التعامل بين الناس» بديل العمل، ومن الحق أن يكون كل عمل ذا ثمن، وكل مجهود ذا مقابل مالي، ومن الحق والواجب أن كل عمل يأتيه الفرد في مصلحة المجتمع ينال بدله من ثروة المجتمع العامة، ومن يرضى بأن يعمل له بلا ثمن فهو المستغل الذليل في ظلمه، ومن يستسلم للعمل بلا ثمن فهو السخيف الغبي الذي يرضى بأن يستغل بلا ضمير ولا تقدير.

وإذ يثق المرء من العمل الذي يُحسِن تأديته ومن المال الذي يربحه مقابل أتعابه، إذن يستطيع أن ينظم حياته وحياة ذويه بحكمة وتبصُّر، إذن يكون مصونًا كريمًا لا هو عالة على هذا المجتمع ومرضٌ فيه مزمن، ولا المجتمع يستغله ويرهقه ثم يحرمه الجزاء الوفاق، ومن هذا الإنصاف بين الفرد الواحد والمجتمع الذي يعيش فيه يأتي الوئام والسلام، ويتحقق معنى أصل من معاني الاستقلال، فيطمئن المرء إلى شؤونه، ويثقف ملكاته، وينعم بالفن والجمال والعبقرية وبكل ما وضعه المولى سبحانه تحت تصرفه، ولا يتسنى له ذلك إلا إذا نظم ميزانيته فكان من هذا الجانب خالي القلب من الهموم، وكان راضيًا عن يومه، واثقًا من غده وغد ذويه في بحبوحة من الرغد والهناء، إن الفقر مرض وقيد وخمول وعبودية، والحالة هذه فلا صحة لمجتمع أفراده مرضى، ولا نهوض لقوم أعضاؤه مقيدون، ولا استقلال لوطن أبناؤه الأرِقَّاء والعبدان، وتنظيم الميزانية في العائلة كما في الدولة شرط أساسي للتقدم والمعرفة والنهوض والحرية.

***

نحن الآن مجتمعون هنا، وفي خارج هذا المكان مئات وألوف من الناس تدفقت بهم الشؤون المختلفة إلى الشوارع والمتاجر والمدارس والمكاتب والملاهي والمتنزهات، وكلٌّ منا ومن أولئك جميعًا آتٍ من منزله ثم عائد إليه، مهما طال غياب المرء ومهما اقتضت الحال أن يتغيب، فهو في ساعة معينة لا بد راجع إلى بيته، هناك يلقي أحماله، وينزع الوجه العاري الذي يقتضيه في الخارج التربية الصالحة وحسن التصرف الاجتماعي، هناك يغسل الغبار ليس عن وجهه فقط بل عن نفسه أيضًا فيتخلى بذويه، ويعمد إلى التفكير الهادئ في أموره، ويستسيغ الموافق له مما تسمع وتعلم، ويجدد القوة التي ينفقها كل يوم في شتى الأعمال والحركات والمشاغل، فنحن في البيت كما في محراب شفيق يجب أن يكون مستودع القوة والراحة والنظام والرجاء، وإذا تعدد مثل هذا البيت في قوم أو أمة، فقل هناك المجتمع القوي السليم، وهناك يبزغ حتمًا فجر الحرية والحب والسعادة.

«أريد حبًّا — يهتف الشاعر الأرجنتيني أمادو نرفو — لقد جُبْتُ العالم وذقت نشوة العبقرية وضفرت الشعوب لرأسي أكاليل المجد، لقد رحب بي الغرباء كما يرحبون بالملوك والفاتحين، وفُتِنتُ بالنساء الجميلات في قصور الأساطير، فلم تشبع مني نفس ولم تتبدل لي ميول، ما زلت أريد حبًّا في بيت صغير منسق نظيف ليروق فيه معنى الهناء وأجلس فيه إلى أصحابي فيرَوْنَ في أدواتي البسيطة أنفَسَ الأثاث وأفخم الرياش، أريد حبًّا في منزل تديره، بهدوء وحكمة، أُمٌّ بارة أو زوجة صالحة! أريد بيتًا مملوءًا بالحب والحكمة لأعرف سر السعادة وسر الحياة!»

هذا الهُتاف الذي أرسله شاعر غريب في إحدى قصائده الخالدة، نشعر الآن بأنه هتافنا جميعًا، مهما كثرت مطامع الواحد منا، ومهما بعدت مطامحه ومنازعه، فلا تتغير حاجته الصميمة إلى منزل هادئ منسق تهيمن عليه روح المرأة وتفعمه حبًّا وهناءً، وموضوع المرأة في العائلة موضوع كبير متشعِّب الأطراف يستغرق وحده محاضرات متعددة، أرجو أن أُلمَّ به ولو بعض الإلمام في محاضرة مقبلة سألقيها بإذن الله في هذه الدار الكريمة عن «يقظة المرأة المصرية، ماذا فعلت إلى اليوم؟ وماذا بقي عليها أن تفعل؟»

وحسبي الساعة أن أقول إجمالًا إنه في المؤتمر الذي انعقد أخيرًا في روما للتدبير المنزلي والذي مثَّلتْ فيه مصر آنستان من فضليات أوانسنا المتعلمات — وهما الآنسة فاطمة فهمي والآنسة إميلي عبد المسيح — أثبت الإحصائيون أن خمسين أو ستين بالمائة من الإيراد العام قيد تصرف المرأة، فترون من هذا كم هي عظيمة مقدرة المرأة، وكم هي فعَّالة في تنظيم ثروة العائلة بالاتفاق مع زوجها من ناحية، وبدون معرفته من الناحية الأخرى لأن الزوج والأبناء يجب أن تتوفر عليهم معرفة التفاصيل التي لا تعني غير المرأة، ولأن للمرأة الحكيمة أساليب خاصة في قضاء الحاجات، وتقديم المطلوب إلى ذويها، وتمكين العائلة من أن تحيا حياة الرغد والهناء.

أذكر منذ ثلاثة أعوام تقريبًا كان «مؤتمر العائلة» منعقدًا في القاهرة، فأفردت جلسة للاقتصاد العائلي وتنظيم الميزانية، وتشرفت بأن أكون في تلك الجلسة خطيبة مع كاتبين كبيرين؛ هما داود بك بركات وأنطوان بك الجميل، فقام حضرتاهما باتهام المرأة، وإلقاء التَّبِعة عليها في الإخلال بميزانية المنزل، وقمت أنا بالدفاع وبإعطاء كل ذي حق حقه، واليوم أكرر ما قلته يومذاك من أن الرجل كالمرأة مُسرِف كبير، وأنهما في الجريمة متساويان، فليس منهما في هذا الباب من يفضل الآخر، كذلك أكرر ما قلته يومئذٍ أن المرأة أقدر من ينظم ميزانية العائلة لأنها في يدها، هي الملكة داخل المنزل تعرف خفاياه، وتدير حركته وتوجهها كيفما شاءت، وهي ذات أثر مباشر فيه يخفى على أدق الرجال إدراكًا، وإن هم تأثروا به طول الحياة فلا غرو أن تُدعَى المرأة محسنة العائلة، أو جلادها، وأن امرأة واحدة صالحة رشيدة توازي في داخل المنزل ألف رجل مدبر حكيم.

إن مالية العائلة وميزانيتها سر لا يعرفه إلا أعضاء العائلة ويجب أن يظل مكتومًا، غير أن ما تواطأ عليه علماء الاقتصاد وعلماء الاجتماع هو ما قدَّمه الدكتور سكر من وجوب تنظيم الميزانية بحيث يربو الإيراد على النفقات وادخار رأس مال ينمو شيئًا فشيئًا ويتزايد عامًا فعامًا، ولو بمقادير صغيرة فيضمن لهم الكرامة ولا يحتاجون إلى الغير إذا داهمتهم المصائب، ويورثون أبناءهم ما يخفف عنهم مرارة الحياة وغمومها، ويسهل العيش أمامهم ويمكنهم من تأدية واجبهم نحو نفوسهم ونحو قومهم.

التبذير أمر ممقوت يلاشي ثروة العائلة كما يقضي على راحتها وهنائها، ولكن التقتير لا يقل عنه مقتًا، إن بيوت بعض الناس كلباسهم وطريقة معيشتهم، دون مقدرتهم المالية ومكانتهم الاجتماعية، فماذا ينتظر هؤلاء ليتمتَّعوا؟ الحياة قصيرة مهما طالت، وللمرء مكانة عليه أن يحتفظ بها ويعززها، وعليه واجبات فردية وعائلية واجتماعية وثقافية وذوقية يتحتم القيام بها ضمن الميزانية المنظمة المتوافقة وثروة العائلة، وأنبل غايات الاقتصاد والادخار لا تنفي وجوب العيشة برخاء قدر المستطاع؛ لأن الاقتصاد على الضروريات يُضيِّق العيش، بل يُضيِّق الإدراك، ويجعل العمر كئيبًا، ويغض من النشاط لاستئناف العمل اليومي، كما أن فرط التنعم والترهف يشل من أوصال النشاط، ويرخي من العزائم، ويحمل على الخمول في دعوى السبق والتفوق، فليس من الحكمة ولا من الإنسانية أن نضرب عن كل ما في العالم من لطيفة وظريفة ومتاع، والحرص على المظهر من أقوى العوامل المركزة للمكانة الاجتماعية، والإنسان اجتماعي بالطبع ليس في مقدوره أن يعيش وحده، فبعد أن يهيئ لنفسه الضروريات المباشرة عليه أن يتناول الكماليات فيُحسِّن مظهره ومظهر عائلته، وينمِّي مواهبه ومواهب ذويه، ويجمِّل منزله، ويحيط نفسه بآثار الكياسة والذوق والجمال، كل ذلك يفيد المرء ويفيد المجتمع في آنٍ واحد، لأنه ينشط حركة الإنتاج في العالم، وينشر العلاقات الاجتماعية ومصادقة الناس، وكلها ضرورية لتحسين عمل الفرد، وإنماء وجاهته، وزيادة ثروته، ولا يعني هذا منافسة أهل الثروة الكبيرة ومسابقتهم إلى الظهور بمظهرهم، فذلك غيظ قادح وهو من أظهر عيوب الشرق في أيامنا، وإنما السر كل السر في التعقل والتبصر والإحكام، وتقدير الأمور قدرها، ووضع الأشياء في مكانها.

والآن أشعر بأن بعض الذين يستمعون إلى هذا الحديث أو بعض الذين سيقرأونه، سيحزنون ويعاتبونني في سرهم لأني ذكرت السُّعداء ذوي الإيراد المكفول والميزانية المنظمة والثروة التي تمكنهم من العيش الرغيد، في حين أني أهمل ذكر الذين لا يملكون لنفوسهم ولذممهم قوت اليوم، وهم حيال مشكلة الغد في حيرة وغم وقنوط.

في العالم اليوم مصائب كثيرة، وما انتشر الهناء والطمأنينة من الجانب الواحد إلا وكَثُر الحرمان والاضطراب من الجانب الآخر، ومع علمي بأن المتاجرين باسم الفقر وباسم الألم كثيرون، فإني أتحول عن أولئك لأنحني احترامًا أمام الحاجة الوجيعة والمواهب المجهولة والقوى المنبوذة، وأود لو كان بين يدي ملايين أهل الملايين، لا لأتبرع التبرع المفسد في غير حينه، ولكن لأقدِّم عملًا مناسبًا لكل من استطاع العمل، أما وأنا غنية بالكلام والعطف والأمل خصوصًا، فإني أوجِّه إلى أولئك المتألمين وإلى الناقمين على حظوظهم عمومًا هذه الأسطورة اليابانية ذات المغزى العظيم، فتكون هي ختام الكلام.

أُعلِنَ يومًا في اليابان أن الميكادو — رغبةً في تشجيع الصناعة والتجارة — أراد إجراء مسابقة بين مختلف النسَّاجين فوضع تحت تصرفهم مقادير كبيرة من خيوط الذهب والفضة والصوف والحرير والقطن، ودعا الراغبين منهم إلى تناول ما يشاؤون من تلك الخيوط بلا ثمن، فهرع الناس من كل صَوْبٍ وتهافتوا زرافات ووحدانًا إلى ساحات القصر الملكي، ولم يمض وقت قصير حتى خلت الساحة من تلك الخيوط النفيسة الجميلة، وفي النهاية وصلت امرأة مريضة فقيرة منعها القيام بأعمال منزلها الحقير من المجيء باكرًا، فاكتأبت وبكت إذ رأت تلك الساحات العظيمة فارغة مما جاءت المرأة تتناوله، وهمَّت بالذهاب وهي تدير الطرف فيما يحيط بها، فأشار إليها أحد الخدم بالتقاط تلك الكومة الصغيرة من بقايا الخيوط المختلفة، فهي على قلة أهميتها خيرٌ من فراغ اليد، فتناولتها المرأة ومضت.

وعندما جاء وقت المسابقة، عرض العارضون أنسجتهم وكلٌّ واثق بالتفوق، وعرضت المرأة نسيجها وهي خجلى، فكان هذا النسيج الصغير فائزًا بالجائزة؛ لأن كلًّا من الآخرين اتكل على نفاسة الخيوط بين يديه، أما هي فأجهدت نفسها في الابتكار والإبداع لعلمها بضآلة الخيوط، فكان فقرها سببًا في تفوُّقها وفي إيجاد طراز جديد من النسيج في بلادها.

***

أما الآن وقد قصصت عليكم حكايتي فقد انتهت مهمتي في هذا المساء، وعلى ذلك أستأذنكم في الانصراف شاكرةً لكم عطفكم وحسن إصغائكم، راجيةً أن تحتفظوا بكلمة واحدة تذكارًا مني، وهذه الكلمة هي: لا يأس مع الحياة!

إن العالم اليوم في حاجة إلى ذوي الثروات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، ولكنه أحوج ما يكون إلى أولئك العبقريين الأبطال الذين يستخرجون الكثير من القليل والنفيس من الضئيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.