كتب الأستاذ محمود عزمي مقالًا اقترح فيه أن تطلق كلمة العروبة بفتح العين على الجامعة العربية.

قال الأستاذ: «وقد وفقت مع رهط أصدقائي اللبنانيين وأنا أصطاف معهم إلى تعريف لفكرة التعاون المستند إلى مدرك الأميريكية الشاملة — في نظام جامعة الأمم الأميريكية — بلفظ واحد يدل أبلغ الدلالة على جامعة الأمم العربية التي يصح أن يعبر عنها باللغات الأجنبية بكلمة Pan-Arab، وهو لفظ العَروبة بفتح العين لا بضمها، وقد وردت في القواميس وفي المدونات، على أن من معانيها العرب مجتمعين في مواسمهم، كما ورد أن يوم الجمعة كان يسمى يوم العَروبة بالفتح قبل أن يسمى يوم الجمعة.»

وتناول هذا المقال «مشاغب» المصور فقال: «… ليسمح لنا الأستاذ أن نقفش له ولأصدقائه هذه القفشة، فقد رجعنا إلى أكبر القواميس وإلى أمهات اللغة، فلم نعثر على أن العروبة بالفتح هي العرب مجتمعين في مواسمهم حتى يصح أن تطلق على الجامعة العربية.

فقد قال صاحب لسان العرب وصاحب محيط المحيط وغيرهما إن العروبة والعروب بفتح العين هي المرأة اللاعبة الضاحكة، أو المتحببة إلى زوجها أو العاصية أو العاشقة الغاوية، وإن إطلاق العروبة بالفتح على يوم الجمعة كان قبل الإسلام، وإنه يظن أنه دخيل في اللغة. وقال صاحب اللسان: وفي حديث الجمعة أنها كانت تسمى عَروبة بالفتح، وهو اسم قديم لها، وكأنه ليس بعربي … وأشار بعد ذلك إلى أنه تغير بعد ظهور الإسلام وسمي يوم الجمعة …»

هذا هو مدار المشاغبة بين الأستاذ عزمي و«مشاغب» المصور الذي أصاب في قفشته اللغوية؛ وأحسن إذ حال بين الجامعة العربية وإطلاق كلمة العروبة عليها.

فما هي هذه العروبة؟

من هي هذه الحسناء اللعوب المتعجبة الغاوية العصية؟

من هي هذه الفاتنة التي كان يوم الجمعة يسمى باسمها في الجاهلية، ولا تزال في خصائصه أثارة من تلك التسمية حتى اليوم؟

أكبر الظن أنها هي «الزهرة» كوكب العشق والهوى واللعب والغواية، ثم كوكب يوم الجمعة الذي نسب إليه هذا اليوم في أرصاد المشارقة منذ آلاف السنين، وقد بطلت نسبته الآن في لغات المشارقة، ولم تبطل من لغات الأوروبيين الذين اقتبسوا أرصادهم من الشرق قبل ظهور المسيحية بقرون، فلا يزال الفرنسيون يطلقون على يوم الجمعة اسم فندردي Vendredi؛ أي يوم الزهرة Venus، ولا يزال الإنجليز يطلقون عليه اسم فريداي Friday؛ أي يوم فرايا، وهي مقابلة الزهرة عند أبناء الشمال الأقدمين.

والمعروف أن المشارقة فيما بين النهرين — قد سبقوا الأوروبيين إلى رصد الكواكب السيارة والثابتة، ومزجوا هذه الأرصاد بالعقائد الخرافية التي اشتمل عليها علم الفلك القديم؛ فزعموا أن الكواكب مستولية على الأيام والحوادث، مسيطرة على السعود والنحوس، وقالوا إن الشمس مستولية على يوم الأحد، وإن القمر مستولٍ على يوم الاثنين، وإن المريخ مستولٍ على يوم الثلاثاء، وإن عطارد مستولٍ على يوم الأربعاء، وإن المشتري مستولٍ على يوم الخميس، وإن الزهرة مستولية على يوم الجمعة، وإن زحل مستولٍ على يوم السبت، وإن هذه الكواكب تتداول الساعات جميعًا في هذه الأيام.

وقد بقيت هذه النسبة في أسماء الأيام الأوروبية إلى العصر الحاضر بعد أن بطلت في مصادرها الأولى.

فيوم الأحد بالإنجليزية يسمى يوم الشمس Sunday بلفظ صريح.

ويوم الاثنين يسمى يوم القمر Monday بغير تحريف كبير.

ويوم الثلاثاء يسمى يوم إله الحرب Tuesday؛ وهو تيوا عند أمم الشمال، ونسبته في اللغة الفرنسية كذلك أصرح وأظهر؛ لأنهم يدعونه Mardi؛ أي يوم مارس، وهو المريخ.

ويوم الأربعاء يسمى يوم أووين إله الفنون Wednesday، ونسبته في اللغة الفرنسية كذلك أصرح وأظهر؛ لأنهم يدعونه Mercredi؛ أي يوم مركيوري؛ وهو اسم عطارد عند جميع الأوروبيين.

ويوم الخميس يسمى بالإنجليزية يوم ثور إله الرعد والبرق والصواعق والنيران والصناعات التي تُستخدم فيها النار Thursday، ويشبه في خصائصه المشتري كما يعرفه الشرقيون.

ويوم الجمعة منسوب إلى الزهرة كما تقدم، ويوم السبت منسوب إلى زحل، وهو في الإنجليزية أصرح منه في الفرنسية Saturday؛ أي يوم «ساتيرن»؛ ومعناه زحل في تلك اللغة.

ولا شك في مرجع الزهرة خاصة إلى الأساطير المشرقية بلفظها ودلالتها.

فكلمة Venus فينس كانت تكتب باللغات الأوروبية القديمة بنث Benus، ثم صُحِّفت الباء إلى الفاء، كما يتفق كثيرًا في جميع اللغات، وصحفت الثاء إلى السين فأصبحت فينس كما تنطق اليوم، ومرجعها على ما هو ظاهر إلى كلمة بنت التي تدل في العربية وغيرها من اللغات السامية على الفتاة.

وكلمة «أشتار» التي أطلقت من قبل على الزهرة، ثم أطلقت على سائر النجوم مأخوذة من أستارو «عشثروت»؛ أي الزهرة عند الفينيقيين، ومنا الأسترلاب أو الأصطرلاب مقياس الكواكب والأفلاك.

وخصائص الزهرة في أساطير الفلك المشرقية هي بعينها خصائصها التي ثبتت لها حتى الآن في أساطير الغربيين: وهي الاستيلاء على العشق والهوى والجمال الغاوي والفتنة الخليعة، وفي رسائل إخوان الصفاء كما في غيرها من كتب الحكمة والفلك: «… من ذلك حال السعدين المشتري والزهرة؛ فإن أحدهما دليل على سعادة أبناء الدنيا وهي الزهرة، وذلك أنها إذا استولت على المواليد دلت لهم على نعيم الدنيا من الأكل والشرب والنكاح والميلاد، ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهو من السعداء فيها.»

وقد بقيت للجمعة صلة بالحب والمتعة حتى اليوم بعد نسيان كلمة العروبة التي كانت تطلق عليه في الجاهلية.

فمن هنا إذن جاء وصف العشق والهوى ليوم الجمعة في الجاهلية المنسية، ومن هنا انعقدت الجامعة بينه وبين العروبة التي هي المرأة اللعوب المتحببة العاصية الغَوِيَّة، وكل حسناء لعوب تجمع بين هذه الصفات كما جمعت بينها الزهرة ربة الفتنة والغرام عند الكلدان والفنيقيين قبل اليونان واللاتين.

ومن الحَسَن إذن أن يكون للجامعة العربية كوكب غير الزهرة في مطلعها الجديد أو طالعها الجديد.

فإن أجدر الكواكب أن يستولي على الجامعة العربية في هذا الطالع لهو كوكب عطارد الذي تنسب إليه الآداب والفنون في أقوال الشرقيين قبل الغربيين، كما قال ابن الرومي:

ونحن معاشر الشعراء ننمي

إلى نسب من الكتاب دانِ

أبونا عند نسبتنا أبوهم

عطاردٌ السماوي المكانِ

وهذا من الأدلة الكثيرة على أن الخصائص الفلكية التي تزعمها الأساطير الأوروبية لأرباب الآداب والفنون من شعر ونثر وغناء وموسيقى، قد كانت معروفة على هذه الصفة في الشرق العربي وفي الشرق كله قبل دولة الإسلام والعربية.

والرأي الصائب هنا غير بعيد من دلالة الأساطير على هذا المعنى. فإن الجامعة العربية لا يجمعها شيء كما تجمعها اللغة وآدابها ومنظومها ومنثورها وأفانين الفصاحة والتعبير فيها.

فإن الجامعة العربية قبل كل شيء هي جامعة اللغة العربية واللسان العربي بما أفاض فيه من شعر ونثر وخطابة وبيان.

وعطارد السماوي المكان هو صاحب هذه الجامعة دون غيره من كواكب السماء، وبخاصة تلك الزهرة اللعوب!

فلن تنفصم للأمة العربية جامعة ما دامت لها لغة واحدة وأدب مشترك في تلك اللغة؛ لأن هذا الأدب هو الميراث الذي يربطها بأسرة واحدة، ولا يقع النزاع عليه كما يقع النزاع كثيرًا على ميراث المال والحطام، بل هو أبدًا مجلبة الوفاق وموزع الحصص بمقدار ما يتناول منها المتناوِل في غير ضرار ولا شقاق.

أما الوحدة العربية من وجهة السياسة فلها ضمان واحد يتقدم على كل ضمان؛ وهو حرية كل أمة عربية في الحكم، وحرية كل أمة عربية في الاختيار، وحرية كل أمة عربية في معاملة الأمم الأخرى.

فإذا قامت الوحدة على هذين الأساسين: أساس الأدب وأساس الاستقلال، فكل ما وراء ذلك فهو تفصيل يطويه الإجمال، وهو بأية حال مسألة رسوم وأشكال، ولا يُبالِي العربي في قطر من أقطار العروبة ماذا يكون الرسم، أو ماذا يكون الشكل إذا سلمت له اللغة وآدابها، وسلمت له الحرية وحقوقها.

ولكل عربي أن يقول يومئذ في سائر العرب: «أبونا عند نسبتنا أبوهم.» إذا كان عطارد هو رمز الأدب والفصاحة والبيان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.