نَشَرَتِ الصحفُ أن لجنة من لجان مجلس الفنون والآداب تنظر في اختيار الوسيلة الملائمة لنقل المأثور من شعر اللغات الأوروبية إلى اللغة العربية.

فكتب إلينا الأديب «محمد بشير» يسألنا رَأْيَنا فيمَن ينكرون ترجمة الشعر من لُغةٍ إلى لُغةٍ، ويُلَخِّص كلامًا كَتبه الأستاذ «عبد المنعم مراد» لم نطَّلِعْ عليه في حينه، ولكنه يتلخص في استنكار الترجمة؛ لأن الشعر يَفْقِد كثيرًا بترجمته نثرًا، ويتعذَّر على المترجمين أن يحافظوا على مَعَانِيه إذا ترجموه نَظْمًا.

ثم جاءنا خطاب من الأديب «حسين نمر» يتساءل معترضًا: لماذا نحرص على الترجمة من اللغات الأوروبية إلى لُغتنا ولا نحرص مثل هذا الحرص على الترجمة من لُغتنا إلى اللغات الأوروبية؟ أليس من الواجب أن يعرف الأجانب فضلنا كما نعرف فضلهم؟ أليست لنا مصلحة أدبية في نشر الثقافة العربية تضارع مصلحتنا في اقتباس الثقافة من الأمم الأجنبية؟

***

أمَّا ترجمة الشِّعر فهي لا تمتنع بسبب من الأسباب التي ذكرها الأديب «بشير» تلخيصًا من مقال الأستاذ عبد المنعم مراد، ولا حاجة بنا إلى حُجَّة تعزز هذا الرأي أكثر من حُجَّة الواقع؛ فإن ترجمة الشعر لم تمتنع قط في أمة من أمم الحضارة والثقافة، وليس في أمة من الأمم الأوروبية اليوم غير آحاد معدودين يطَّلِعون على الشعر اليوناني أو الشعر اللاتيني في اللغتين اليونانية واللاتينية، ولكن المطلعين عليه مترجمًا يُعَدُّون بالألوف، بل يُوجَد اليوم في اليونان والطليان المحدثين من يقرأ شِعْرَ أسلافه مترجمًا إلى الإنجليزية أو الفرنسية ولا يُحْسِن قراءته بِلُغة أولئك الأسلاف.

ولا يزعم أحدٌ أن الأصل والترجمة يتساويان في جميع الأحوال، ولا أن الترجمة تُغْنِي القارئ عن الأصل إذا استطاع أن يطَّلِع عليه في لغته بأسلوبِ مُنْشِئِهِ ومُبْتَكِر مَعانيه؛ فإن الغالب على المُتَرْجَمات — كما قال الأستاذ مراد — أن تَفْقِد شيئًا من جمال الأصول. ويَصْدُق هذا على النثر البليغ كما يَصْدُق على الكلام المنظوم، بَلْ يَصْدُق أحيانًا على الكتابة العلمية التي لا تحتاج إلى البلاغة اللفظية أو إلى طلاوة التعبير؛ فإن الاطلاع على الكتب العلمية في لغاتها أَوْلَى من الاطلاع عليها في المترجمات.

إلا أننا نقول إن هذا هو الغالب على المترجمات، ولا نقول إنه قضاء مُبْرَم لا فكاك منه، وقاعدة مُطَّرِدة لا استثناء فيها؛ إذ يتفق لبعض المُتَرْجَمات أن تساوي أصولها أو تَفُوقها، وقد كان «جيتي» كبير شعراء الألمان وأبلغ البلغاء في عصره يُفَضِّل أن يقرأ روايته «فوست» في الترجمة الفرنسية على قراءتها بلغته التي أبدعها وارتفع فيها إلى الذروة العليا في لسان قومه، وسمعنا من يعرف الألمانية والإنجليزية يقول إنه يُفَضِّلُ قِراءة «وليام مايستر» في الترجمة الإنجليزية على قراءتها في أصلها الألماني، وعندنا نحن أبناءَ العربية في عصرنا هذا مثلٌ صادق للترجمة التي تساوي الأصل أو تَفُوقه في الواقع وحُسْن الأداء؛ فإن ترجمة صديقنا «المازني» لرباعيات الخيام تَفُوق الأصل الإنجليزي الذي نُقِلَ عنه في بعض الرباعيات، ولم يكن فيها مع ذلك تَصَرُّف مَعِيب لا يُجِيزه «فتزجرالد» لو نقل الخيام من الفارسية إلى العربية ولم ينقله من الفارسية إلى لغته الإنجليزية.

وبعد هذا يَصِحُّ أن نُقَدِّر أن الترجمة تقصر عن الأصل على الدوام، ثم لا يمنعنا ذلك أن نعتمد على الترجمة لنشر الثقافة بين الأمم وتعريف بعضها بمحاسن غيرها في بلاغة المنظوم والمنثور؛ فإننا إن لم نفعل ذلك كان البديل منه أن نجهل كل بلاغة لا نعرف لغتها، أو أن نفرض على الناس العلم بعشر لغات أو أكثر من عشر لغات على درجة واحدة من الإجادة والإتقان، ولا ريب أن الترجمة أيسر وأجدى من هذا وذاك.

وبَعْدُ، فنحن ومَنْ نعرفهم من إخواننا وزملائنا يحق لنا أن نَقِيس القرَّاء على أنفسنا. ونحن لم نطلع على أشعار الأمم في غير الترجمة الإنجليزية وقليل من الترجمة الفرنسية، ولا نحسب أن القرَّاء يَقْبَلون منا التواضع الكاذب والرياء السمج إذا قلنا إن ما عرفناه لا يستحق الجهد من القارئ العربي لمعرفة نصيب مثله كما عرفناه، ولا يُتَّهَم بالتقصير من يجعل القارئ العربي كنفسه في وسيلة التحصيل.

نُتَرْجِم الشِّعْر إذن كما ترجمه الذين مِنْ قبلنا والذين يعيشون معنا في عصرنا.

ومَن أشار بغير ذلك فهو يُشِير بجهلِ ثقافةِ الأُمم، أو يُلْزِم الناس أن يتعلموا جميع اللغات، ولا نحسبه سيُقْنِع أحدًا بإيثار رأيه على ما رآه القائلون بالترجمة من قديم وحديث.

والترجمة من العربية

أما الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأوروبية أو اللغات الأجنبية على التعميم، فهي كما قال صاحب الاقتراح «مصلحة أدبية» جديرة بالحرص عليها، وهي — بعد كل ما ترجمه المترجمون من لغتنا — لا تزال ضرورية، ولا يزال المعروف منها بين الأمم دون الكفاية بكثير لإبراز فضل الأدب العربي بين الآداب العالمية.

فالمنقول من الشعر العربي إلى سائر اللغات إما قليل ضعيف الدلالة على فضل الأدب العربي، أو مُشوَّه مُحرَّف لم يفهمه الذين ترجموه ولم يُحْسِنوا نقل ما فهموه؛ لأنهم على الأكثر من «فقهاء» اللغة أو من طائفة الحُفَّاظ والمُسَجَّلِين وليسوا من أصحاب المَلَكة الأدبية.

وإنك لتستطلع رأي المُلِمِّين بهذا القليل المنقول من شعرنا إلى لغات العالم، فيُخَيَّل إليك أنهم يشهدون له شهادة العطف أو شهادة الولع بالغرائب والمفارقات، ولو كان النقل من شعرنا القديم والحديث كافيًا لاضطر هؤلاء اضطرارًا إلى الشهادة له شهادة الإعجاب والإكبار، ولَعَلِمَ الناقد الخبير منهم أن الشعر الغنائي في لغتنا يعلو على طبقة لم تجاوزها أمة من الأمم صعدًا في عصر من العصور، ومنها ما يعلو إلى طبقة لم يدركها غير الأقل الأقل من المُجِيدين.

ولا نعني بالشعر الغنائي ما يُوضَع للغناء خاصة أو يتقدَّم فيه التلحين على غيره من الأغراض، ولكننا نعني به ما يقابل عند الإفرنج كلمة الشعر الليريكي Lyric من الغزل والوصف والحكمة الحية والوجدانيات على الإجمال.

ففي هذا الشعر في لغة العرب آيات قليلة النظائر بين المأثور عن أعظم الشعراء الغربيين المتقدمين أو المتأخرين، ولا سيما المنظوم منه في باب التشبيه والمَثَل السائر وجوامع الكلم من صميم الحياة، وقد تمثل بعض النقدة الغربيين بما يعدونه من معجزات التشبيه في وصف «دانتي» لمناظر الفردوس والأعراف والجحيم، وإنك لتقارن بين هذه المعجزات وبين التشبيهات المطروقة عندنا في وصف ابن الرومي، أو البحتري، أو امرئ القيس فلا ترتفع بها إلى مرتقى أرفع من تمرينات الأطفال!

***

وبهذه الذخيرة عندنا لا ينبغي لنا أن نَقْنَع بمنزلة المَدِين في مبادلات النفائس الشعرية دون منزلة الند القرين الذي يُعْطي كما يأخذ ويُعِير كما يستعير.

ولا يفوتنا في هذا السياق أن نذكر أن الغربيين يتعصَّبون على لغة العرب لسبب غير سبب العقيدة الدينية، وأنهم يتقبلون من الأمم الشرقية ما لا يتقبلونه من الأمة العربية؛ لأنهم يشعرون بحصة من الفخر في أدب فارس والهند وما جاورهما من البلاد التي تتكلم بفرع من فروع اللغة الهندية الجرمانية على اعتبارها جذرًا واحدًا تفرعت عليه لغات اللاتين والسكسون والهنود والإيرانيين.

وقد أَلِفَ الغربيون أن ينظروا إلى لغات المغول كأنها لهجات أوروبية من لهجات شعوب السلاف الذين سكنوا نِصْف القارة إلى المشرق، فلا غرابة بين ينابيع اللغة في الهند وفارس وتخوم المشرق والمغرب كالغرابة بين لغة الضاد وسائر لغات الغربيين، وهذا عدا المنافسة بين الحضارتين منذ عِدَّة قرون أوشكت فيها حضارة العرب أن تبتلع حضارة الأمم الأوروبية وما توارثته من حضارة الرومان والإغريق.

فالغربيون لا يُرحِّبون بذخائر الشعر العربي كما يُرحِّبون بما يماثلها أو بما دونها من ذخائر الشرقيين، ولا يَفُوتنا هذا ونحن نتحدث عن نقل الشعر من لغة العرب إلى لغات الغربيين، ولكننا — مع هذا — نعرف من سوابق الترجمة أن الجيِّد من الأدب في لغة الضاد يشق طريقه بين جميع هذه الصعاب ويسترعي إليه التفات القرَّاء حيثما اطلعوا عليه.

وقد ترجم الأديب اللبناني «أمين الريحاني» طرفًا من لُزوميات المعري باسم رباعيات أبي العلاء، فاشتهر بها واستطاع بهذه الشهرة أن يعيش من عمله الأدبي بين مزدحم الأقلام في اللغة الإنجليزية، ولولا أن فلسفة المعري لا توافق روح العصر كما وافقته الأبيقورية «الخيامية» لراجت رباعيات أبي العلاء كما راجت رباعيات الخيام.

إننا لنؤيِّد الأديب الذي يرى أن الحرص على نقل الشعر العربي إلى اللغات الأخرى مطلوب منا كالحرص على نقل الشعر الأوروبي أو نقل الشعر من كل لسان يشتمل على روائع البلاغة والبيان.

ولا اختلاف في وجوب الغيرة على هذين المطلبين اللازمين، وإنما الاختلاف في القدرة والوسيلة بين ترجمة نملك قدرتها ووسيلتها، وترجمة تتوقف على قُرَّاء غير قرائنا، وعلى أدوات نشر غير أدوات النشر في بلادنا.

وحيَّا اللهُ مَنْ يُقْدِم على هذا الواجب ويملك من قدرته ووسيلته ما يُذلِّل صعابه بين قرَّاء اللغات الأجنبية، فليس في الشرق العربي من يأبى عليه عمله أو يحجم عن معونة يَقْدِر عليها.

ولْنَقُلْ في النهاية كما قلنا في البداية إننا مُطالَبون بالترجمة كما ترجم الذين من قبلنا، وإننا اليوم وغدًا مسئولون أن نترجم كما ترجموا ويترجمون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.