أفسحَتْ لي «نهضة السيدات» هذا المكان في مجلتنا الجديدة، فحبًّا وكرامة، ولكني لا أريد أن أقول سوى كلمة صغيرة مخلصة، «نهضة السيدات» إحدى الجمعيات النسائية الثلاث في القاهرة، وقد أدت إلى تكوينها الحركة النسائية الحاضرة، فما المراد من هذه الحركة، وما هي الغاية التي ترمي إليها؟

هل المراد منها أن تشغل السيدات الشوارع بصفوفهن المتظاهرات، وأن يملأن الجو بأصواتهن الهاتفات، أم هو رصُّ احتجاجاتهن في أعمدة الصحف كلَّما تكلم في قُطرٍ متكلمٌ أو صمت في صقعٍ خطيبٌ؟

لقد مرَّ على هذه البلاد يوم تحتَّم فيه أن ترفع المرأة صوتها لا لتُثبِتَ كفاءتها السياسية، فإن كفاءة الشرقيات — لا أقول السياسية بل الاجتماعية — ما زالت في دورها الأوليِّ، بل لنشهد العالم على أنها والرجل سواء في الرغبات الوطنية والمطالب القومية، وأنها لا تأبى السفور ولا تخاف الخطر في سبيل حرية بلادها، فقوبلت جرأتها وحماسها بالثناء والإعجاب، أُعجِبَ الرجل بها، وأثنى عليها لا لسروره بتلك المظاهرات من حيث هي مظاهرات فقط، بل لأنها أنبأته بوجود استعداد للرقي، شعر بأن أخته المصرية التي كان يظنُّها جامدة هامدة لا تهزها العواطف الكبيرة ولا يصل إليها حد المسائل العامة، قد أبطلت زعمه دفعة واحدة وأرتْهُ مثالًا صغيرًا من الكثير الذي تقدر عليه.

أقول «مثالًا صغيرًا» لأن المظاهرات والهتاف أسهل الأشياء لا سيما وأن العدوى العصبية تسري بسرعة من فرد ومن جماعة إلى جماعة، فيبكي المرء إذ يبصر الجمهور باكيًا، ويضحك عندما يخاله ضاحكًا، ويصيح ما دام الصياح محيطًا به.

أما الشيء الكثير تقدر عليه المرأة وأصبح القيام به مجتمعًا عليها بعد أن اتجهت نحوها الأنظار فهو العودة إلى المنزل، مملكتها، والاهتمام بتربية نفسها وتربية ذويها لتصير أهلًا للاسمين الجميلين اللذين حملتهما إلى اليوم دون أن تدرك ما يخولان من حق وما يقتضيان من واجب، اسمَيْ زوجة وأُمٍّ، يتحتَّم عليها أن تعود سيدة لا عبدة إلى المنزل مستودع قوي الأمة ومهبط سعادتها، وأن تخفت صوتها حتى يصل إلى قراره الطبيعي، قرار العطف والعذوبة والمحبة، ما أهنأ الحياة المنزلية على مقربة من أُمٍّ مُدبِّرة حصينة وزوجة أمينة صادقة! هناك يتفهم أفراد الأمة معنى عظمة ينشدونها ويتربون على استقلال شغفوا بمظاهره.

ليس الرقيُّ قائمًا بقول الجماعة «أدينا ارتقينا»، بل هو عمل حيوي طويل عَسِر، ولا الحرية الحقيقة في الحرية السياسية، فقد تكون الأمة حُرَّةً سياسيًّا وعبدةً في أخلاقها وميولها، وإنما الحرية الفُضْلى حرية النفس، والاستقلال الأمثل استقلال الفكر، هما البذرة التي تزرعها يد الأم في قلب ذويها يوم تكون يدها حقيقة برعاية ذلك الزرع الجليل.

هذا هو «الكثير» المنتظر، ولا أتحاشى القول إن البلاد قد تستغني عن كل صنوف الاستقلال الخارجي في تطورها الحديث ولا تستغني عن عمل الأم والزوجة في البيت منشأ كل حرية ومنهل كل عظمة.

ويتبع هذا العمل العائلي الجوهري عملٌ اجتماعيٌّ عظيمٌ هو تنبيه المرأة إلى مراقبة شؤونها وإصلاحها، والاهتمام بالفقيرات لا بالإحسان إليهن، فالإحسان وسيلة من أضرِّ وسائل الفساد والانحطاط، بل بتعليمهن ما يكفل معيشتهن من مهنة وصناعة، وإفهام كل امرأة من كل طبقة وجوب إتقان عمل ما يكفيها ذُلَّ الاستعطاء عند الحاجة، وأن الشرف كل الشرف في الاتِّكال على النفس، والعار كل العار في أن يكون المرء عالة على ذويه وعلى المجتمع.

ولقد أَنِسْتُ بلقاء حضرة مُؤسِّسة «نهضة السيدات» فسمعت منها ما يَنُمُّ عن رغبة في إفادة قومها ولفت المرأة المصرية عن التظاهر الفارغ وتسييرها في سبيل الكرامة؛ فاستحقت أن يتلقى الجمهور مجلَّتها هذه بتحية طيبة متوسمًا في جمعيتها خيرًا وحسبها عاملًا من العوامل الصالحة لإنهاض المرأة والأمة جميعًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.