يقال إن خلاصة الدين المسيحي لا تحبُّ السياسة، ولا تميل إلى أن يشتغل بها من يريد أن يخلص قلبه لله، ويصفو ضميره لخدمة الدين. وأصل هذه الفكرة فيما يظهر ما نصح به الإنجيل من ترك ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. وقد يكون من الممكن أن يتمَّ التفريق بين السياسة والدين، فيفرغ للسياسة قوم وللدين آخرون، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الإنسان مهما تكنْ قوَّته، ومهما يكن حظه من صدق الإرادة، مضطر أن ينهض بطائفة من التكاليف، تختلط فيما بينها اختلاطًا شديدًا؛ فهو مضطر إلى أن ينهض بتكاليفه الدينية العادية إن كان رجلًا عاديًّا، وبتكاليفه الدينية الخاصة إن كان رجلًا قد قصر حياته وجهوده على خدمة الدين، وهو في الوقت نفسه مضطر إلى أن ينهض بتكاليف السياسة العادية. فما نعلم أن رجال الدين قد حُرِموا حقوقهم الانتخابية؛ وإذن فهم يستمتعون بها على أنهم رجال عقلاء لا يقدمون إلا عن علم، ولا يعملون إلا على بصيرة وفهم. وهم إذن مضطرون إلى أن يعرفوا أين يضعون أصواتهم الانتخابية، ولمن يمنحون تأييدهم السياسي من هؤلاء الساسة الذين يختصمون فيما بينهم ويتنازعون تدبير الأمور العامة.

فهم إذن مضطرون إلى أن يُعْنَوْا بالسياسة كما يعنون بالدين، ومن العسير عليهم أن يفرِّقوا بين أنفسهم إلى هذا الحد الغريب، فإذا اشتغلوا بالدين نسوا السياسة نسيانًا تامًّا، وإذا اشتغلوا بالسياسة جهلوا الدين جهلًا تامًّا.

هذا شيء لا سبيل إليه، ومن أجل ذلك اشتغل رجال الدين بالسياسة، واشتغل رجال السياسة بالدين، ونشأ عن هذا تعقيد في الحياة السياسية الديمقراطية، ووجدت أحزاب دينية سياسية في كثير من البلاد الأوروبية، وأصبح من الغريب حقًّا في هذه البلاد أن يقال لرجال الدين لا تشتغلوا بالسياسة، وأن يقال لرجال السياسة لا تشتغلوا بالدين. وقد حاولت بعض البلاد الديمقراطية الفصل بين الدولة والكنيسة، فوُفِّقَتْ إلى هذا، ولكنها لم تضع رجال الدين بمعزل عن السياسة، ولم تستطع أن تكفهم عن العناية بها، ومن أقبح الخطأ وأشنعه أن يظن أن الأساقفة والقسس في فرنسا لا يحفلون بالسياسة ولا يعنون بها منذ صدرت قوانين الفصل بين السياسة والدين، إنما يشتغل الأساقفة والقسس في فرنسا بالسياسة كغيرهم من الناس يؤيدون حزبًا ويخذلون حزبًا، يفوز مذهبهم في انتخاب وينهزم في انتخاب آخر، يؤثِّرون في السياسة ويتأثَّرون بها، ويقصرون جزءًا عظيمًا جدًّا من نشاطهم على هذا النحو من أنحاء الحياة العامة.

لهذا كله لم أفهم ولن أستطيع أن أفهم سخط الذين سخطوا على ذلك الأسقف الإنجليزي الذي تحدث في لندرة عن السياسة المصرية، فأنكر على مصر ما ظفرت به من الاستقلال وكره لمصر ما وصلت إليه من دستور، وتمنَّى لمصر أن تعود من الخضوع لسلطان الإنجليز إلى مثل ما كانت عليه قبل الحرب الكبرى. لم أفهم ولن أستطيع أن أفهم سخط الذين سخطوا على هذا الأسقف بحجة أنه رجل من رجال الدين لا ينبغي له أن يُعْنَى بغير الدين. فهذا كلام يقال، ويخدع به أصحاب السذاجة والقلوب الطيبة، فأما الحقيقة الواقعة، فهي أن هذا الرجل إنجليزي ينهض بتكاليفه الوطنية كما يجب أن ينهض بها كل إنجليزي، وهو قد يخطئ وقد يصيب، وهو قد يوفَّق وقد لا يوفَّق، ولكن من حقه ومن الواجب عليه أن يشارك في السياسة القومية لبلاده، فإذا كره هذا الأسقف استقلال مصر واستمتاعها بالدستور فهو لا يعدو أن يكون مستعمِرًا من المستعمِرين، وغاليًا من الغلاة في حب الاستعمار، علينا نحن أن نخاصمه ونقاومه، ونبيِّن أنه مخطئ وأنه ظالم متجاوز للحق، ولكن ليس لنا أن ننكر عليه نهوضه بالواجب، وقيامه دون رأيه السياسي، يَذُود عنه، ويبذُل في ذلك ما يملك من قوة وجهد.

على أن هناك مسألة أخرى هي التي ينبغي أن نفكر فيها تفكيرًا طويلًا دقيقًا، وأن نسأل عن جوابها سؤالًا متصلًا ملحًّا، وهي أن الإسلام لم يُوصِ بأن يترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وإنما جعل الأمر كله لله، وجعل سلطان قيصر مستمَدًّا من سلطان الشعب، وسلطان الشعب مستمَدًّا من سلطان الله. وجعل السياسة إذن أصلًا من أصول الدين، وركنًا من أركانه، ولم يُبِحْ لرجال الدين أن يُعْرِضوا عن السياسة، أو يزهدوا فيها، أو يصرفوا أنفسهم عنها، ولا سيما حين تكون العناية بالسياسة من هذه الضرورات العامة التي تمسُّ حياة الناس جميعًا ومرافقهم جميعًا. فقد نحب أن نعلم أين رجال الدين الإسلامي من السياسة، في البلاد الإسلامية الآن. أما أنهم يستمتعون بحقوقهم السياسية في مصر كغيرهم من المصريين، فينتخبون ويشتركون في أعمال البرلمان، فهذا شيء لا شك فيه، ولكن أين نشاطهم السياسي الظاهر الملموس، ولا سيما بالقياس إلى الأمور العامة التي لا تنصر حزبًا على حزب، ولا تغلب فريقًا سياسيًّا على فريق، وإنما تمس حياة المصريين جميعًا وتمسُّ موقفهم من الأجانب عامة، ومن الإنجليز خاصة؟

ما رأي رجال الدين في الامتيازات؟ وما رأيهم في المحاكم المختلطة؟ وما رأيهم في استئثار الأجانب بالخير دون المصريين وإيثار الوزارات المصرية للأجانب على المصريين؟ ثم ما رأيهم في الاستعمار الإنجليزي وفي الحركة الوطنية المصرية وفي موقف المصريين من الإنجليز؟ أَمِنْ حقِّ الإنجليز أن يسيطروا على مصر، أم من حق المصريين أن يقاوموا هذه السيطرة؟ أمن حق رجال الدين أن يقفوا من الخصومة بين المصريين والإنجليز موقف الحياد، أم من الحق عليهم أن يكونوا في مقدمة المخاصمين، وفي طليعة المطالبين بالحرية والاستقلال؟

أما في أول عهد الثورة فقد نهض رجال الدين — أو كثير من رجال الدين على الأقل — بواجباتهم الوطنية كغيرهم من المصريين، وأما الآن فإنا نبحث عن رجال الدين وعن نشاطهم في المطالبة بالاستقلال، وحثِّ الشعب على هذه المطالبة، وتأييده حين يُلِحُّ فيها، فلا نجد لهم أثرًا. ومع ذلك فهذا أسقف من أساقفة الإنجليز يُنْفِق حياته في الدعوة للمسيحية في مصر، وهو يشتغل بالسياسة المصرية الإنجليزية، لا يدافع عن استقلال إنجلترا فهو في غير حاجة إلى هذا الدفاع، وإنما يغلو في تأييد الاستعمار الإنجليزي. فما رأي الشيخ الأكبر وأصحابه العلماء إذا قال لهم المسلمون: إن أساقفة الإنجليز يتضافرون على باطل سياسي، فما بال علماء الإسلام لا يتعاونون على حق سياسي؟!

إن المصريين الذين يلومون أساقفة الإنجليز والمبشرين الأمريكيين على عنايتهم بالسياسة واندفاعهم فيها، خليقون أن يلوموا علماء الإسلام على تخاذلهم عن السياسة، وتكاسلهم عن النهوض بحقها، وركونهم إلى هذا الحياد الذي لا يشرف أصحابه، ونحب أن نعيد لعلماء الإسلام أننا لا نطلب إليهم سياسة حزبية الآن ولا تأييدًا لفريق من المصريين على فريق، وإنما نطلب إليهم أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وقيامًا دون الاستقلال، ودعاءً إلى الحرية، ومقاومة للاستعمار.

وكم نحب أن نسجل غدًا أو بعد غد أنهم يتعاونون على هذا الحق كما يتعاون أساقفة الإنجليز على ذلك الباطل. ولكن كثيرًا من الأحلام يمضي مع الليل، وأكبر الظن أن حلمنا هذا لا يستطيع مواجهة النهار، فالشيوخ في شغل عن الاستقلال والاستعمار، بما هو آثر عندهم وأحق بعنايتهم من الاستقلال والاستعمار!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.