الذين يستمدون التاريخ من الذاكرة، يخطئون عمدًا أو سهوًا، ويتذكرون لغيرهم أحيانًا ما لا يتذكرونه لأنفسهم. وما أكثر المحاباة من الذاكرة إذا هي احتفظت مع ذكرى الوقائع بذكريات الخصومة وسوء الفهم والتردد بين الحاضر والماضي بقلبين ولسانين وتاريخين!

تاريخنا الحديث بحاجة إلى إعادة كتابة وتحرير.

ولعله بحاجة أشد من ذلك إلى إعادة تذكر وفهم …

لأن الذين يستمدونه من الذاكرة يخطئون عمدًا أو سهوًا، ويتذكرون لغيرهم أحيانًا ما لا يتذكرونه لأنفسهم. وما أكثر المحاباة من الذاكرة إذا هي احتفظت مع ذكرى الوقائع بذكريات الخصومة وسوء الفهم والتردد بين الحاضر والماضي بقلبين ولسانين وتاريخين!

ومنذ أواسط القرن الحاضر تنشر الصحف والكتب أخبار العشرات من الحوادث القريبة في حقبة تعيها ذاكرة الأحياء، فكل ما حققناه من أمر هذه الحوادث المروية أنها بين اثنتين: إما حادثة مختلفة مختلقة، وإما حادثة صحيحة محققة، ولكنها تنفصل عن ظروفها وملابساتها عند الكتابة عنها؛ فلا تُفْهَم على جليتها، ولا تسهل التفرقة بين الصادق منها وبين المكذوب، أو بين ما يصدر عن نية حسنة وما يصدر عن نية مدخولة، لا سبيل إلى التعويل عليها مع الشك فيها.

ومصدر العزاء في هذه المحنة أن ظواهر الاختلاف والاختلاق في معظم هذه الروايات مكشوفة للعين الفاحصة التي تعودت أن تلمح مواضع الشبهات من طيات السطور، فما من أكذوبة مدخولة النية تخفى على طالب المعرفة الواقعة إذا خطر له أن يلتفت إليها.

ويصدق ما تقدم كله على أهم الأخبار كما يصدق على أهم الرواة، ونعني بأهم الرواة أولئك الذين اشتركوا في الحوادث بأنفسهم وشاهدوا المحدثين لها بأعينهم، واشتهرت لهم مكانة يحق للقارئ أن يختصها بشيء من الثقة لا يختص به سواها.

وإن الأمثلة على ذلك لقريبة لا تبتعد بنا وراء بضعة أشهر أو بضعة أسابيع، ومنها مسألة من المسائل «الأساسية» في ثورة ١٩١٩، هي مسألة تكوين الوفد المصري والأساس الذي قامت عليه، وليس الراوي لها غير واحد من الخمسة الأوائل الذين هم نواة الوفد المصري في مبدأ تكوينه، وهم: سعد زغلول، وعلي شعراوي، ومحمد محمود، ولطفي السيد، وعبد العزيز فهمي، الذي سُئِل فيما بعد عن سبب اختيار سعد زغلول للرئاسة، فقال إنها على ما يرجح مسألة السن! … وسُئِل عن أسباب اختصاص سعد وشعراوي وعبد العزيز فهمي بالانتداب لمقابلة المعتمد البريطاني في يوم ١٣ نوفمبر سنة ١٩١٨، فقال إنها قد تكون من مسائل المصادفة … وإلا فإن لطفي السيد قد كان أقدر على البيان والإقناع من كثيرين …!

وإن هذا ليصدر من عبد العزيز فهمي لما بقي في نفسه من التغيُّر الشديد على سعد زغلول بعد انشقاق الوفد على نفسه، مع أن مقارنة السن لا تخفى عليه، واقتصار المندوبين لمقابلة السير ريجنالد ونجت على ثلاثة من الخمسة الأوائل لم يكن من فعل المصادفة، ولم يكن مجهول السبب عند أناس لم يشتركوا في الوفد كله، ولا في اللجنة التي اختيرت منه لمقابلة ونجت في دار الحماية.

فالوفد كان حريصًا على تحقيق الصبغة الرسمية في وكالته عن الأمة على نحو لا تستطيع الحكومة البريطانية أن تنكره أو تغالط فيه، وكان سعد زغلول هو وكيل الجمعية التشريعية بالانتخاب لا بالتعيين، ولم يكن لطفي السيد ولا محمد محمود من أعضاء تلك الجمعية، فتقرر الاكتفاء بزميليهما العضوين فيها … ولُوحِظ إلى جانب ذلك أن أحدهما من الوجه البحري والآخر من الوجه القبلي، وأن أحدهما يمثل المثقفين والآخر يمثل الأعيان.

ولقد حدث ما حدث من وصف هذه الحادثة «الأساسية» في تاريخ ثورة سنة ١٩١٩ مع وضوح الحقيقة فيها وسهولة الاستدلال عليها لمن شاء، وسهولة الاستدلال على بطلان الاختلاف فيها بعد أيسر نظرة … فكيف بالأخبار المطوية بين ألفاف الأوراق، أو طوايا النيات؟!

وكل ما يُنشَر اليوم حول مذكرات سعد زغلول، فمن شأنه أن يؤكد هذه الحقيقة عن حاجتنا في كتابة التاريخ المعاصر إلى أقلام جديدة وذاكرة جديدة … فإن مذكرات سعد تعلو على الشبهات في كل ما يُنْقَل عنها بحروفه ونصوصه، ولكنها لا تُفْهَم على جليتها ما لم يكن نشرها مصحوبًا بنشر الكثير من الحقائق التي اقترنت بها ودارت حولها. وربما كان الموعد بجلاء هذا كله طبعة معادة من كتابنا عن سعد زغلول أو جزء ثانٍ يتمم هذا الكتاب.

ولا يقل واجبنا الخاص في هذه المهمة عن واجبنا العام الذي تفرضه علينا حقوق التاريخ وحقوق الأمانة الوطنية؛ فإن معظم الحوادث التي عرض لها حضرات المؤرخين المعاصرين قد تناولت أعمالًا لنا في ميدان الصحافة، وميدان الحياة السياسية، يعجب المتعجب إذا بقيت في نفسه بقية من القدرة على العجب، كلما اطلع على صفحة من صفحات هؤلاء المؤرخين «الثقات» … وليس أسهل ولا أقرب من ملامسة الأخطاء فيها بعد نظرة عاجلة لا تحتاج إلى طويل أناة.

***

في الإسكندرية، لفَتَ نظري بعضُ الأصدقاء إلى نقائض لا تُحْصَى في كتاب صدر عن أدب المقالة الصحفية في مصر خاصًّا بالأستاذ عبد القادر حمزة في جريدتَيِ الأهالي والبلاغ، ومتممًا أجزاء أخرى يؤلفها كما جاء على الغلاف «دكتور عبد اللطيف حمزة أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة».

فالمؤلف — كما يرى القارئ — عالم يؤدي وظيفة علمية لتصحيح الحقائق في أذهان شبابنا المتعلمين، وليس هو بمخبر صحيفة مستعجل في طريقه بين الشارع والمطبعة لإدراك القراء بحادثة من الحوادث المثيرة يلهوجها على ألسنة الجناة أو المتهمين. ولا تُحْصَى أخطاء الأستاذ «المحقق» فيما نعلمه نحن علم اليقين، ويستطيع القراء أن يعلموه بيقين مثله بعد قليل من المراجعة في كل مصدر ميسور، حتى من مصادر التاريخ الحديث! ولكننا نجتزئ بمسألة واحدة من مسائل شتى لم تسلم إحداها من الغمز المستور أو التجريح الصريح.

يقول الأستاذ معلم الصحافة في الصفحة (اﻟ ٣٨٩): «إننا كنا مع الأستاذ عبد القادر حمزة نؤيد القصر الملكي.» ثم يعقب على ذلك قائلًا:

كيف نسي هذان الكاتبان كل ذلك ما لم يكن الفساد الذي تغلغل يومئذ في الحياة المصرية، وسرى داؤه الفتاك في جسم الأحزاب السياسة، والصحافة الوطنية هو الذي حملهما على سلوك هذا المسلك المتناقض كل التناقض مع ما لهما من ماضٍ صحفي مجيد؟! …

ونعود فنقول بالإيجاز إن موضع العزاء فيما يكتبه أمثال الأستاذ المؤرخ «الثبت»، أن أخطاءه أظهر من أن تحتاج في إظهارها إلى إسهاب أو استقصاء بعيد.

فالواجب على المؤرخ في دروس يلقيها على طلابه، أن يعرف أول واجبات الباحث المحقق، إذا أراد أن ينتقد كاتبًا صحفيًّا لتأييده جانبًا من جوانب الخلاف في قضية عامة، وهو أن يُفَصِّل جوانب الخلاف، ويحيط بموضوعه الذي يُحْمَد وموضوعه الذي يُعاب.

وفي وسعنا نحن أن نذكر هنا موضوع الخلاف كما يعلمه الأحياء ممَّن شهدوه، ولكننا نعفي أنفسنا من مظنة التحيز لناحيتنا، ونُحِيل الأستاذ الجامعي إلى صفحات كتاب حديث ألَّفَه مؤرخٌ معاصرٌ من أعضاء الحزب الوطني الذي ينتمي إليه أستاذ الصحافة في الجامعة، كما أنبأنا الذين نبهونا إلى كتابه، وذلك هو القانوني المشهور الأستاذ عبد الرحمن الرافعي صاحب كتاب «أعقاب الثورة المصرية»، وفي الصفحة الثالثة والخمسين منه يقول بعد شرح مفاسد الوزارة:

بدأت المظاهرات والتجمعات ضد وزارة الوفد تتدفق في المحيط الجامعي وكليات الأزهر في أواخر أكتوبر سنة ١٩٣٧ … وقد رأى مدير الجامعة حينئذ — أحمد لطفي السيد باشا — تفاديًا من تفاقم الاضطراب في محيط الجامعة تعطيلَ الدراسة في كلياتها أسبوعًا … وفي يوم الثلاثاء ٢١ ديسمبر سنة ١٩٣٧ قامت مظاهرة كبيرة أمام قصر عابدين قوامها جموع زاخرة من طلبة الجامعة وطلبة الأزهر المعارضين للوزارة، وأخذوا يهتفون بحياة الملك هتافات مدوية، وأطل عليهم جلالة الملك من شرفة القصر محييًا لهم … ووافقت لحظة قدوم المظاهرة المعارضة، مجيء مكرم عبيد وزير المالية ووزير الخارجية بالنيابة إلى السراي؛ لحضور حفلة تقديم وزيرَيِ اليونان والمجر أوراق اعتمادهما؛ فهتف المتظاهرون ضد مكرم باشا عند دخوله السراي، وحطموا زجاج سيارته، وقد نسبت الوزارةُ تدبيرَ هذه المظاهرة إلى اتفاق بين السراي والمعارضين … وفي هذه الظروف والملابسات تفاقم الخلاف بين السراي والوزارة، واتخذ شكل أزمة دستورية تناولت عدة أمور …

هذا هو الموضوع

موضوع خلاف بين الوزارة التي تشعر بتأييد السلطة الفعلية البريطانية لها بعد توقيع المعاهدة، وبين المعارضين لسلطانها الذي جاوز حدود الدستور، وليس الملك هنا إلا الصورة الرسمية التي تملك إقالة الوزارة بغير اللجوء إلى ثورة دامية، أو إلى مذبحة بين الطرفين من المتظاهرين.

فلم يكن كاتب هذه السطور نصيرًا لخطة القصر في سياسة الفساد والرجعية التي تتسم بها خطط القصور، ولكنه كان يكتب لقرائه في إبان أزمة تقف فيها الوزارة المؤيدة بالسلطة الفعلية إلى جانب، ويقف فيها الألوف من المعارضين إلى جانب آخر. وليس في أيدي هؤلاء المعارضين أن يسقطوا الوزارة بغير حرب أهلية، فماذا يكتب الكاتب الذي يتلقى دروس الصحافة من أستاذها الجامعي؟! وما هو الجانب الدستوري الذي يختاره ذلك الكاتب ويرى صاحبنا أنه جدير بماضيه المجيد؟! بل ماذا كان هو صانعًا لو وجب عليه أن يكون محررًا لصحيفة تطلع على قرائها كل يوم ولم يكن معلمًا لمن سيكتبون بعد حين؟!

إن التاريخ حَسَن الحظ في يَدَيْ هذا المؤرخ الذي يجني عليه ولا يَقْدِر على إتقان الجناية … فما من أحد يفوته أن يعلم واجب البحث على الباحث المحقق في هذا المقام؛ إذ لا يجوز لناقد أن يعيب على كاتب موقفًا من المواقف دون أن يُعْنَى بتوضيح هذا الموقف المعيب وتوضيح الموقف الحسن الذي يقابله، فإن لم يفعل بلا تأويل لعمله غير العجز عن البحث السديد أو سوء النية، وكلاهما موجب للشك في نقده إن لم يكن موجبًا للإعراض عنه، وإن تعرض للرسوب في الامتحان!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.