لم تتعقَّد شئون السياسة العالمية منذ تَمَّ تسليم ألمانيا كما تعقَّدت في هذه الأيام الأخيرة؛ فقد كانت الخصومات الدولية الكبرى وحدها تشغل الرأي العالمي العام، أما الآن فقد أضيفت إلى هذه الخصومات الدولية خصومات أخرى حزبية في السياسة الداخلية لبعض الدول الكبرى.

ولما كانت هذه الخصومات الداخلية بعيدة الأثر في السياسة الدولية نفسها، فقد اشتدَّت العناية بها، وكثر التأويل لها والاختلاف فيما يستنتج من نتائج، بحيث أصبحت السياسة الخارجية نفسها تأتي في المرتبة الثانية بعد هذه المشكلات السياسية الداخلية. وأعظم هذه المشكلات الداخلية خطرًا، مشكلة بريطانيا العظمى بالطبع؛ فلبريطانيا العظمى مركزها الممتاز في العالم كله، ولها العلاقات المعقدة بالدول الكبيرة والصغيرة وبممتلكاتها المستقلة وإمبراطوريتها الواسعة؛ فليس من الغريب أن تُعْنَى هذه الدول كلها بكل ما يحدث في بريطانيا العظمى، وبكل ما يمكن أن يكون له أثر في سياستها الخارجية وفي مسلكها نحو المستعمرات.

ومصدر هذه الخصومة الداخلية في بريطانيا العظمى طبيعي لا غرابة فيه؛ فقد حكمت بريطانيا أثناء الحرب حكمًا ائتلافيًّا يقوم على اتفاق الأحزاب التي تتباين مناهجها وبرامجها. وكان رئيس الوزراء مستر تشرشل يعتقد أن هذا الحكم الائتلافي سيستمر حتى تضع الحرب أوزارها في الشرق والغرب. ولكن الحوادث دلَّت منذ وقت غير قصير على أن هذا الائتلاف قد أَخَذَ يتصدَّع، وعلى أن الاختلاف في شئون السياسة الخارجية نفسها بين الأحزاب أعظم من أن تثبت له الوزارة الائتلافية.

ويكفي أن نذكر حوادث اليونان التي لم يبعد العهد بها بعد؛ لنتبيَّن أن الأحزاب المؤتلفة في بريطانيا العظمى لم تكن تنظر إليها نظرة واحدة، وقد كان المحافظون ينظرون إليها نظرة الرضا عن السياسة الإنجليزية في تدبيرها وتسييرها، وكان العمال ينظرون إليها نظرة السخط، وكان الأحرار ينظرون إليها نظرة قلقة مترددة. ولم ننسَ بعدُ تلك المناورات البرلمانية التي لجأ إليها العمال أثناء أزمة اليونان؛ ليحتفظوا بحريتهم في الرأي وإنكارهم لسياسة الحكومة من جهة، وليحتفظوا بالائتلاف من جهة أخرى حتى يتم الانتصار في أوروبا وتُلْقِي ألمانيا السلاح.

وقد طلب مستر تشرشل الثقة غير مرة إلى مجلس العموم بشأن سياسته في اليونان فظفر بها، ولكنه ظفر بها غير كاملة: ظفر بثقة تشبه أن تكون شكلية؛ لأن عددًا ضخمًا من النواب يوشك أن يبلغ نصف المجلس — أو أن يزيد عليه — لم يشهد التصويت؛ فظفر رئيس الوزراء بالثقة من كثرة الحاضرين، واستطاع أن يقول رسميًّا إنه مؤيد بثقة المجلس، ولكنه استطاع أن يعلم أن تأييد المجلس له ليس قويًّا ولا عميقًا ولا صالحًا للاعتماد عليه.

وكان ما حدث في مؤتمر القرم مظهرًا آخر من مظاهر التصدع في هذا الائتلاف؛ فقد سخط العمال والأحرار، وأيَّدهم الرأي العام البريطاني على إمضاء الأمر في شئون بولندا وهي نائية، ودلت الحوادث بعد ذلك على أن الساخطين لم يخطئوا؛ فهذه بولندا لا تزال في موقفها المعقد، وهي لا تشارك في الشئون العالمية، ولا تشهد مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن الروسيين يرون في شأنها رأيًا، ويرى الإنجليز والأمريكيون في شأنها رأيًا آخر، وتضيع هي بين أولئك وهؤلاء.

والواقع أن شئون السياسة الخارجية البريطانية مضت مستقيمة مرضية للعمال والمحافظين والأحرار أثناء المحنة حين كانت ألمانيا قوة تُخَاف ويُخْشَى خطرها، وحين كان الحلفاء في حاجة شديدة إلى تأييد القويِّ والضعيف في جميع أقطار الأرض، فلما انهزمت ألمانيا في إيطاليا وفرنسا، وأخذ الحلفاء يغزونها في أرضها، واستيقن الحلفاء أنهم منتصرون؛ تغير اتجاه السياسة الخارجية البريطانية شيئًا ما، وأخذ يسترد قليلًا لونَه القديم الذي كان يعتمد على انتهاز الفرص، وتقوية سلطان الإمبراطورية، وإظهار البأس البريطاني، وإشعار الأقوياء والضعفاء بأن للسلطان البريطاني قوَّة لا تحب الضعف وشدة لا تحب اللين.

وظهرت آثار هذا كله في أزمة اليونان، كما ظهر شيء من ذلك في الشرق الأدنى؛ فقد نسيت وعود كانت مبذولة، وظهرت ميول كانت حريصة على أن تستخفي، ولم يلبث هذا كله أن اصطدم بحرص الدول الأخرى العظيمة على ما تحب أن يكون لها من نفوذ وسلطان، ومنذ ذلك الوقت أحسَّ العمال أن المحافظين قد جعلوا يعودون إلى سياستهم التقليدية، فصبروا على مضض صامتين، ثم جمجموا وغمغموا منكرين، ثم جهروا بالخلاف، وصرَّحوا بالإنكار، وعرضوا الائتلاف للخطر.

فإذا أضفت إلى هذا أن السياسة الداخلية في بريطانيا العظمى قد سلكت نفس السبيل التي سلكتها السياسة الخارجية؛ لم تنكر مسلك العمال، فقد مضى المحافظون مع حلفائهم العمال في الحرب إلى أبعد مدًى، ودعاهم ذلك إلى أن يبسطوا سلطان الدولة على كل شيء، ويبسطوه في قوة لا تعرف هوادة ولا تراخيًا، حتى كان كثير من الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى تسعى إلى الاشتراكية سعيًا سريعًا. ولكن الأستاذ بيفردج لم يكد يعلن تقريره المشهور، حتى أحسَّ المحافظون أن هناك خطرًا يحسن الاحتياط له والاستعداد لمقاومته، وإذا تقرير الأستاذ بيفردج يؤجل إلى حين، وإذا الحديث يستأنف من حق الأفراد والهيئات في أن يمكنوا شخصياتهم من العمل والابتكار والإنتاج.

وإذن فقد جعل المحافظون يستردون شيئًا عن حريتهم، ويعودون إلى سياستهم التقليدية التي تُؤْثِر التطور البطيء، فضلًا عن الثورة في كل ما يتصل بالنظم الاجتماعية والاقتصادية، وليس العمال غافلين ولا ذاهلين؛ فهم قد لاحظوا هذا التغير في سياسة المحافظين في السياسة الداخلية كما لاحظوه في السياسة الخارجية، وهم قد احتملوا الائتلاف كارهين منذ وقت طويل، حتى إذا انتهت الحرب في أوروبا قرروا أن يستردُّوا حريتهم، واستردوها بالفعل، ولكنهم ضحوا في سبيل هذه الحرية بشيء غير قليل مما كانوا يعتمدون عليه ليظفروا بالفوز في الانتخاب؛ فقد كانوا يريدون أن يخوضوا معركة انتخابية طويلة هادئة يدعون فيها لآرائهم بعد أن تطمئنَّ القلوب في الصدور، ويُفِيق الشعب البريطاني من نشوة النصر، ويستطيع أن يحكم على الأشياء في هدوء وأناة، ويعود كثير من الجنود المحاربين إلى أرض الوطن، فيسمعوا من الناس ويقولوا لهم، ويقضي الشعب في مصيره عن روية وبصيرة.

ولكن مستر تشرشل لم يمهلهم، ولم يُتِحْ لهم هذه المعركة الهادئة الطويلة، وإنما خيَّرهم بين الائتلاف إلى أن تستسلم اليابان، والانتخاب في أوائل يوليو المقبل؛ فقبلوا التحدي كارهين، ووصفوا خطة المستر تشرشل بأنها خطة مخجلة، وحملوه تبعتها، وبدءوا دعوتهم الانتخابية منذ يوم الثلاثاء.

والعالم ينتظر نتيجة هذه المعركة التي تدور الآن بين هذه الأحزاب الثلاثة، وينتظر ما سيكون لهذه المعركة من أثر في السياسة الخارجية، وفي الصلات بين بريطانيا العظمى وبين الدول الكبرى من جهة وبينها وبين الدول الصغيرة من جهة أخرى. وأيسر ما ينبغي أن يقال للمصريين خاصة وللشرق العربي عامة هو أن الشعوب المستقلة الكريمة يجب أن تعتمد على نفسها قبل كل شيء، وألا تعتمد على تحول سياسي يحدث هنا أو هناك، ويجب في الوقت نفسه ألا تهمل هذا التحول السياسي، وأن تحسب له حسابه، وتستعد للانتفاع به إن كان نافعًا، والاحتياط له إن كان مخيفًا.

على أن الأزمة الديمقراطية الداخلية ليست مقصورة على بريطانيا العظمى وحدها؛ فقد يظهر أن في فرنسا شيئًا يشبه أن يكون أزمة ديمقراطية، فقد دلت الانتخابات البلدية على أن فرنسا تتجه اتجاهًا شديدًا نحو اليسار، وكل شيء يدل على أن في الشعب الفرنسي شيئًا غير قليل من القلق حين ينظر إلى مستقبله القريب وإلى تنظيم أمره الداخلي. وقد خطب ليون بلوم رئيس الحزب الاشتراكي خطبته الأخيرة، فدلَّ على أن الأمور لا تجري في فرنسا على نحو يدعو إلى الرضا والاطمئنان. وأخص ما يلفت النظر في خطبة ليون بلوم قوله: «إن أداء خدمة الوطن مهما تعظم لا يُكسِب صاحبه حقًّا في البلاد الديمقراطية، وإنما يكسبه الحق في البلاد الدكتاتورية؛ لأن أداء الخدمة إلى الوطن الديمقراطي واجب على المواطنين جميعًا تقتضيه طبيعة الأشياء.»

وواضح ما في هذا الكلام من التعريض، وقوله كذلك: إن فرنسا يجب أن تصل إلى عظمتها من طريق الاتحاد بين المواطنين، والتعاون على تحقيق العدالة الاجتماعية في الحياة الداخلية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الدول؛ فلا يظلم القوي الضعيف، ولا يستأثر صاحب البأس بالأمر دون من لا حظَّ له من قوة أو بأس. وهذا البرنامج على إيجازه إن صور شيئًا فإنما يصور المثل الأعلى للعدل الداخلي والخارجي جميعًا، ولكن المثل الأعلى شيء والحياة الواقعة شيء آخر.

فأنت ترى أن مشكلات السياسة الداخلية قد كادت تسيطر في هذه الأيام على مشكلات السياسة الخارجية، ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيب؟ ولكن أشعر بأن بعض المشكلات الأوروبية الحادة قد أخذت تتخفَّف من حدتها شيئًا ما؛ فمشكلة تريستا توشك أن تنتهي إلى حلٍّ يُرْضِي الحلفاء من جهة واليوغوسلافيين من جهة أخرى، وما أظن أن الأيام القليلة المقبلة ستنقضي دون أن يعلن أن الاتفاق تام موقوت بين أولئك وهؤلاء.

وكانت هناك مشكلة الحكم في ألمانيا، وكانت موسكو ساخطة أشدَّ السخط لبقاء حكومة ألمانية برياسة الأميرال دونتز، فقد حلت هذه المشكلة بإلغاء هذه الحكومة واعتقال أعضائها جميعًا. أما المشكلة البولندية فمرجأة إلى أن تستأنف فيها المفاوضات، فهل تُسْتَأنَفُ هذه المفاوضات مع الحكومة البريطانية المؤقتة التي يؤلِّفها المستر تشرشل الآن؟ أم هل تستأنف مع الحكومة التي ستنتجها الانتخابات؟ والشيء الواضح هو أن بولندا لن تشارك في مؤتمر سان فرانسيسكو، ولكن الشيء الواضح أيضًا هو أن مؤتمر سان فرانسيسكو قد أصبح شيئًا في المرتبة الثانية أو الثالثة، وفقد كثيرًا جدًّا من خطورته، ولن تفقد بولندا شيئًا كثيرًا لأنها لم تشترك فيه. ومن يدري لعلها سترضى في يوم من الأيام عن هذه الظروف القاسية التي حالت بينها وبين الاشتراك فيه؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.