وأنا جالس إلى مكتبي أطبع هذه الكلمات، أنشر البكتيريا في بيتي؛ فألمس المكتب ومفتاح الإنارة وقدح القهوة، والميكروبات الموجودة على يدي الآن تُغَطِّي هذه الأشياء. أسير على الأرض فأترك الميكروبات هناك أيضًا وأنا لا أُلْقِي بالًا لذلك. وأحكُّ رأسي، فأُطلق سحابةً من الميكروبات في الهواء. أنت تفعل ذلك أيضًا. جميعنا نفعله. إننا باستمرار نترك توقيعنا بأجزاء مجهرية منَّا في الأماكن المحيطة بنا.

تُؤْوِي أجسادُنا تريليوناتٍ من الميكروبات، والتي يَفُوقُ عددها عدد خلايانا بما لا يقلُّ عن ثلاثة أمثال. وهذه الميكروبات والجينات التي تحتويها معروفة جميعًا باسم الميكروبيوم؛ وهي تؤثِّر على حياتنا وصحتنا وعقولنا وأكثر من ذلك، لكن الميكروبيوم لا يقبع على جلدنا فحسب؛ بل يمتدُّ إلى العالم من حولنا.

يقول جاك جيلبرت من جامعة شيكاجو: «يوجد هذا الاتصال المستمرُّ من جسمك إلى البيئة المحيطة؛ فأنت تطلق سَيْلًا من الميكروبات إلى ما حولك. وهذا أول شيء سيتفاعل أي شخص معك من خلاله.»

كان جيلبرت يدرس هذا الكيانَ الممتدَّ من خلال «مشروع ميكروبيوم المنزل»؛ وهو مبادرة لتحديد الطبيعة الميكروبية لبيوتنا. وصدرت النتائج الأولى حديثًا، وهي توضِّح مدى سرعة استعمار الميكروبات لدينا للمساحات من حولنا، كما تُبَيِّن أيضًا أن هذه الآثار يمكن استخدامها كأدوات في الطبِّ الشرعي؛ لإظهار إن كنا مَكَثْنَا في مكان معين ومنذ متى غادرناه.

تقول جيسيكا جرين من جامعة ولاية أوريجون: «تساهم هذه الدراسة مساهمةً عظيمةً في مجموعة الأدلة المتزايدة على أننا مرتبطون ارتباطًا وثيقًا ببيوتنا بطرق لا نستطيع أن نراها؛ من خلال ميكروباتنا. وتتمثَّل الخطوة التالية في فهم الكيفية التي نصمم ونعتني من خلالها بالأماكن التي نعيش ونعمل ونلهو فيها من أجل إنشاء أنظمة ميكروبية صحية.»

استعان الفريق — الذي يضمُّ سايمون لاكس ودانيال سميث — بسبع عائلات أمريكية متنوعة عرقيًّا عبر تويتر وغيره من شبكات التواصل الاجتماعية. كان هدفهم هو التنوع؛ فكان يوجد زوجان شابان، وزوجان شابان مع مستأجر يقيم معهما، وشخص يعيش وحيدًا، وأسرة مكونة من ثلاثة أشخاص، وأسرة مكونة من أربعة أشخاص (أسرة جيلبرت) وهكذا. وكان بعضهم يمتلك حيوانات أليفة، والبعض الآخر لم يكن يمتلك حيوانات.

دَرَّبَ الفريق أفرادَ هذه الأسر على جمع الميكروبات من منازلهم كلَّ يوم لمدة «ستة أسابيع». فجمعوا عيناتٍ من أرضيات المطبخ، وغرف النوم، ومفاتيح الإنارة، ومقابض الأبواب، وأيديهم وأقدامهم وأنوفهم. وأرسل الفريق لكل عائلة مجموعة أدواتِ أَخْذِ عيناتٍ، ودفترَ يومياتٍ، ومُجمِّدةً صندوقيةً لتخزين العينات الخاصة بهم. ويقول جيلبرت: «هناك من ينزعج من مشاركة العامة في العلم، ولكن هذه الدراسة أظهرت أن الجميع كانوا ماهرين في اتِّبَاع التعليمات.»

عندما حلل الباحثون البيانات، سرعان ما اتَّضَحَ أن كلَّ منزل يحتوي على ميكروبيوم مميز، والذي يأتي — بدرجة كبيرة — من الأشخاص الذين يعيشون فيه: فتبدو مفاتيح الإنارة ومقابض الأبواب مثل اليدين، وتتشابه الأرضية مع الأقدام، وتتشابه طاولة المطبخ مع الجلد. فنحن نحوِّل المنازل إلى انعكاسات ميكروبية لنا.

هذا يحدث «بسرعة»؛ فبمجرَّد أن ننتقل إلى مكان ما، فإننا نُدخل الميكروبات فيه، وتَستَعمِر تلك الجراثيمُ المنطقةَ خلال ٢٤ ساعة. وأظهر أحد الزوجين الشابين هذا على أوضح نحوٍ؛ ففي بداية الدراسة كانا يقيمان في فندق، وبعد أن انتقلا كان منزلهما الجديد مُطابِقًا لغرفة الفندق فيما يخصُّ الميكروبات. ويقول جيلبرت: «يقول الناس دائمًا: «يا للقرف! كان شخص آخر في هذه الغرفة وتنتشر ميكروباته في جميع أرجائها.» وهذا في غير محله.» فأنت باستمرار تستبدل ميكروباتك بالميكروبات الموجودة في العالم من حولك. وعندما تنتقل من بيتك ينتقل معك محيطك الميكروبيُّ أيضًا.

استطاع الفريق أن يكتشف اتجاهات هذه الميكروبات المتدفقة؛ لأنهم جمعوا الكثير جدًّا من العينات على مدى فترة زمنية طويلة. واستطاعوا إظهار أن البكتيريا الموجودة على يد أحدهم ظهرت في وقت لاحق على طاولة المطبخ، ثم على يد شخص آخر.

هذا التدفق غالبًا ما يكون في اتجاه واحد. فَكِّرْ فيه على أنه يُشبِه الخاصية الأسموزية؛ فالبيئة تحتوي على ميكروبات، ولكنها قِفَار قاحلة مقارَنَةً بالمدينة المزدحمة التي يمثِّلها جسمك. وما لم يُقضَ على البكتيريا الخاصة بك — مثلًا من خلال المضادات الحيوية — فنادرًا ما «تلتقط» أنت ميكروباتٍ من العالم المحيط بك. ويقول جيلبرت: «ما لم يكن لديك حالة تَقمعُ الميكروبات في جسمك، فإنها سوف تمحو الميكروبات لدى أي شخص آخر في وقت قصير جدًّا. ولدينا دراسة جديدة تُبَيِّنُ أن هذا الأمر يَحْدُثُ في حالة المراحيض العامة في أقلِّ من ساعتين.»

وهذا أيضًا يعود إلى أن معظم الميكروبات الموجودة في منزلك ميِّتة أو خاملة. فلا يوجد لديها سوى القليل للغاية من الماء أو التغذية. وهي في الغالب تَقْبَعُ هناك دون القيام بأي شيء، وعندما تلمس أنت شيئًا ما؛ فإنك فجأة تُضِيفُ ملايينَ — وربما ملياراتٍ — من الميكروبات الحية النشطة. وينمو هؤلاء السُّكَّانُ الجدد سريعًا جدًّا؛ لأنك زَوَّدْتَهُمْ أيضًا بالماء والزيوت والمواد المغذية الأخرى من جلدك، فتُطِيح بالميكروبات القديمة.

وهذه الميكروبات التي نُخَلِّفُهَا في بيوتنا تحمل هويتنا أيضًا. فاستنتاجًا من هذه الدراسة وكثير غيرها، يبدو أن كلَّ شخص لديه ميكروبات فريدة من نوعها. ربما نتشارك في الأنواع والسلالات، ولكن طبيعة كل منها، والوفرة النسبية لكل منها، بمثابة بصمات الأصابع. فعندما يلامس أصبعي سطحًا ما، فإنه يترك بصمة فريدة من الزيوت والخلايا، ولكنْ يُخَلِّفُ أيضًا مجتمعًا فريدًا من الميكروبات.

توجد تطبيقات واضحة للطبِّ الشرعيِّ هنا: فإذا أنشأت قاعدة بيانات بملف ميكروبي واحد لكل فرد، فمن المفترض أن تكون قادرًا على أخذ عينة من أحد مقابض الأبواب ومعرفة الأشخاص الذين لمسوه، وآخر مرة لمسوه فيها (حيث إن الميكروبات تموت مع مرور الوقت). وبالتأكيد، يستطيع الفريق تحديد كلِّ شخص من الثمانية عشر شخصًا الذين شاركوا في الدراسة بهذه الطريقة. وعن ذلك يقول جيلبرت: «لم يكن ذلك ملتبسًا أبدًا.»

ربما يختلف الحال إذا زدتَ حجم العينة إلى سكان مدينة بأكملها أو دولة بأكملها، ولكن يَعتقِد جيلبرت أن الطابع الفريد للمجتمع الميكروبي لكل شخص ينبغي أن يواصلَ جَعْلَه قابلًا للتحديد، ويضيف: «من المرجَّح للغاية أن نكون دائمًا قادرين على تمييز المجتمع الميكروبي. وتذكَّر أن بصمة الأصبع تُخْبِرُك بأن شخصًا ما كان هناك. أما البصمة الميكروبية فيمكن أن تخبرك متى كان هناك، أو ما الوظيفة التي كان يعملها؛ سواء كان موظفًا مكتبيًّا أو مُربِّيَ خنازير.»

ربما ستستغرق الموافقة على أيِّ تطبيقات في الطب الشرعي بعضَ الوقت. ولكن بينما كنتُ أتحدَّث مع جيلبرت من خلال برنامج سكايب، قفز إلى ذهنه تطبيق أكثر قربًا؛ فاستطرد قائلًا: «حصلنا بالفعل على كلب على أساس هذه النتائج.» وهو مزيج رائع من المسترد الذهبي (على الأرجح) والكولي والسلالات الأخرى. حصلت الأسرة عليه من مأوى، وأسماه الأطفال الكابتن بو ديجلي، ويدعوه جيلبرت باسم بو فقط.

تعزِّز الكلاب تَدَفُّقَ الميكروبات بين الناس ومنازلهم. فإذا تَشَارك شخصان منزلًا، فإنهما في العادة أيضًا يتبادلان ميكروباتهما، والأزواج يفعلون ذلك أكثرَ من رفقاء السكن، ولكن إذا كان يوجد بالمنزل كلب، فإن معدل تبادل الميكروبات يَزِيد. والكلاب تَزِيدُ أيضًا من التنوع الميكروبي في المنزل عن طريق جلب البكتيريا من العالم الخارجي. وفي عالم يساوي فيه وجود البكتيريا القذارة أو الاتساخ، ربما يرى بعض الأشخاص ذلك أمرًا سيئًا. رأى جيلبرت ذلك على أنه ميزة؛ إذ إننا نحتاج الميكروبات للمساعدة في تدريب جهاز المناعة لدينا، وضمان أنه يتطور على نحو صحيح، ويضيف: «أردنا أن نتأكَّد من أن أطفالنا يمتلكون هذه الإمكانية.»

When You Move House, Your Microbial Aura Moves too by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. August 29, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.