يعلم أصدقائي أنني لا أحفل بالأقاويل التي تكتب عني في بعض الصحف، وأنني قَلَّمَا أُتِمُّ قراءتها إذا بدأت فيها.

ومنهم من كان يتطوَّع للرد عليها؛ فأرجوهم ألا يكلِّفوا أنفسهم هذه المشقة في الشئون الشخصية، بل حدث منذ سنوات أن أحدهم كتب رسالة خاصة في البريد المستعجل إلى صحفي معروف على أثر كلام عنِّي نشره في صحيفته، ثم أخبرني بذلك فرجوته وألححت عليه أن يستردها من مكتب البريد، وحمدنا يومئذ إهمال المكتب أو كثرة العمل على موظفيه؛ لأن الرسالة «المستعجلة» بقيت إلى اليوم التالي ولم تُسلَّم إلى صاحبها بعد تفريغ الصندوق كما هو المفهوم.

لكن الصديق الفاضل الذي خالف هذه السُّنَّة في الأسبوع الماضي مشكورٌ أجزلَ الشكر على هذه المخالفة؛ لأنه في الحق قد أطلعني على نادرة من نوادر الحياة الأدبية لم أعرف لها سابقة في كل ما وقفت عليه من تواريخ الآداب قديمها وحديثها، وشرقيها وغربيها، وما جَدَّ منها وما هزل … وكان يفوتني — ولا شك — شيء لا يتكرر في كل جيل ولا في كل عشرة أجيال لو أنه أغفله ولم ينبِّهني إليه، وما كان بالحَسَنِ أن يفوتَنَا شيء كهذا في وقت من الأوقات.

ماذا يقول القارئ إذا سمع أن كاتبًا كتب تاريخ «أحمد عرابي» ليقول إنه هو خديو مصر الذي ثار عليه الفلاح محمد توفيق؟

وماذا يقول القارئ إذا سمع أن كاتبًا تصدَّى لنقد حكيم المعرة؛ فزعم أنه رجل عربيد، قضى حياته في معاقرة الخمر وأكل لحم الخنزير ومطاردة النساء على قوارع الطرقات؟

شيء من هذا، بل أغرب من هذا قيل عن كاتب هذه السطور: وهو أنني جامد على مذهب الأقدمين في نقد الشعر والأدب، وأنني لا أفهم وحدة القصيدة ولا أصول البنية الحية في الكتابة، وخير من الاستطراد في الحكاية عن هؤلاء القائلين أنقل هنا كلامهم كما قالوه … قالوا أفادهم الله:

نجد هذا في الحكم النقدي وفي التعبير الأدبي نَثْرِهِ وشِعره على السواء، وكما كان نقَّاد العرب القدامى يعدُّون بيتًا من الشعر أبلغ ما قالته العرب، وبيتًا آخر أهجى ما قالته العرب، وبيتًا ثالثًا أمدحَ ما قالته العرب، وإلى غير ذلك من أفعال التفضيل، لا يزال نقادنا وأدباؤنا من المدرسة القديمة يحتفلون كذلك بهذا المعنى الواحد أو البيت المنفرد؛ لما فيه من أسلوب رائق ومعنًى شائق … فالعقاد مثلًا يترنَّم بهذا البيت:

وتلفتت عيني فمذ خفيت

عني الطلول تلفت القلبُ

فلا نلبث أن نقرر أنه يساوي عنده ألف قصيدة … لماذا؟ لأن العقاد مثله في ذلك مثل بقية أدبائنا القدامى، لا يبصر بالظاهرة الأدبية في الوَحدة العضوية المتكاملة للعمل الأدبي، وإنما في البيت، في المعنى، في النادرة اللطيفة، في العبارة المفردة …

أَعَلِمتَ أيها القارئ إذن ما هو مذهب العقاد …؟ مذهبه في الأدب هو ذلك الخلط الذي قضى حياته ينحي عليه ويُنكره ويشرح عيوبه وسخافاته، ثم لا يعدم اللاغطون بهذا اللغط المخجل صحيفة يومية تنشره لهم بالعناوين العريضة وتزعم لقرائها أنها تنشر عليهم بيانًا جديدًا عن «الأدب بين الصياغة والمضمون من عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم»، وهما — فيما علمت — أستاذان في مدارس ثانوية أو عالية … ويا لخيبة الأدب والتعليم إن صح ما علمناه!

من سنة ١٩٠٩

إن قراءنا كادوا يتهموننا باللتِّ والعجن، بل بالإفراط في اللتِّ والعجن؛ لكثرة ما كتبناه وَأَعَدناه في هذا المعنى منذ نيف وأربعين سنة …

منذ حملنا القلم في الصحافة ونحن نكتب ونعيد أن القصيدة بنية كاملة، وأن الإعجاب ببيت القصيد جهل بالشعر والأدب وميزان في النقد يجب أن نحطمه ونعفي عليه …

وفي سنة ١٩٠٩ نشر حافظ إبراهيم قصيدته التي يقول في مطلعها:

لقد فصل الدجى فمتى تنام

أهمٌّ ذاد نومك أم هيامُ

فكتبنا في صحيفة الدستور ما خلاصته أنه أخذ قطعة من الحرير وقطعة من المخمل وقطعة من الكتان، وكلٌّ منها صالح لصنع كساء فاخر من نسجه ولونه، ولكنها إذا جمعت على كساء واحد فتلك هي «مرقعة الدراويش».

إلى سنة ١٩٢١

وفي سنة ١٩٢١ أصدرنا كتابًا مستقلًّا لنقد الشعر الذي لا تُلاحظ فيه بنية القصيدة، وقلنا في الصفحة السابعة والأربعين من ذلك الكتاب — كتاب الديوان:

… ورأيتهم يحسبون البيت من القصيدة جزءًا قائمًا بنفسه لا عضوًا متصلًا بسائر أعضائها، فيقولون أفخر بيت وأغزل بيت وأشجع بيت، وهذا بيت القصيد وواسطة العقد، كأنما الأبيات في القصيدة حبات عقد تشترى كل منها بقيمتها فلا يفقدها انفصالها عن سائر الحبات شيئًا من جوهرها.

وقلنا قبل ذلك إن «القصيدة الشعرية كالجسم الحي؛ يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته، ولا يغني عنه غيره في موضعه إلا كما تُغني الأذن عن العين أو القدم عن الكف أو القلب عن المعدة، أو هي كالبيت المقسم لكل حجرة منه مكانها وفائدتها وهندستها.»

وختمنا هذا البحث قائلين: «إننا لا نريد تعقيبًا كتعقيب الأقيسة المنطقية، ولا تقسيمًا كتقسيم المسائل الرياضية، وإنما نريد أن يشيع الخاطر في القصيدة ولا ينفرد كل بيت بخاطر، فتكون كما أسلفنا بالأشلاء المعلقة أشبه منها بالأعضاء المنسقة …»

إلى سنة ١٩٢٨

وكتبنا في البلاغ سنة ١٩٢٨ جوابًا عن سؤال من الأستاذ عبد حسن الزيات عن الفرق بين الشعر العربي القديم والشعر الإنجليزي على عمومه، فقلنا — بعد شرح طويل:

… ومن هنا كانت وحدة الشعر عندنا البيت، وكانت وحدته عندهم القصيدة … فالأبيات العربية طفرة بعد طفرة، والأبيات الإنجليزية موجة تدخل في موجة لا تنفصل من التيار المتسلسل الفيَّاض.

وقد طُبعت هذه المقالة مع ثماني مقالات من قبيلها في مجموعة «ساعات بين الكتب»، وظهرت من هذه المجموعة حتى الآن ثلاث طبعات.

إلى سنة ١٩٣٠

وفي سنة ١٩٣٠ أَلَّفنَا كتابنا عن ابن الرومي خصيصًا لشرح الأسباب التي تدعونا إلى الإعجاب به، وأولها: أنه أقرب الشعراء الأقدمين إلى المذهب الذي نختاره، وأن عصره أول العصور التي فطنت لتجديد الشعر على هذا الأسلوب.

واستشهدنا في الصفحة السادسة والأربعين بكلام الحاتمي حيث يقول:

مَثَلُ القصيدة مَثَلُ الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب غادر الجسم ذا عاهة تتخون محاسنه وتعفِّي معالمه …

ثم استقصينا الشواهد من قصائد ابن الرومي وعقَّبنا عليها في الصفحة «٣١٦» فقلنا:

إن العلامات البارزة في قصائد ابن الرومي هي: طول نَفَسِه، وشدة استقصائه المعنى واسترساله فيه، وبهذا الاسترسال خرج عن سُنَّة النظَّامين الذين جعلوا البيت وحدة النظم وجعلوا القصيدة أبياتًا متفرقة يضمها سمط واحد قَلَّ أن يطَّرد فيه إلى عدة أبيات، وقلَّ أن يتوالى فيه النسق تواليًا يستعصي على التقديم والتأخير والتبديل والتحوير، فخالف ابن الرومي هذه السُّنَّة وجعل القصيدة كُلًّا واحدًا لا يتم إلا بتمام المعنى الذي أراده على النحو الذي نحاه. فقصائده موضوعات كاملة تقبل العناوين، وتنحصر فيها الأغراض، ولا تنتهي حتى ينتهي مُؤَدَّاها وتفرغ جميع جوانبها وأطرافها ولو خسر في سبيل ذلك اللفظ والفصاحة.

إلى سنة ١٩٤٧

وفي سنة ١٩٤٧ كتبنا في مجلة الكتاب خلاصة شروط الشعر الحسن؛ فعددنا في أولها أن الشعر قيمة إنسانية وليس بقيمة لسانية، ثم قلنا: «إن القصيدة بنية حية وليست قطعًا متناثرة يجمعها إطار واحد، فليس من الشعر الرفيع شعر تُغَيِّرُ أوضاعَ الأبيات فيه ولا تحسُّ منه تغييرًا في قصد الشاعر ومعناه.»

وهذه المزية خاصة هي المزية التي شرحناها وكررناها وعدنا إليها خلال هذه السنوات في مقالات متفرقة، وتداولها القراء في كتب متوالية أعيد طبعها ثلاث مرات وأربع مرات، ومنها كتاب أُعيد طبعه بعد أسبوع واحد وهو كتاب الديوان، ولم يسبق لكتاب عربي حديث مثل هذا الذيوع والانتشار.

والأدب للمجتمع قبل ربع قرن

وقبل ربع قرن — أي قبل أن يعرف الأدعياء كيف يتَهَجَّوْنَ كلمة المجتمع — كنا نكتب فنقول: إن آفة الأدب المصري أنه يعيش بمعزل عن الأمة، ومن ذلك ما كتبناه بالبلاغ في سنة ١٩٢٧ فقلنا: «إن العزلة بين الشعب والحكومة، والفوارق الدائمة بين الحياة القومية والحياة الرسمية هي علة الجدب الغريب الذي يلاحظ على آداب مصر الرسمية؛ أي الآداب التي تجري على تقاليد الحاكمين والرواة في العصرين القديم والحديث.»

كتبنا هذا وردَّدناه ولا نزال نردِّده، ونعني به حين نذكر الشعب أنه مجموعة من النفوس والضمائر والأذواق والأخلاق، وليس كما يريده الماديون الحيوانيون مجموعة من البطون والجلود وكفى.

فما هو السر إذن؟

فما هو السر إذن في تلك الحملات المكذوبة التي تصطدم بالواقع هذا الاصطدام العنيف؟

السر الذي لا يحتاج إلى بحث طويل: أنها حملات لغير وجه الأدب والأمانة الثقافية؛ فلو كانت لوجه الأدب لكان كاتب هذه السطور حقيقًا بالحمد والثناء ممن يقتدون بمذهبه بعد أربعين سنة من نشره وترديده وتوكيده، وسواء كان هؤلاء الأدعياء قد اطَّلعوا على مذهبه فتجاهلوه أم حملوا عليه دون أن يطَّلعوا عليه؛ فالحقيقة الباقية في الحالتين أنه مقصود بالحملة لغير وجه الأدب والأمانة الثقافية.

وقد فهمنا

نعم … وقد فهمنا ولا حاجة بنا إلى ذكاء خارق لنفهم ما وراء هذه الحملة أو هذه الحملات من أناس يترنَّمون بالخواجة «إيليا أهرنبرج» وأمثاله، ويكتبون ذلك صريحًا بعد ما نقلناه من كلامهم فيقولون:

لو قَارَنَّا بين هذه الرواية ورواية العاصفة لإيليا أهرنبرج لَوَجَدنا فارقًا ضخمًا في المضمون وفارقًا ضخمًا في الصياغة كذلك؛ فرواية أهرنبرج لا تصوِّر واقعًا مريضًا متحللًا بل معركة تتابع عملياتها المنظورة من الكفاح المرير للقضاء على الأخطبوط النازي في أوروبا وما يواجه هذه العمليات من عقبات وصعاب …

إلى أن قالوا: «ولو قارنَّا بين إليوت وشاعر آخر هو ماياكوفسكي لوجدنا كذلك فارقًا ضخمًا في المضمون والصياغة … فماياكوفسكي فنان صائغ للشعر كذلك، ولكنه يمجِّد الحضارة الصناعية الحديثة ويستبصر بالحركة الصاعدة للتاريخ …»

فمن هو أهرنبرج؟ ومن هو ماياكوفسكي؟

أهرنبرج يهودي روسي أَلَّف رواية «العاصفة»؛ لشفاء حزازة اليهود من ألمانيا النازية، لا لوجه الأدب ولا لوجه الإنسانية! … وجاراه الدُّعاة الشيوعيون في الحملة على ألمانيا يوم كانت تحاربهم ويحاربونها، فلما دارت الدفة بعد الحرب العالمية وبدا لأولئك الدعاة أن يتقرَّبوا من الألمان ويمهِّدوا لضمهم إلى الحدود الحمراء أَمَرُوه بأن يؤلف في غير هذا الموضوع، وحوَّلُوه إلى الميدان الفرنسي فوضع روايته الجديدة بعنوان «الموجة الأخيرة» لِيُشيد فيها بهمة الشيوعيين الفرنسيين، وينعى فيها على الجمهورية الذاهبة ما ينعاه أولئك الدعاة!

أما ماياكوفسكي فهو الشاعر الشيوعي الذي انتحر سنة ١٩٣٠ ولحق بزميله يسنيني الذي انتحر قبله بخمس سنوات، وأولهما لم يجاوز السابعة والثلاثين والثاني لم يجاوز الثلاثين …

وهذا هو المثل الأعلى عند أصحابنا للشعر الحي في سبيل الحياة!

فإذا كان هذا هو الأدب المطلوب منا فقد فهمنا وفهم الناس ووجب على هؤلاء الأدعياء — إن كان لهم نصيب من أمانة الثقافة — أن يَدَعُوا هذه المماحكة ويعلنوا الحقيقة ولا يضللوا بقرائهم فيخدعوهم باسم الأدب وهم لم يطَّلِعُوا على حرف مما ينقدونه ويفترون الكذب على ذويه.

وإلى الدكتور طه

وبعد ضبط هؤلاء الأدعياء — ولا نقول مناقشتهم — يؤسفنا أن ننتقل من حديثهم توًّا إلى حديث مع الدكتور طه حسين، ولا يسوِّغ عندنا هذه النقلة إلا أننا نبدؤها بتعزية واجبة للدكتور، حماه الله السوء وَوَقَاهُ فضول الدعوى والأدعياء …

لقد نسينا أن هذين الإمامين المجددين وجَّها البيان إلى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وليس في الدنيا مصيبة أحقُّ بالتعزية من عمادة يبايع عليها هذان، وما أشبه هذين.

ثم نبادل الدكتور بالتحية تحيةً أحسن منها، وبالمشورة مشورةً أحقَّ منها بالاتِّباع.

ومشورتنا على الدكتور: أن يقرأ كتب التحليل النفساني، وأن يعيد قراءتها مرة بعد مرة، ونحن على يقين أنه سيعدِل بعد قراءتها عن رأيه في علاقة الأدب بهذا التحليل.

وهذه مشورة ميسورة الاتباع.

أما مشورة الدكتور فهي غير مفهومة، وما يفهم منها فاتباعه مستحيل.

ماذا يقول الدكتور طه يا ترى؟

أتراه يقول إن البواعث النفسية شيء لا علاقة له بدارسة الأدب والأدباء؟ إذا قال ذلك فمن يتابعه على هذا الرأي؟ ومن يعمل به فيكتب ما يستحقُّ أن يقرأ في هذا الزمن؟

أم تراه يقول إن الأطباء هم المختصُّون بالنقد الأدبي دون غيرهم لأنهم هم المختصون بالدراسات النفسية؟

إذا قال ذلك فأين هو المَثَلُ الواحد الذي يدعم به هذا الرأي؟ وأين هو الطبيب أو الأديب الذي يقره عليه؟

لو أن الدكتور كلف نفسه مئونة الاطلاع على الدراسات التي يبرأ منها، لعَرَفَ على الأقل أن أدواتها ميسورة للأديب، وأنها غير محرَّمة عليه ولا هي مقصورة على الطبيب، ولَعَرَف كذلك أن الأدباء هم الخبراء الذين يرجع إليهم الأطباء كلما اتصل الأمر بالتعبير وتدبر معانيه أو بالخيال وتصور رموزه.

إلا أن الدكتور طه — على الخصوص — أقدر من غيره على العلم بهذه الحقيقة دون أن يُوغِل في دراسة النفسيات؛ لأنه يعلم من عمله في الجامعة ووزارة المعارف أن هذه الدراسة يتولَّاها أساتذة أدبيون ولا يشترط فيها علم الطب إلا لمن يفتح العيادات للعلاج، ولا شك أن الدكتور يسمع باسم العالم الفاضل الأستاذ محمد فتحي، ويسمع أنه يستشار في مسائل الأمراض النفسية والجرائم التي تتولَّد منها، وليس الأستاذ فتحي طبيبًا، ولكنه من رجال القانون.

قد يستغني الدكتور طه عن الإيغال في دارسة النفسيات إذا كان قصارى الأمر أن يُلِمَّ بأدواتها ويعلمَ أنها غير ممتنعة على الأديب.

أما الذي لا غِنَى عنه للدكتور فهو البحوث التي تفرق بين الاعتداد بالنفس عند أبي نواس وعند المعري وعند أبي الطيب وعند بشار.

فالاعتداد بالنفس وصف قد يشترك فيه هؤلاء جميعًا من جانب هنا أو جانب هناك.

ولكن من ذا الذي يفهم هؤلاء إذا فهم أنهم يصدرون جميعًا عن باعث واحد؟

إن الاعتداد بالنفس — بمعزل عن الدراسات النفسية — قد يختلط هذا الاختلاط ولا يُجدي فيه الاكتفاء بلفظه ومعناه في اللغة.

أما النفسانيون فقد يعرفون اعتدادًا بالنفس يدخل في جنون العظمة ويسمونه المغالومانيا، ويعرفون اعتدادًا بالنفس يدخل في جنون الأَثَرة ويسمونه الأيجومانيا، ويعرفون اعتدادًا بالنفس يدخل في جنون الانحصار الذاتي ويسمونه الأيجوسنترزم، ويعرفون اعتدادًا بالنفس يدخل في جنون النقص والتحدي ويسمونه نجاتفزم Negativism، ويعرفون اعتدادًا مثله يدخل في جنون العناد ويسمونه ميوتزم Mutism، ويعرفون الاعتداد بالنفس طبيعة في كل مخلوق مستمدًّا من حب البقاء ثم تنازع البقاء، ويعرفون منه اعتدادًا بالنفس يدخل في جنون الاشتهاء الذاتي ويسمونه النرجسية، وهو الذي وصفنا به أبا نواس وأنكره الدكتور؛ لأن أبا نواس لم يعلم به ولا يعترف به لو علم … كأنه من المشروط في الصفات أن يعترف بها الموصوفون!

إن الدراسات النفسية تميز بين هذه المدلولات التي يتميز فيها أبو نواس والمعري والمتنبي وبشار، حيث تجمعهم في المعجم كلمة الاعتداد.

والدراسات النفسية هي التي تعرفنا أن الصفة الواحدة قد تجري مع الاعتداد بالنفس وقد تناقضه في الإنسان الواحد، فحبُّ التدليل مثلًا قد يُورِث اعتدادًا بالنفس وقد ينمُّ كذلك على فقدان الثقة بها؛ لأن صاحبه يعلِّق قيمته على التفات الآخرين إليه.

ويتفق مثل هذا في الصفات الأخرى فنرجع إليها حسب مدلولاتها النفسية ولا نكتفي بمدلولاتها المعجمية.

وأنا أفعل هذا، والدكتور يستطيع أن يفعله، ولكنه لا يشاء؛ لأنه يقنع بإسداء «النصح» إلى الأدباء ليفعلوا هذا ولا يفعلوا ذاك!

أنا أفعل هذا وأكتبه وأقرِّره، وأرجو مَن يَطَّلع على خطأ فيه من المختصِّين أن يُعلِنه بأسبابه، وهو مشكور.

ولقد تابع الدكتور جماعة المستشرقين على تفسير كلام أبي نواس عن الطلول بأنه مذهب في التجديد والإعراض عن القديم.

وفَهْم الأدب على هذا النحو لا يفسِّر لنا أن مطالع أبي نواس في بكاء الطلول أكثر من مطالع الشعراء الأقدمين، ولا يفسر لنا أنه يستطرد إلى السخرية بالأنساب كلما ذكر الطلول في سياق النعي والإنكار، ولا يفسر لنا أن الخليفة يأمره بذكر الطلول فيطيعه ويقول:

دعاني إلى ذكر الطلول مسلط

يضيق ذراعي أن أجوز له أمرا

لا يفسر لنا كلامُ المستشرقين عن التجديد هذا الأمرَ من الخليفة باجتناب النعي على الطلول، فما كان الخليفة مناظرًا للشاعر في الأدب؛ يقول هذا بمذهب ويقول ذلك بمذهب سواه.

ولكن الذي يفسِّره لنا هو «عقدة النسب» في طوية أبي نواس، فلهذا يأمره الخليفة باجتناب ما يُثِير ضغائن الأنساب.

إن الدكتور طه لم يقنعنا بكل ما كتبه عن تحليلنا لأبي نواس أن ندع التحليل وأن نقول إن النرجسية والاعتداد بالنفس كلمتان مترادفتان.

فعسى أن نُقنِعَه نحن بالالتفات قليلًا إلى كتب التحليل، فهي ولا شك جديرة بالالتفات، وجديرة بتصحيح كثير من الآراء.

وبهذه المناسبة

وبهذه المناسبة نقول إننا سنعود إلى مسألة النسب؛ جوابًا لخطاب الأديب الفاضل الأستاذ «حسن قرون» وتوضيحًا لرأينا في مزاعم النسَّابين عن الحميريين والعدنانيين، فليست المسألة سهوة — كما ظن الأديب — بل هي رأي ألمعنا إليه في كتابين قبل كتاب أبي نواس، وهما: كتاب أبي الأنبياء، وكتاب أثر العرب في الحضارة الأوروبية.

ولعلنا نعود إليه في موعد قريب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.