كتبنا عن الجامعة العربية نقول: إن الذي عرض لها وفيها حتى الآن لا يدعو إلى اليأس منها، وإن الخلاف الذي قد حدث فيها يحدث بين كثير من الأمم، كما حدث فعلًا بين الحلفاء المقاتلين في جبهة واحدة، ورجونا أن تكون عوامل الوفاق التي تؤلف بينها أقوى من عوامل الخلاف التي تفرقها وتعمل على تشتيتها، ثم قلنا: إننا لا نعلم أن شعبًا من الشعوب العربية له مصلحة في العدوان على شعب آخر والطمع في بلاده.

وليس في كل هذا الذي قررناه ما يسوء أحدًا أو يخيب رجاءه؛ إلا أن يكون عدوًّا للعرب أو كارهًا لبقاء الجامعة العربية.

ولكننا — بحمد الله — في زمن لا تنتهي عجائبه، ومن هذه العجائب أننا اطلعنا على صحيفة يومية «عربية» أرسلها إلينا قارئ فاضل خشي ألا نطلع عليها، فإذا في الصحيفة مقالٌ يستنكر ما كتبنا، ويوجه إلينا الأدلة التي تدل على ذلك الاستنكار، ومنها: ما هي الثمار التي جنتها الأمة العربية من الجامعة العربية … وأنتم تعلمون بأن دول هذه الجامعة كانت على أتم وفاق حينما دخلت جيوشها فلسطين لحرب شذاذ الآفاق؟

ما معنى قولكم: «ما من شعب من الشعوب العربية له مصلحة في العدوان على شعب عربي آخر؟» ما معنى قولكم: «الأمم العربية» المتكررة في المقال؟ فإننا لا نرى أن هذا الكلام ينهض سياسيًّا ولغويًّا لصالح الأمة الواحدة.

ألم يكن الجنرال أيزنهاور القائد العام لجيوش الحلفاء أثناء الحرب، وكان في الجيش الإنجليزي قواد برتبة المارشال تحت إمرته؟

ألم يرجع الباجه جي خائبًا من زيارة النقراشي باشا حينما أراد الباجه جي توحيد القيادتين؟

***

والعجيب حقًّا أن يكون ما كتبناه عن الجامعة العربية محلًّا لمثل هذا التساؤل، وأن يصدر هذا التساؤل من كاتب يريد من قرائه أن يعرفوا له غرضًا يرمي إليه.

ما هو هذا الغرض؟ هل هو بقاء الجامعة العربية أو زوالها؟ هل هي عمل بغير ثمرة؟ أو هي عمل له ثمرة يرجوها الكاتب أنفع من ثمرتها التي رأيناها؟ هل كان دخول الجيوش العربية ميدان فلسطين سببًا لافتراقها بعد اتفاقها؟ وهل من أجل ذلك كان الأجدر بتلك الجيوش ألا تدخل ميدان فلسطين؟

أيتها الديمقراطية! إن كانت فيك بلية من البلايا تجيز للديمقراطي الصميم أن يلعنك، فهي سماحك لأمثال هذه الرءوس أن تتعرض لسياسة الأمم والحكومات!

فالأمر الوحيد الذي يجيز لإنسان أن ينكر ثمار الجامعة العربية بعد معركة فلسطين هو اعتقاده أن ترك فلسطين من البداءة كان أنفع لفلسطين وللعرب أجمعين.

وذلك رأي يجوز لمن يقتنع به أن يعلنه بأسبابه، ولكنه ما لم يؤمن بهذا الرأي؛ ما لم يؤمن بأن ترك فلسطين كان أنفع لها وللعرب، لا يجوز له أن يسأل تلك الأسئلة، ولا سيما الأسئلة عن الشقاق بعد الوفاق وهو لا يجهل من أين جاء الشقاق!

ولا يجوز له — من وجهة أخرى — أن يضرب المثل بتوحيد القيادة بين الحلفاء بزعامة أيزنهاور!

فإن أيزنهاور كان يقود جيوشًا مشتركة كلها في القتال، وكانت هناك — من أجل هذا — حاجة شديدة إلى توحيد القيادة بين تلك الجيوش.

ولكن من أين تأتي الحاجة إلى توحيد القيادة بين جيشين؛ أحدهما يقاتل ولا يكف عن القتال، والآخر يريد ضباطه وجنوده أن يقاتلوا فتصدر إليهم الأوامر بالتحذير من مقاربة الميدان؟

بل من أين تأتي الحاجة إلى توحيد القيادة بين معسكرين سياسيين؛ أحدهما على اتصال بالعدو في مفاوضات سرية وعلنية، والآخر لا يلقى العدو في غير ميادين القتال؟

أما الكلام عن أمة العرب أو أمم العرب، فقد يظهر للقراء وجه الاستنكار فيه إذا اطلع على بقية الأسئلة في الصحيفة المذكورة، وذلك حيث يسألني كاتب المقال عن الدويلات والإمارات العربية: «هل هي خير عندك من إمبراطورية هارون الرشيد الذي قرأ قول فرعون المحكي في القرآن الكريم: ()؛ فحلف ليولينها مولًى من مواليه، فولَّى عليها الخصيب بن عبد الرحمن، أحد عبيد الرشيد؟»

فكاتب المقال ينكر كلمة الأمم العربية؛ لأنه يفهم من الأمة الواحدة معنى واحدًا فقط، وهو أن تكون رعية «لهارون رشيد» جديد يولِّي عليها عبيده ومواليه.

أما أن التعبير «بالأمم العربية» لا ينهض سياسيًّا ولغويًّا في الدلالة على الأمة العربية؛ فالواقع من القرآن الذي يستشهد به صاحبنا أنه تعبير لا غبار عليه؛ لأن الأمة قد أطلقت في القرآن على الطائفة من القوم: ()، وقد أطلقت على الأسباط من صلب رجل واحد: ().

فلا غبار على كلمة الأمم العربية إلا من ناحية واحدة؛ وهي الناحية التي تفسر الأمة بأنها رعية هارون الرشيد الجديد التي تساس على أيدي الموالي والعبيد!

ولو عاد ذلك الزمن في أيامنا هذه لعاد بشر ما فيه ولم يعد بخير ما فيه، وشر ما فيه أن «هارون الرشيد» كان له ألف مولى أحقر من الخصيب، وكانت دولة العباسيين كلها في مختتمها دولة الموالي من نفايات الأمم، وكانوا يعيثون عيثهم حيث كانوا، وحيث لا يتمنى عودة ذلك العيث إنسان في عروقه قطرة من دم الحرائر والأحرار.

ونعود فنسأل: فيمَ هذه الأسئلة الموعز بها عن الجامعة العربية؟

إننا نقول: إنها مرجوة الخير للعرب كلما غلبت فيها عوامل الوفاق على عوامل الشقاق.

فمن شاء لعوامل الشقاق أن تتغلب عليها فليفعل، وأجره على مسخريه ومستخدميه.

ومن شاء لعوامل الوفاق أن تتغلب عليها فليفعل، وأجره على الله.

وأيًّا كان مصيرها — الذي نرجو أن يكون مصير خير — فليس لهذا البلد — مصر — من مطمع فيه غير تمكين الحرية والسلام في بلاد العرب أجمعين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.