في سنة ١٧٤٠ كتب القس «دانهاور» من ستراسبورج يعجب من شجرة عيد الميلاد قائلًا: «إنه بين الصغائر التي يشغل بها الناس أوقاتهم في عيد الميلاد بدلًا من اشتغالهم بكلمات الله، أنهم يقيمون في بيوتهم شجرة من فروع التنوب يزينونها بالعرائس والحلوى السكرية ويهزونها لتساقط ثمراتها. ولا أدري من أين جاءت هذه العادة! فهي عادة صبيانية كان خيرًا منها أن يتعود الأطفال أن يتعلقوا بدوحة الروح السيد المسيح.»

والقس الفاضل صادق في قوله إن هذه العادة لم تكن من تقاليد المسيحية الأولى، ولكنها من العادات التي احتفظ بها أبناء الشرق والوسط في القارة الأوروبية ونقلوها إلى حفلات عيد الميلاد؛ لأنها تجري مع حفلات رأس السنة في موسم واحد.

أما أصلها القديم فهو سابق لميلاد السيد المسيح بأكثر من ألفي سنة، وأول ما عرف من تاريخها أن البابليين الأقدمين كانوا يسمونها شجرة الحياة، ويقولون: إنها تحمل أوراق العمر في رأس كل سنة، فمن اخضرت ورقته كتبت له الحياة طول السنة، ومن ذبلت ورقته وآذنت بالسقوط فهو ميت في يوم من أيامها!

وسرت هذه العادة من الشرق إلى البلاد الأوروبية الشرقية، فالبلاد الوسطى. وجعلوا يحتفلون بالشجرة ويختارون لها الورق من الأشجار التي تحتفظ بخضرتها طول العام أو أكثره، ومنها البقس والتنوب واللبلاب وشرابه الراعي والزرنب واللارقس وما إليها. وعندهم أن اللون الأخضر تخافه شياطين الجدب والموت؛ لأنها تألف ألوان الجدب والقحط والذبول.

وهكذا يتفاءلون بالشجرة الخضراء ويمثلون بها شجرة الحياة.

وعيد الميلاد

وقد حدث الاحتفال بعيد الميلاد نفسه بعد عدة قرون من مولد السيد المسيح، وكان الحكيم المصري المسيحي الكبير «أوريجين» ينادي إلى سنة ٢٤٥ بالتحذير من البحث فيه وينعي على الباحثين أنهم: «يحسبونه ميلاد ملك أرضي كفرعون من فراعنة وادي النيل!»

وكان كلمنت الإسكندري قبل أوريجين يكتب متهكمًا فيقول: «هناك من يحملهم الفضول فلا يقنعون بتوقيت السنة التي ولد فيها مخلصنا، بل يحاولون توقيت اليوم ويزعمون أنه ولد في الثامن والعشرين من شهر أغسطس، أو في الخامس والعشرين من شهر بشنس، نحو العشرين من شهر مايو!» ويقول القس الكبير في موضع آخر: «إن أناسًا من هؤلاء يزعمون أنه ولد في الرابع والعشرين أو الخامس والعشرين من شهر برمودة؛ أي حوالي التاسع عشر والعشرين من شهر أبريل.»

وقد كان الحكيمان الكبيران بعيدي النظر في الواقع؛ لأن القس الروسي ديونسيوس الملقب بالصغير لم يحفل بهذه التحذيرات، فوقع في الخطأ الذي لا شك فيه، وقرر أن السيد المسيح ولد سنة ٧٥٣ حسب التقويم الروماني المحسوب من تاريخ بناء مدينة رومة. ولا شك في مناقضة هذا التاريخ لما جاء في نص إنجيل لوقا، الذي يذكر لنا أن السيد المسيح ولد في عهد الملك هيرود وقد مات الملك هيرود خلال شهر مارس سنة ٧٥٠ حسب التقويم الروماني، فلا أقل من خطأ ثلاث سنوات في حساب ديونسيوس الصغير.

وإلى سنة ١٦٥١ كان البرلمان الإنجليزي على عهد المتطهرين يُحرِّم الاحتفال بعيد الميلاد يوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر ويعقد جلساته عمدًا في ذلك اليوم؛ لأن المتريين الذين كانوا يؤلهون النور تعودوا أن يحتفلوا به في إنجلترا، ابتهاجًا بغلبة النور على الظلام؛ إذ كان موعد الانتقال الشتوي ومبدأ زيادة النهار ونقصان الليل.

ولقد كان الآباء المسيحيون الأولون يتوخَّون الحكمة فلا يحرمون حفلات الوثنيين الطبيعية في مواسمها، بل يحولونها إلى أعياد بريئة تبطل فيها المحرمات جهد الطاقة. وقد كتب القديس جريجوري إلى القديس أغسطين ينصح له باجتناب الحظر والتحريم كلما أمكن تحويل المحافل والقرابين من عبادة الشيطان إلى عبادة الله.

أما اختلاف الكنائس في توقيت عيد الميلاد فمرجعه إلى اجتهاد كل منها في تفسير النصوص التي تعتمدها وتؤثرها على غيرها، وليس فيها نصوص من أقوال المؤرخين، ولكنها كلها من مراجع المجتهدين في المقارنة والتفسير.

لقد ولد السيد المسيح على كل حال.

ولقد كان مولده مولد الهداية والسلام.

وما أحوج العالم إلى الهداية والسلام في هذه الأيام!

فليهنأ العالم بالمولد المبارك حيث كان، ولينتهج فيه منهج صاحبه إن كان فيه بقية من خير وصلاح، وبقية من إيمان بغير المال والسلاح!

من رجعات الماضي

نشأنا ونحن نسمع بدعة العصر المعادة على حساب الأقدمين.

فكل قديم منتقد أو محتاج إلى الاعتذار والتصحيح.

وأول ما انتقدناه حيث نشأنا بأسوان أن المباني فيها محصورة في المرتفعات والهضاب، وأن سهولها المنبسطة متروكة بغير بناء.

ونذكر من التقاليد الحسنة التي كانت ترعاها مدرسة أسوان أنها كانت تجمع الفصول المتقدمة بعد انتهاء الدراسة يوم الخميس؛ للمناقشة في المسائل العامة وإلقاء الملاحظات والإجابة عنها في حينها أو تأجيلها إلى اجتماع آخر.

وكان من هذه الملاحظات العامة ذات يوم ملاحظتان حول بناء المدينة، أو سؤالان ينتظران الجواب.

وفحوى السؤال الأول: لماذا ترك الأسوانيون البناء بالحجارة على كثرتها وفضَّلوا عليها البناء باللَّبِن أو الطوب الأخضر كما يسمون الطوب من غير القرميد الأحمر؟

وفحوى السؤال الثاني: لماذا ترك الأسوانيون السهول والبطاح وجشَّموا أنفسهم نقل أدوات البناء إلى المرتفعات والهضاب؟

أما السؤال الأول فقد كان جوابه يسيرًا، أو كان الإشكال فيه أقل من الجواب، فلم يعسر على بعض الطلاب أن يفسر تفضيل الطوب الأخضر بقلة الحاجة إلى الصخور في بناء البيوت؛ إذ كانت السماء صحوًا والمطر نادرًا وتكاليف الطوب الأخضر أهون من تكاليف كسر الصخور المحببة وتسويتها وصقلها ورفعها عدة أذرع على ارتفاع الجدران.

وأما السؤال الثاني فقد تضاربت فيه الأقوال، وأذكر أن الرأي الذي اختاره الأساتذة والطلاب في النهاية يتلخص في مسألة التحصين والامتناع بالهضاب من غارات النوبة والبجاة التي كانت تعاود البلد من دروبه الجنوبية والشرقية وكادت تعاوده في أيام الدراويش.

وكان التفسير على هذا الوجه مُرضيًا مقبولًا بضع سنوات؛ إذ لم يكن هناك تفسير أولى منه بالرضا والقبول.

ثم هجم السيل سنة من السنين بعد انقطاع عدة سنوات، وعاود الهجوم كرة أو كرتين في السنوات التالية، ومنها سنة حضرته فيها بأسوان وهي سنة الانتخاب الأول للبرلمان (١٩٢٣).

شهدت من دفعة هذا السيل ما لم يكن يخطر لي ببال، ورأيت قضبان السكك الحديدية مقتلعة ملتوية مقذوفة على مسافة من الطريق. وتتبعت مجامع السيل في الصحراء الشرقية فرأيت الصخور التي اندفعت أمامه وهو منحدر متدفق، فكان منها ما يوزن بالقناطير أو بالأطنان.

وأبناء أسوان مشهورون بالقدرة المرتجلة على التشبيه المحكم، فلما ذهبت إلى البطاح التي أقيمت عليها العمائر الجديدة لم أجد لها أثرًا في طريق السيل، ولقيت المدير — الأستاذ عثمان فهمي — واقفًا هناك يسأل: كيف زالت هذه العمائر العالية؟

قال أحد الواقفين وهو لا يقصد الهزل في ذلك الموقف المزعج: «ذابت كقمع السكَّر!»

وهبطت من هنالك إلى ساحل الغلال الذي يمون أسوان والإقليم الجنوبي كله، فألفيت على مدى البصر فراغًا محزنًا في موضع تلك الآكام من القمح والذرة والشعير والفول والحلبة وغيرها من الغلال، وسمعت أصحابها المنكوبين أول من يتندر بها تندر الفجيعة، ويقول لسائليه: إنها ستوزع النابت والحلبة المزروعة من أسوان إلى أسيوط!

لقد كان السيل الجارف جوابًا طال تأجيله لانتقاد الأقدمين الذين اختاروا المرتفعات والهضاب يقيمون عليها المساكن ويفضلونها على السهول والبطاح.

ولقد أفادنا ذلك الجواب المفحم ترددًا كثيرًا قبل توجيه النقد الجزاف إلى الأجيال الصامتة في ماضيها العتيق، فقد يكون من الحماقة الكبرى أن نستسهل وصفها بالحماقة بغير بينة، وخير لنا أن ننصفها قبل أن ينصفها المستقبل بصدمة من صدماته على مثال ذلك السيل الجارف. وربما تعرض العالِم لكثير من هذه الأجوبة المسكتة؛ لأنه تعجل بالجواب الثرثار على حساب الأقدمين.

والذي أعلمه أن الحيطة متخذة على منحدرات السيل بمدينة أسوان وإن لم تكن على ما أحسب كل الحيطة اللازمة.

ولكن الحوادث فيما أعلم عن إقليم قنا، لم تَدَعْ قطُّ إلى اتخاذ مثل هذه الحيطة بمدينة قنا على الخصوص؛ لأن السيول التي كانت تنحدر على مقربة منها لم تبلغ مبلغ الخطر، ولم تأتِ أخطار السيل في هذه السنة إلا مفاجأة بغير حساب.

إن الفجيعة مؤلمة، وواجب الأمة كلها حيال هذه الفجيعة غير مجهول، ولكننا نود أن نسأل السؤال الذي لا يأتي جوابه من غير المختصين في طبقات الأرض وهندسة المياه:

ما دلالة هذه السيول في بعض الصحراء! وما هو موضع المقابلة بينها وبين المياه الجوفية، حيث لا تتدفق هذه السيول على وجه الأرض؟ وكيف السبيل إلى الانتفاع بهذه القوة المنحدرة وهذه القوة الكامنة منذ مئات السنين؟

أما السبيل إلى اتقائها فنحسبه أيسر وأسرع من سبيل الانتفاع والارتفاق، ورب نذير من هذه الظواهر الفاجعة أنفع من بشير.

بقايا البريد

بقيت أشتات من مخلفات بريد العام، وبقيت من السنة كلها أيام معدودات.

وليس في الأشتات الباقية رسالتان في موضع واحد إلا الرسائل الخمس التي أتناولها فيما يلي، فإنها تكاد تكون نسخة منقولة من رسالة واحدة.

إن المؤلف هو المصدر المعقول الذي يُرجع إليه في طلب الكتاب إذا كان هو الذي يتولى طبع كتبه وتوزيعها، ولكنه آخر من يُرجع إليه في هذا الطلب إذا كان الطبع والتوزيع موكولَيْن إلى الناشرين، فلا يوجد عند المؤلف في هذه الحالة غير نسخ قلائل لإعادة الطبع والمراجعة، أو للهدايا الأدبية إذا لم يكن قد مضى على صدور الكتاب وقت طويل.

وكثيرًا ما ترد إليَّ الرسائل في طلب نسخ من مؤلفاتي للمكتبات أو للقراء الذين لا يجدونها قريبة منهم، فكلما اتسع الوقت أجبت معتذرًا أو أرسلت مع الجواب ما أجده لدي غير محتاج إليه.

ولا أذيع سرًّا إذا قلت: إن أوفق الأوقات عندي للإجابة على هذه الرسائل هو وقت الراحة بعد الفراغ من تأليف كتاب وقبل الشروع في تأليف كتاب آخر. ولا يعلم هذا الوقت أحد غيري، فليس في المسألة إذن سر يذاع. وجاءني في الأسابيع الأخيرة خطاب من طالبة في نهاية المرحلة الثانوية بمدارس الإسكندرية تطلب فيه كتابًا بحثت عنه بمكتبات الإسكندرية فلم تجده، وتطلب مع الكتاب «بعض النصائح من نصائحكم المفيدة للشباب.»

وصدقت الآنسة فيما قالت عن الكتاب الذي بحثت عنه فلم تجده بمكتبات الإسكندرية، فقد أخبرني أصحاب المكتبات بذلك ورجوني أن أبلغ الناشر ليودعه عندهم أو يبيعهم إياه بالشروط المتفق عليها.

فأرسلت الكتاب وأرسلت معه النصيحة.

ولم ينقضِ أسبوع واحد حتى كان عندي خمس رسائل من خمس طالبات بالإسكندرية يطلبن الكتاب ويطلبن النصيحة مع الكتاب.

رسالة من محرم بك تقول صاحبتها: «إنني قرأت كلَّ ما استطعت من كتبك الكثيرة، ولكنني لم أقرأها كلها؛ ولذلك فقد قررت أن أبعث إليك بهذا الخطاب لترسل إليَّ هذين الطلبين؛ وأولهما: «إحدى» — هكذا — الكتب الأدبية ولن أحدد لك هذا الكتاب … والطلب الثاني: إرسال بعض نصائح أدبية التي تفيدني في حياتي هذه …»

ورسالة من المكس تقول صاحبتها: «قرأت لك ما أقدر على شرائه … وأرجو أن ترسل إليَّ كتاب كذا — وهو نفس الكتاب الذي طُلب أولًا— مع أحسن كتاب تفضله أنت بذوقك باعتباري فتاةً، تكون لدي منه منفعة في اللغة الإنجليزية، والرجا منك إرسال النصائح أولًا والكتابين في أقرب فرصة!»

ورسالة من مدرسة نبوية موسى تقول صاحبتها: «قرأت لحضرتكم مقالاتٍ كثيرةً في الصحف وسمعت لكم أحاديث كثيرة في المذياع، فأعجبت بها أشد الإعجاب، وأردت أن أقرأ لك أيَّ كتاب ولكن للأسف لم أحظَ بقراءة أي كتاب لسيادتكم، فسألت عن اسم أي كتاب من مؤلفاتكم فقيل إنه كتاب كذا — المتقدم — فأرجوك أن ترسله لي بهذا العنوان …»

ورسالة من رأس التين وأخرى من كرموز، كأنهما نسخة واحدة في هذا المعنى، وكلها مرقومة بتواريخ متقاربة.

وشاهدي في الاعتذار عن تلبية هذه الطلبات مكتبة الأنجلو المصرية، فإنني اشتريت منها نسخًا من مؤلفي هذا لأحتفظ ببعضها وأرسل إحداها، ريثما يعاد طبع الكتاب كله لقرب نفاده.

فأرجو أن يلقى هذا الاعتذار قبولًا عند الآنسات الأديبات.

أما النصيحة المطلوبة مع الكتب فأظن أنها تسوق نفسها الآن إلى قلمي بغير عناء، فإذا نصحت للآنسات ألا يكررن الوسيلة الوحيدة في موضوع واحد ووقت واحد؛ فهي نصيحة مجربة تفيد في أوقات كثيرة على التحقيق.

ومما يساق إلينا بغير عناء، لهذه المناسبة، أنني تلقيت من مدرسة ثانوية بالإسكندرية خطابًا في موضوع كهذا الموضوع وعن كتاب غير هذا الكتاب، فأرسلته إلى طالبه ولخصت له رأيي فيما سأل عنه، فمضى نحو شهر لم يردني منه رد، ثم جاءني الرد بالاعتذار عن التأخير لسبب يرجع إلى التبليغ عن الطرد وتسليم إخطار البريد، ولم تتبع رسالة الطالب رسائل أخرى من زملائه الطلاب.

ألا يكون في هذا شيء من الدلالة على بعض الفوارق بين الجنسين في هذه السن دون العشرين!

أحسبه لا يخلو من دلالة، وأحسب أن الدلالة التي يمكن أن تفهم منه أن الشبان في هذه السن يتنافسون أو يتغايرون بعمل ما يخالف وينفرد، وأن الشابات يتنافسن أو يتغايرن بالحصول على المزية الواحدة، وإنها لظاهرة عامة في جميع الفوارق البينة بين الجنسين.

لا أريد أن أقول إنني سأحتفظ بعناوين الآنسات لأرسل إليهن الكتاب بعد إعادة طبعه، إنني أرجو لهن التقدم من التعليم الثانوي إلى ما فوقه في زمن قريب.

ولكنني أقول: إنني أهنئهن سلفًا بما سيقرأن من أمثاله ومما هو أفضل وأجدى، وكم في الدنيا من كتب يطلع عليها، ومن أوقات للاطلاع!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.