أخرج صديقنا الأديب الشاعر الأستاذ عبد الرحمن صدقي كتابًا في أبي نواس نشرته لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية في سلسلة أعلام الإسلام، وليس أبو نواس ولا بشار من أعلام الإسلام، ولكنهما من أعلام البيان في دولة الإسلام، فلا حاجة إلى الاعتذار، على أن صديقنا رأى مع ذلك أن يعتذر عن حَشرِه أبا نواس، وعن حشره بشارًا في زمرة الأعلام بقوله في المقدمة إن هذه السلسلة ليست وقفًا على الهداة الصالحين والفقهاء وأهل الاجتهاد وأبطال الحرب، وإنما تشتمل على كل من تفيد الترجمة لحياتهم في تمثيل وجه من وجوه الحياة الاجتماعية في العالم الإسلامي حتى تخلص من ذلك صورة كاملة صادقة لما كانت عليه تلك العهود.

وقد توخَّى الأستاذ صدقي في كتابه «إظهار المُترجَمِ له شخصية حية موصول الرحم بآبائه، معقود الأسباب بعصره، يُستَبَان هنا وهناك في سماته وتصرفاته عرق الوراثة وأثر البيئة»، مع الحرص على «تجلية حياته الوجدانية وتطوراته النفسية … فيعود أبو نواس بعد نيِّف ومائة وألف سنة على عالم الحياة بشرًا سويًّا كما بقي في عالم الأدب شاعرًا متدارس الشعر متعارف القدر عبقريًّا».

وعلى هذا يكون الكتاب ترجمة لأبي نواس لا دراسة لشعره، وإنه لكذلك، وإن لم يَخلُ من نظرات هنا وههنا وملاحظات على أثر العصر وعلومه ومعارفه في شعر الشاعر، وأقول في غير تحرُّز إن الكاتب وُفِّق فيما قصد إليه، ولم يبالغ في قوله إنه «قد تهيَّأ له تأسيس البنيان وإقامة الأركان وملء الفجوات بما يتفق مع منطق الحياة دون أن يخلو قول من سند له، أو على الأقل من مصداق على جواز صحته»، فجاءت الترجمة — كما قال أيضًا — «مطَّردة السياق متصلة الحلقات تنتظم حياته في نشأته إلى وفاته مرحلة بعد مرحلة».

ولسنا نرى أن نزيد على وصفه لكتابه وما توخى فيه ورمى إليه شيئًا، فما زاد على أن قال الحق، وخلاصته أنه أجاد الترجمة وأخرجها حيَّة.

وأشد ما كنا نتمنى أن يوجز قليلًا في هذه الفصول ليتسنى له أن يضيف فصلًا أو فصلين في شعر الشاعر، فإنه هو نفسه شاعر مجيد، وفيه حذق وله بصر بهذا الفن الجليل، وكان خليقًا برأيه فيه أن يزيد القارئ معرفة بشعر أبي نواس وفهمًا له، ولكن لعل ضيق النطاق حال دون التفتيش، وكان بودنا كذلك أن يجلو لنا مسألة زواجه أو اكتفائه بالجواري، فإن أبا نواس يذكر في شعره بنتين له يسميهما ولدًا، ولا ندري أيعني بهذا اللفظ البنين على العموم أم كان له ولد من الذكور؟

وقد وصف المؤلف البصرة التي نشأ فيها الشاعر أول ما نشأ، وصفًا أراه على جماله وعلى الصدق فيه، يحتاج إلى قدر من التحفظ، قال: «كانت البصرة حاضرة عظيمة من حواضر العلم، وأحد المِصْرَين — البصرة والكوفة — اللذين كانا قبل بغداد يقومان على إشاعة المعارف والعلوم العربية، وسائر البحوث العقلية والنقلية، ومذاهب الكلام، وألوان الأدب، وضروب الثقافات، وكانتا في ذلك تتنافسان وتتكاثران بالنوابغ والعظماء في كل حلبة وميدان، وكانت البصرة كذلك — بما يزحم أسواقها من التجارات وما اجتمع فيها من الأموال والخيرات — حاضرةً عظيمة من حواضر اللهو تعج بما فيها من الملاهي وأسباب اللذة وموجبات الفتن والغوايات.»

فأما أن البصرة كانت حاضرة عظيمة من حواضر العلم والأدب فصحيح لا شبهة فيه، وأما أنها كانت تعج بما فيها من الملاهي وأسباب اللذة وموجبات الفتن والغواية فهذا فيما أعلم هو الذي يحتاج إلى بعض التحفظ، وما أظن أن مدينة كبيرة تخلو من لهو وعبث ودواعي فتنة وأسباب غواية، ولكن البصرة كانت في ذلك العهد أميل إلى الجد وآثر له، وأزهد في المجون وأشد نفورًا منه من الكوفة، وفي كتاب الأستاذ صدقي الدليل على ذلك، فقد ذكر في صفحة ٢٦ أن الخليفة أبا جعفر المنصور ولَّى محمد بن أبي العباس السفاح على البصرة وأصحبه قومًا يُعاب بصحبتهم ومُجَّانًا زنادقة ليُبغِّضَه ذلك إلى الناس فيرتفع ابنه المهدي عندهم، وما كان أبو جعفر المنصور ليفعل ذلك ويحتال هذا الاحتيال إلا وهو يعلم نفور البصرة من المجون والزندقة.

وقد كان المعتزلة وأهل الورع والتقوى أقوى ما يكونون في البصرة، ولم يَفُتِ المؤلفَ في تقصِّيه أن يذكر كيف هدد شيخ من شيوخ المعتزلة أحد دعاة الزندقة حتى أخرسه، وكيف هتف واصل بن عطاء إمام المعتزلة ببشار حتى نُفِي من البصرة، فلما عاد إليها بعد موت واصل سعى شيخ من شيوخ المعتزلة به حتى نُفِي ثانية!

وكان المُجَّانُ والزنادقة من شعراء ذلك الزمان تضيق بهم البصرة ولا تضيق بهم الكوفة، بل المغنون أيضًا وأهل اللهو والعبث لم يكن يطيب لهم المقام في البصرة، فكانوا لا يكادون يقبلون عليها حتى يرحلوا عنها غير آسفين.

وليس معنى ذلك أن البصرة خلت في ذلك العهد من اللهو والمجون والقصف، فما تخلو مدينة من ذلك، ولكنَّ هناك فرقًا بين قصف ولهو في بيت أو بستان أو حانة، وبين شعر يحض على ذلك ويزينه ويغري به، وهذا ما كان يكرهه أهل العلم والتقوى ويحاربونه.

ورأينا بيتًا مرويًّا على غير وجهه، وذلك في القصيدة الساخرة التي بعث بها إلى الفضل ابن الربيع (ص ١٦٣):

والصواب فيما نعلم: «لو تراني ذكرت بي الحسن البصري … إلخ»، وأظن أن هذا من أغلاط الطبع.

وجملة ما يقال في هذه الترجمة البديعة أن المؤلف كتبها بروح العطف على الشاعر المرزوء الذي عدل به سوء حظه إلى النهج الأعوج والسيرة النكراء، ولا خير في الكلام على ما كان حريًّا أن يكون لو لم يلتق بوالبة فلم يفسده هذا الفاسق العيار، حتى صار المجون عادة له وكالطباع فيه، وإن كان في حكاية والبة معه شك غير قليل، وما أظن إلا أن عبقريته كانت خليقة أن تتبدَّى في صورة أخرى.

الملك فاروق للأستاذ كريم ثابت بك

نشرت سلسلة «اقرأ» — التي تصدرها مكتبة المعارف — كتابًا لزميلنا الفاضل الأستاذ كريم ثابت بك عن «الملك فاروق»، وقد سبق لزميلنا أن أخرج كتابين كبيرين عن محمد علي الكبير والملك فؤاد، ويختلف كتابه الجديد عن كتابيه السابقين في أنه ليس سيرة أو ترجمة وإنما هو وصف لأخلاق الملك — حفظه الله — وشمائله الحلوة، وروحه الكريمة، وقلبه الكبير، وتقواه وتديُّنه كما عرفها وخَبَرها الكاتب بنفسه في مواقف شتَّى بأسلوبه السلس الذي انفرد واشتهر به، وهو كتاب ممتع، يكتسب مزية نادرة من سمو موضوعه، فنرحب به ونثني على مجهود الزميل الفاضل وإخلاصه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.