بعد أن خرجت الدول جميعًا من مؤتمر السفراء وانفرد الإنكليز والترك، ضيَّق اللورد دوفرين، سفير إنكلترا، على الباب العالي طالبًا تنفيذ شرطين؛ الأول: الموافقة على بلاغ ١٥ يوليو بشأن الحملة العسكرية، والثاني إعلان عصيان عرابي؛ فنصحت ألمانيا الباب العالي بقبول الشرطين، فوقعهما في ٦ سبتمبر.

أما إعلان العصيان فرسالة طويلة نأخذ منها ما يلي:

إن كل مقاومة لأوامر توفيق باشا، خديوي مصر المعيَّن بحكم الفرمانات الشاهانية لهذا المنصب، هي مقاومة لإرادة جلالة الخليفة؛ فعرابي بإقلاقه الأمن وبإحلاله الخراب في كثير من الناس قد خالف أحكام القانون، وهو بإقامته المَعاقل أكره إنكلترا، الصديقة الدائمة لحكومتنا السلطانية، على ضرب الإسكندرية.

وقد كرر الباب العالي مرارًا وتكرارًا الأوامر والنصائح الأبوية لعرابي، ولكن عرابي لم يلتفت إلا إلى مطامعه الشخصية، فخالف الأوامر الشرعية بتطويقه مرةً ثانية إبان ضرب الإسكندرية سراي الخديوي، واضطر الأميرال الإنكليزي إلى إنزال الجنود لحماية سُموه. وكانت حكومتي السلطانية قد أوفدت إلى مصر المشير درويش باشا، والشيخ أسعد أفندي، ولبيب باشا، وقدري أفندي؛ ليُقنعوا عرابي بالمجيء إلى عاصمة سَلْطَنَتِنا وتبرير نفسه، وبسطوا جميع الحجج والبراهين التي تُبيِّن له مسلكه الضرَّ والمخالف للشريعة، فكان جوابُه أنه مستمر في خطته، وأنه يقاوم بقوة السلاح كلَّ مَن وَطَأتْ رِجْلاه أرض مصر، سواء كان من العثمانيين أو من الأجانب، كما يُستدل على ذلك من تقارير مندوبنا استدلالًا قاطعًا.

فهذه الحالة لا تغرب أضرارها بذلك الإقليم الذي هو جزء من سُلْطَتنا لا يُجزَّأ، وتهديد عرابي يستحق التأديب الرادع، ثم إنه طلب العفو مرارًا من مولاه، ووعد بالخضوع لجلالة الخليفة وللخديوي، حتى إنه نال من يدي درويش باشا من أجل ذلك النيشان العثماني، ولكنه لم يلبث أن احتقر عفو مولاه وحِلمه وواصل الأعمال المُخلَّة، حتى انتهى به الأمر أنه أعلن هو ذاته أنه عاصٍ متمرد.

والذي يُستنتج من المسلك المُصرِّ عليه أنه يَستحق أن يُعامل طبقًا لأقواله هو ذاته كثائر وعاصٍ؛ لذلك نأمر بإبلاغ الجميع أن عرابي باشا استحق لسلوكه لقب العاصي، وحكومتي مُصمِّمة على تأييد سلطة الخديوي والامتيازات الممنوحة له منا.

هذا الإعلان تُرجم بجريدة الجوائب، التي كانت تصدر بالعربية في الآستانة، وطبعوا منها الألوف وأرسلوها إلى مصر والهند وسائر البلاد الإسلامية، وكان العُربان يدسُّونها بين العساكر المصرية ويحملونها إلى داخل البلاد، وطُبع الإعلان على أوراق صغيرة كانت تُلقى على الآكام، فيحملها الهواء إلى الأماكن القريبة، وكان لها أثر فعال في نفوس الناس.

***

رأى الخديوي توفيق بعد ضرب الإسكندرية أن راغب باشا الذي كان سقيمًا — وهو الذي وصفه اللورد دوفرين بنصف رجل وشريف باشا بالرجل الكامل بقوله: «ذهبت إلى مصر فوجدتُ فيها رجلًا؛ أي شريفًا، ونصف رجل؛ أي راغبًا» — رأى الخديوي أن راغب باشا لا يستطيع تسيير الأمور ولا الإصلاح بعد إخماد الثورة، فأرسل إلى شريف باشا، الذي كان لاجئًا إلى بورسعيد؛ ليأتي إلى الإسكندرية، فعرض عليه تأليف الوزارة، فقبل على شرط أن يدخلها رياض باشا. وكان هذا الأخير قد جاء بعد استعفائه إلى سويسرا وأقام فيها، فلم يركب البحر إلى مصر إلا في ١٧ أغسطس، فأخَّر سفره لتأليف الوزارة.

وفي ١٩ أغسطس، نيط تأليف الوزارة الجديدة رسميًّا بشريف باشا، فألَّف وزارته الرابعة؛ وهي:

شريف باشا للرياسة والخارجية
رياض باشا للداخلية
عمر لطفي باشا للجهادية والبحرية
علي حيدر باشا للمالية
علي مبارك باشا للأشغال
أحمد خيري باشا للمعارف
حسين فخري باشا للحقانية
محمد زكي باشا للأوقاف

وفي هذا الوقت وصل الجنرال ولسلي ووصل أيضًا السير مالت، وغادر مصر السير كولفين، المراقب الإنكليزي للمالية المصرية، وتبعه الموسيو بريديف، المراقب الفرنساوي.

***

أما الأعمال العسكرية، فإنها بدأت في يوم ١٩ أغسطس، فحلت الفرقة الثانية محل الفرقة الأولى الإنكليزية في الخطوط الأمامية بالرمل، وأُركبت هذه الفرقة الأولى البحر، فأيقن الجميع أنهم صمموا على ضرب موقع أبو قير، وهو الموقع الذي كان يحمي ميمنة الجيش المصري في كفر الدوار، وكانوا يعتقدون أن هذا الموقع الذي نزل فيه بونابرت لغزو مصر هو الموقع المعين لكل مهاجم.

وهكذا خدع الجنرال ولسلي عدوه ولم يعلن خطته لأحد، حتى إنه أخفاها عن الجنرال هاملي الذي كان يتولى القيادة في خط الرمل. وقبل أن تُطلق عساكره رصاصة واحدة وجَّه إلى الشعب إعلانًا قال فيه: «إن الجيش الإنكليزي لم يأتِ إلى هذه البلاد إلا لإعادة سلطة الخديوي؛ فهو لا يقاتل غير العُصاة، ويتفادى عن مسِّ الأهالي الهادئين بأي أذًى، ويحترم الأديان والمساجد والعِرْض والمال، وإذا هو أخذ شيئًا لحاجة الجيش فإنه يدفع ثمنه كاملًا.»

وفي ذاك اليوم — أي يوم ١٩ — خرجت قوة الجنرال هاملي من مضاربها في الرمل للاستطلاع في جهة الملَّاحة، ونزل الجنرال ولسلي إلى سفينة الأميرال سيمور، واسمها سلاميس. وبعد الظهر، تحرَّك الأسطول يحمل ثمانية آلاف جندي، وعند المساء وقف قبالة أبو قير ما عدا ثلاث نقالات ظلت متجهة إلى بورسعيد بحماية الدارعة إسكندرا، وكان الأسطول عند رسوه قبالة أبو قير يظهر بمظهر الاستعداد للقتال، فأُوقفت المدرعات في الصف الأول، فأيقن الجنود المصريون بأنهم سيُهاجِمون في الغَداة، فباتوا ليلتهم على مدافعهم، وفي صباح ٢٠ دُهشوا لأنهم لم يروا لعدوِّهم أثرًا؛ لأن ولسلي استأنف سيره ليلًا إلى خليج القناة.

وكانوا يعتقدون أن إنكلترا لا تجرؤ على مس القناة — ولم يكن لها عذر بمسِّها — لأن الشركة كانت ساهرة كل السهر. وإذا كان بإمكان الدوارع حماية القناة، فإن الخوف كل الخوف كان من قطع المياه العذبة، ومِن قطْع الخط الحديدي الذي يصل القناة بالعاصمة «القاهرة»؛ فهذان الشريانان يسيران متحاذيين من الزقازيق مارَّينِ بمنطقة الوادي الخصبة، ثم يمُرَّان بالمنطقة الرملية قبل أن ينتهيا إلى الإسماعيلية، وقبل أن يصلا إلى الإسماعيلية بنحو أربعة كيلومترات يمتد منهما فرعان إلى السويس. وهذان الفرعان المتفرعان عند نفيشة هما تحت رحمة الثوار، فلو أنهم أرادوا الانتقام لقطعوا الفرعين، ولجعلوا القناة مُعطَّلة بالفعل.

فشركة القناة جعلت سياستها الاستغناء عن كل حماية لقناتها ومجاملة الثوار.

وقد اتهم الإنكليز الثوار في أواخر يونيو بأنهم يريدون إقفال القناة بتغريق أحد المراكب فيها، فكذَّب راغب باشا هذا الاتهام بناءً على نصيحة ديلسبس. ولكن الإنكليز ظلوا يُظهرون الخوف والإشفاق على القناة، وظل ديلسبس يدفع شبهاتهم إلى أن سافر إلى لندن وخطب في كوبدن كلوب ضد التدخل العسكري، وطلب معونة الشركة في سبيل السلام والتحكم. ولما عاد من لندن إلى باريز أرسل تلغرافًا إلى ابنه فيكتور، مدير الشركة في الإسماعيلية، بأن كل عمل حربي في القناة مُحرَّم، سواء كان هذا العمل في مدخل القناة أو على ممرِّها، وأن حياد القناة مقدس بالفرمان الصادر بإنشائها.

وفي ٨ يوليو، أُبلغ نص هذا التلغراف إلى سفراء الدول في باريز؛ ليطلبوا من كل دولة من الدول إرسال سفينة إلى القناة لحماية حيادها.

فهذا المسلك جعل الإنكليز يترددون، حتى إنهم أعلنوا استنكار إقدام ضابط من ضباط بحريتهم كان يريد أن يخرج للطواف بالقناة مُعِدًّا زورقًا مسلحًا وإحدى المدفعيات. وعندما ضرب الأسطول الإنكليزي الإسكندرية، أمر ربابنةُ السفنِ الإنكليزية في بورسعيد والسويس سفنَهم بالوقوف عن المرور بالقناة، فاحتج مدير القناة فيكتور ديلسبس، فأحجم غلادستون عن التورُّط، وصرَّح السير شارل ديلك في مجلس العموم بأنهم لم يمنعوا السفن الإنكليزية عن المرور، ولكنهم أبلغوها أن مرورها بالقناة يكون على مسئوليتها الخاصة. ولما رأى ديلسبس وجوده لازمًا في مصر غادر باريز إليها في ١٣ يوليو.

***

ولكن القتال كان قد بدأ فحرَّم الأسطول الإنكليزي على السفينتين الحربيتين المصريتين دنقلة وجعفرية مغادرة ميناء السويس.

وأبلغ اللورد غرنفل الحكومة الفرنساوية في ١٤ يوليو أن المدفعيات الإنكليزية ترافق من ذاك اليوم فصاعدًا المراكب التجارية التي تجتاز القناة، وحذا حذوه فرسينه، رئيس وزارة فرنسا، وبسمرك، ودي برتي، رئيس وزارة إيطاليا.

وجزع الأوروبيون في منطقة القناة عند وصول ديلسبس الذي حاول عبثًا أن يقنع الإنكليز بأن حركة العُربان في الصحراء كانت طلبًا للمراعي، وأن المراكب التي يزعمون أنها تحمل القذائف لم تكن تحمل سوى الحجارة لترقيع الرصيف. ولكن الإنكليز في مصر ولندن لم يكونوا يرتضون بهذه الأقوال، وكانوا يحتجون بتحصين طابية «جميلة» الواقعة على مقربة من بورسعيد.

وفي ٢٢ يوليو، أبلغت حكومتُهم حكومةَ باريز أنه أُذن لسيمور باحتلال بورسعيد والإسماعيلية. وبالفعل دخلت الدارعة أوريون القناة في ٢٦ يوليو رغم احتجاج الشركة، ورست في بحيرة التمساح في ٢٧ منه على مسافة ٨٠٠ متر من المدينة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.