طال ترددي قبل أن أكتب هذه الكلمة، لسبب لا يخلو بيانه من فائدة؛ فقد تلقَّيْتُ الكتاب مع البريد، فلما فضضت الغلاف وقعت عيني أول ما وقعت على عنوانه «أنات حائرة»، ولم تأخذ اسم صاحبه، ولو فعلت لاختلف الحال فإنه صديق كريم. ونفرني العنوان لأني أكره أن تكون الكتب أنينًا، وأرى أن الحزين أو الموجع أو الباكي يحسن أن يستر ما به عن الناس، وأن يتقي فضولهم.

وردني إلى الكتاب ما لا أعلم، فإذا صاحبه «عزيز أباظة بك»؛ فسررت واستغربت، فأما السرور فلأن للرجل في نفسي موضعًا لم يزحزحه عنه شيء مذ عرفته، وإن كانت مشاغل الحياة والعمل قد باعدت بيننا. وأما الاستغراب فلأني أعرف أنه يحتفل بالأدب ولا أعرفه يكتب أو يجد من وقته فسحة لذلك. وقرأت كلمة الإهداء التي خطها فخجلت، وحدثت نفسي أنه رجل يسرف في العبارة عن وده. ونظرت في الفهرس فما جرى بخاطري إلا أنها فصول تسلى بكتابتها في الفراغ القليل من وقته، والأرجح أن لا تكون لها قيمة تذكر، فيستوي أن أقرأها ولا أقرأها، ويحسن أن أكتفي بكلمة شكر أبعث بها إليه، وكان الله يحب المحسنين.

وعدت إلى الكتاب على الرغم من ذلك، فإن القراءة آفة، ونحن نقرأ كل شيء حتى الغث، فلماذا لا نقرأ هذا الكتاب الأنيق الجيد الطبع والورق؟ وتوكلت على الله فقرأت التصدير الذي كتبه الدكتور طه حسين بك، فقلت لنفسي لا حول ولا قوة إلا بالله! هذا طه حسين يخسره الأدب، ولا تكسبه الحكومة فما خلق لها بل للأدب، وإنه ليضيع نفسه في هذه المناصب التي تشغله وتستنفد جهده ووقته، فإذا كتب جاء بماذا؟ بمثل هذا الكلام الذي لا محصول وراءه ولا أعرف له رأسًا من ذَنَب، فلماذا لا يستقيل ويريح نفسه من هذا العناء الباطل، ويتفرغ للأدب؟ ماذا يفتنه من هذا العرض الزائل، والذي أهمل أو ترك أبقى؟ كيف يستطيع بالله أن يواظب على التحصيل وتغذية عقله ونفسه — وهو ما لا غنى بأديب عنه — وكيف يتسنى له التجويد حين يكتب وهو مشغول في ليله ونهاره بهذا الذي لا آخر له من شئون الوظيفة، واللجان وما إليها؟ لقد أسفت يوم تولى هيكل باشا ومصطفى عبد الرازق باشا الوزارة، وقلت إن الأدب والعلم يخسرهما، وأنا اليوم أشد أسفًا؛ لأن الوظائف أطول عمرًا من الوزارة، وأكثر استغراقًا للجهد، وطه يتولى أعمالًا كل واحد منها كافٍ للإرهاق، فمن جامعة فاروق إلى منصب المستشار الفني لوزارة المعارف، إلى عشرات من اللجان يشارك فيها وتأبى له كرامته أن يكون فيها صفرًا، ولو اقتصر على الجامعة لكان خيرًا، ولو نفض يده من هذا كله لكان أفضل.

حملت على طه لأني لم أفهم تصديره، لا لأنه غير مفهوم أو لا يفهم، بل لأني أنا كنت ذاهلًا شارد اللب، وآية ذلك أني لم أعرف من هذا التصدير أن الكتاب شعر لا نثر وإن كان قد ذكر هذا في غير موضع. ورجعت إلى الكتاب بعد أيام فأدهشني أنه شعر، وأنه فوق هذا جيد عامر، وقرأت الإهداء بعناية ففهمت كل شيء.

هي فجيعة في أحوال قاسية لو وصف مثلها كاتب في قصة لقال القارئ إنه شطط في التخيل وإغراق في الإبعاد. وما بعجيب أن يحب رجل زوجته كل هذا الحب، وأن ينطوي لها على مثل هذا الوفاء، وليس الموت ببدع، ولا هو أفجع الفواجع، فإنه عادي مألوف، ومصير لا معدى عنه ولا مهرب منه، وكثيرًا ما ينزل بالمرء ما هو أقسى منه، ولكن الموت حاسم، وهذا شر ما فيه. وقد فجع الشاعر في زوجته بعد أن فجعت زوجته، وهي تكابد تباريح المرض، في أخواتها جميعًا، فصارت لأبنائهم أمًّا وهي المحتاجة إلى الرعاية والتعهد، ولم تزل صابرة متجلِّدة حتى وافاها الأجل.

وكان شهر يونيو أحفل شهور العام بالذكريات السعيدة لهذه الأسرة الكريمة، وكانت تتبادل التهنئات والهدايا والألطاف المرفهة في هذه المناسبات السارة، فأبى الموت إلا أن يعدو على هذه الزوجة البارة الكريمة في شهر يونيو.

ودارت الأيام، كما لا تفتأ تفعل، ودنا شهر يونيو، فرأى الزوج الوفي أن يجعل هديته إلى بنيه هذه المجموعة من الشعر. ويقول الشاعر في ختام كلمة الإهداء: «ستسألونني لمَ أنشر هذا الكتيب على الناس، وليس فيه ما يعني أحدًا غيرنا من الناس، وأود أن أسرع فأجيبكم أنني مذ صحَّ عندي أن أنشره حزمت أمري رعاية لحرمته علينا أن أسمو به ما استطعت، فلن يراه الناس سلعة معروضة، ولن يقتنيه من الناس من ينقدني فيه دراهم معدودة، وإنما سيقتنيه منهم إن شاء الله من يعنيني أن أهديه إليهم، أو من يعنيه لمعنى من المعاني أن يستهديه فيهداه.»

وهذا من أصدق ما عبر به إنسان عن حرصه على تكريم ذكرى عزيزة عليه، وإني لأذكر أني لما ماتت أمي، وكانت كل ما يعنيني من هذه الدنيا، ومن أكرمه وأحبه فيها، نزهتها عن الرثاء، وكنت لا أزال أقول الشعر، مخافة أن يتناوله أحد بذم أو نقد لا يتحرَّز كاتبه فيمسها من بعيد أو ضمنًا وإن كنت أنا أو شعري المقصود بالذم أو النقد.

وهذا هو الذي حملني على التردد — كما أسلفت — في مستهل هذا الفصل، فإنه شعر لا ينشره صاحبه للجمهور، وقد كنت وأنا أقرؤه أحس كأني متطفل على صاحبه في خلوته بنفسه وأساه. ثم قرأت كلمة في «المصور» لصديقي الأستاذ فكري أباظة، فلم أَرَ بعد ذلك بأسًا من ترك هذا التحرج على أن تكون كلمتي عن الكتاب تحية لصاحبه.

وأحب بعد ذلك أن أعرِّف القراء بهذا الشاعر العزيز، فإن هذا القلب الكبير جدير بالكرامة. وقد صدق الدكتور طه في قوله إن «هذه الصور الشعرية التي إن لم تبلغ من الروعة ما يبلغه فحول الشعراء، فقد بلغت من السماحة والنفاذ إلى القلوب ما يبلغه الشعر الصادق الذي يصور عواطف صادقة ويترجم عن نفس صادقة».

والشعر كله جزل مأنوس فياض بالعاطفة، ومن أحلى ما فيه توقيعاته في كراسات بنيه، ولكبرى بنتيه يقول:

وقد صدق، فإن الصبا ترياق الهموم والأحزان، وخير ما يعين على احتمالها.

وكتب للصغرى:

وكتب لابنه أبياتًا منها:

واختلاف القول راجع إلى اختلاف الجنسين. ويقول لابنته وقد لامته:

والمجموعة كلها على هذا النسق الحزين الحلو. وأسلوبه في شعره يذكرك مرة بعمر بن أبي ربيعة، ومرة بالبحتري، وأخرى بكُثيِّر وابن الأحنف ومن إليهما، ولكن محاكاة الأساليب أو التأثر بها لا تمتد إلى المعاني؛ فهذه ينفرد بها الشاعر؛ لأنها من وحي العاطفة الصادقة. أما الأسلوب فأحسب أن المحاكاة فيه جاءت من جراء العكوف على المطالعة.

وبعد؛ فإني أشكر لعزيز بك هديته، وأرحب بها وأعتز، وأبعث إليه بتحيتي، وأدعو له الله أن يمسح على قلبه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.