تُثار من جديد مشكلة اللغة العربية وما تتعرض له من ضعف واستهانة في ذلك. فاللغة هي وعاء الفكر، ووسيلة الاتصال والتفاهم، ورابطة القومية، فضلًا عن تلاحمها بالدين، ولا يمكن أن يُذكر ما حلَّ بها دون أن يَترك في الفؤاد أسًى عميقًا. وقد يفسَّر ذلك بأنه عرض من أعراض متشابكة لداء شامل هو ما يكابده المجتمع من أزمة في هذه الفترة من تطوره، كما قرر ذلك الدكتور زكي نجيب محمود، وهو محقٌّ في رأيه، ولكننا لا نستطيع أن ننتظر دون أن أي فعل حتى يَبْرَأَ المجتمع من دائه، فتتم له الصحة في الزراعة والصناعة والعلم والثقافة واللغة؛ فكل عرض على حدة له علاج قد ينجح فيه الإسعاف، كما قد ينتشر وباء في بلد وينقضُّ على الكثرة من أهله فلا يمنع ذلك من أن يحظى كل فرد بالرعاية المناسبة له، التي لا تتناقض مع المقاومة العامة للوباء.

من هذا المنطلق نطرح ما لدينا من اقتراحات، لعلها تعود على لغتنا بشيء من الصحة والعافية …

وودت أن أبدأ باقتراح يحدُّ من تكدس الفصول المدرسية بالتلاميذ. ولكنني وجدت أنني سأضطر إلى الانتظار حتى نتغلب على الأزمة العامة؛ فعدلت عنه إلى حين. ولكن إعداد المدرس الكفء ليس بالمطلب المستحيل، خاصة وأننا نملك في هذا المجال تجربة ماضية ناجحة، تتمثَّل في خريجي دار العلوم والأزهر القدامى. كان منهم مدرسونا في المرحلتين الابتدائية والثانوية، وكنا لشدة انبهارنا بهم نظنهم معصومين من الخطأ في اللغة وآدابها، وكانوا على دراية بالتعليم والتربية فائقة، وحب للغة لا مزيد عليه، وثراء في الاستشهاد بأجمل ما في الشعر والنثر العربي؛ فعَشِقنا على أيديهم اللغة وتراثها، حتى النحو على صعوبته تفاهمنا معه وأحرزنا فيه مستوًى معقولًا. كيف كانوا يعدون أولئك المدرسين؟ لا أظن أن الأمر يحتاج إلى خبرة أجنبية أو بعثات أو عملة صعبة.

ولنسلِّمْ من بادئ الأمر بأن المدرس الكفء هو الأساس الذي يقوم عليه أي تعليم ناجح. وكان في معاونة المدرس مكتبة المدرسة ومجلتها، وكان من حسن حظنا في صبانا أنْ أفدنا من ذلك كله، فقرأنا في أوقات الفراغ كتبًا قيمة في الأدب والعلم والاختراعات الحديثة، ونشرنا أول كلمة تنشر لنا في مجلة المدرسة، وقد يكون من الترف بعد ذلك أن أشير إلى جمعيات التمثيل والخطابة والأناشيد.

وننتقل إلى النحو وقواعده، ولنسلِّم بصعوبته وتعقيده، وبأن أسرار جماله وقوته التعبيرية لا تتيسر إلا بعد معاناة طويلة قد لا تتسع لها حياة الطالب اليوم المطالب باستيعاب العشرات من المواد العلمية والرياضية والأدبية، فلماذا لا نتقدم خطوة من ناحيتنا بتيسيره وتبسيطه؟ هذه الخطوة أصبحت ضرورة ملحة واجبة الأداء، وهي لها أنصار من رجال لا يرتقي الشك إلى إخلاصهم للغة والدين، وهيهات أن تشكل عقبة لقارئي القرآن الكريم فضلًا عن أن القارئ العادي يقرأ القرآن عادة مستعينًا بهوامش التفسير. وعليه فيجب أن تحظى لغتنا بما حظيت به لغات العالم الحية من تطور وتقدم وتيسير ومسايرة للزمن والحضارة في مسارهما الذي لا يتوقف.

وإذا تَمَّ لنا ذلك — وحتى إذا لم يتمَّ — فعلينا أن نغير طريقة تعليم اللغة من أساسها، وخاصة في الأدب والقراءة. إن دراسة الأدب تقوم على دراسة النصوص المختارة من الشعر والنثر، فيحسن أن نبدأ بالسهل العذب المخالط لأغراض حياتنا، وأن نتدرَّج منه مع التقدم في المراحل التعليمية إلى الأصعب حتى نصل إلى العصر الجاهلي. وأقترح أن تعتمد الدراسة على الاختيار الحر، وأن تتحرر من الامتحان، بمعنى أن يوزع على التلاميذ كتاب للشعر مثلًا، يختار منه الطالب العدد المقرر عليه بنفسه، وفي حصة الأدب يقرأ كل طالب بعضًا مما اختار ويشرحه مع ذكر الأسباب التي من أجلها فضَّله، مراعين سنه ودرجة ثقافته، وبانتهاء الدراسة على هذا النحو يُعتَبَر الطالب ناجحًا في الأدب بلا امتحان لاحق.

ونتبع في القراءة أسلوبًا جديدًا أيضًا، فيقرأ الطلاب الكتاب أو الرواية فصلًا فصلًا في منازلهم، وفي حصة القراءة يلخصون شفويًّا وبلغة فصحى — ما أمكن — ما استوعبوه. ويُختَم العام بأن يكتب كل طالب خلاصة للكتاب من إنشائه مع اشتراط استعمال الكلمات المشروحة في الهامش، وبذلك يعتبر ناجحًا في القراءة. ونفيد من ذلك أمرين جوهريين:

أولًا: أن نفصل بين الأدب والقراءة من ناحية، وبين جوِّ الامتحان البغيض من ناحية أخرى.ثانيًا: أن ندرب التلميذ على النقد والتذوق وحب القراءة، ولا بأس بعد ذلك أن تخصَّص حصة أسبوعية للقراءة الحرة تدور حولها مناقشة عامة بالفصحى تضاعف من ثقة الطالب في نفسه، وتدربه على الكلام السليم والنطق الصحيح.

أما الامتحان فيقتصر على النحو والإنشاء، ولا أنسى في الختام الدور الذي يمكن أن تقوم به الإذاعة بنوعيها «المسموعة والمرئية» في تقريب اللغة الصحيحة إلى الأسماع نطقًا وأداءً وإعرابًا. وقد قدمت في هذا المجال الكثير بإذاعتها القرآنية، وبرامجها الفصيحة، وبحرصها على تدريب وتثقيف المتحدثين باسمها، فضلًا عما تُخَصُّ به الثقافة الرفيعة من برامج خاصة. ولعلي لا أجاوز القصد إذا اقترحت عليها برنامجًا يوميًّا من دقائق معدودة لعرض الأخطاء الشائعة في الكتابة وتصحيحها نطقًا أو إعرابًا أو إملاءً.

ترى هل قدمت بعض ما أودُّ من خدمة للغتنا الجميلة؟ لعل الأفكار كثيرة، ولكن ينقصنا حقًّا التوثُّب للعمل والتنفيذ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.