منذ انقلبت الخلافة الإسلامية من الشورى إلى التوارث، ومن النيابة عن المسلمين إلى الإمارة عليهم، ومن التحدث باسمهم إلى الاستبداد بهم بدعوى الحق المقدس المستمَد من عند الله، ومن يومئذٍ بدأ فقهاء المسلمين ومجتهدوهم يشعرون بيد السلطان تثقل عليهم شيئًا فشيئًا، وبرغم ما كان لهم من احترام ومكانة، فقد بدأ يظهر من بينهم من يحرص في فتواه على رِضَى صاحب السلطان. ولما كانت النظرية الاستبدادية التي تجعل للخلافة والملك والسلطان عرشًا كعرش الله — جل شأنه — وتسبغ على الخليفة، وعلى الملك، وعلى السلطان قداسة روحية مستمَدة من أمر الله، فقد نشط هؤلاء الفقهاء يضعون القواعد، وينظمون حياة الأفراد في كل كبيرة وصغيرة، ويرتبون الجزاء على مخالفة هذا النظام، ويسندون ما يقررون من ذلك كله إلى الدين، ويحمِّلونه بعض ما أتى الرسول والناس، وبعض ما نهاهم عنه. ويشيرون إلى أن قرروا للسلطان من حق الجزاء في هذه الدنيا لا ينفي ما يجزى به الإنسان في الآخرة، ويصورون هذا الجزاء الأخروي تصويرًا فيه من الدقة المادية ما في تصويرهم للجزاء الدنيوي. وهم فيما قاموا به من ذلك لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة من عمل الإنسان وسلوكه، بل لما يجيش بخاطره، وما يهمس به بينه وبين نفسه إلا نظموها؛ فكيف يأكل الإنسان، وكيف يشرب، وكيف يستحم، وكيف يمشي، وكيف يتعاشر مع غيره، وكيف يؤدي التحية، وكيف يردها، وكيف يقوم، وكيف ينام، وكيف يعامل أهله في بيته، وكيف …؟ تستطيع أن تذكر أي شيء مما في أعمال الحياة وتجاربها، سواءٌ كان بين الإنسان وبين نفسه، أو بينه وبين أهله، أو بينه وبين المجموع، أو بينه وبين السلطان، أو بينه وبين الله؛ كل ذلك نوقش وبُحث واستُمد له القواعد والنظم من القرآن، فإن لم توجد في القرآن فمن الحديث، فإن لم توجد في الحديث فمن السنة، فإن لم توجد في السنة فمن الإجماع، فإن لم توجد في الإجماع فمن القياس. وقد استمر النشاط في هذا السبيل عصورًا متوالية، كان يقوم أثناءها الحين بعد الحين مجتهد لا يعنيه كثيرًا هوى صاحب السلطان؛ فيقرر غير ما قرر السلف دون أن يخشى قيامة الفقهاء الرسميين عليه، ورميهم إياه بالمروق والزندقة والإلحاد. فلما بدأت عصور الانحلال في أواخر أيام الدولة العباسية، وكثرت الفِرق خيف أن يقوم بينها من يحاول هدم المذهب الرسمي من ناحية، وخيف من الناحية الأخرى أن يقوم جماعة المعتزلة والمتصوفة بنهضات فكرية تهز في النفوس الكرامة الإنسانية واحترام الذات، وتدعو إلى الانتقاض على سلطان مزعزع ما أيسر ما تعبث به هزات النفوس؛ لذلك قام جماعة من الفقهاء، وقالوا: إن الشعوذة فشت باسم الاجتهاد، وإن أفكار الرفض والإلحاد تروج تحت ستاره؛ وقرروا لذلك إقفال هذا الباب باب الاجتهاد، وضرورة تقليد السلف والأخذ بآرائهم وأحكامهم، واعتبروا كل خارج على هذه الأحكام مارقًا كافرًا جزاؤه جزاء من ارتد عن دينه، ومثواه في رأيهم جهنم وبئس القرار.

استراح كثيرون إلى هذا الرأي، واطمأنت له الدهماء؛ ذلك بأن المحاكاة غريزة في النفس الساذجة، والتقليد بعض فطرتها؛ انظر إلى الطفل أول ما يبدأ حركاته تراه يحاكي من هو أكبر منه محاكاة تامة. والناس يحاكي بعضهم بعضًا في اللباس، وفي التحية، وفي وسائل العيش، وفي كثير من وجوه الرأي، والمرء أسِير عاداته التي نشأ عليها محاكاة لغيره، أو محاكاة منه لنفسه فيما سيق من أيامه. ولا شيء أشق على النفس من أن تنزع إلى الجديد، فإذا قيل لها إن النزوع إلى الجديد إلحاد ومروق، فكم تغتبط طوائف تحرص على ما وجدت عليه آباءها أشد الحرص، وتخاف الجديد كما يخاف الأعشى الضياء. وكذلك اعتبر إقفال باب الاجتهاد في عصور كثيرة، امتدت على القرون رحمة من الله بعباده، وأصبح التقليد التام الأعمى أساس حياة الشعوب الإسلامية في نظام حكمها وشريعتها، وأخلاقها وآداب مجتمعها، وطرائق تفكيرها، وفي معالجتها للعظيم والحقير، والجليل والتافه من كل شئون الحياة.

على أن المحاكاة المطلقة مستحيلة في الطبيعة، والشيء إذا قُلد كان المقلِّد أغلب الأمر دون الأصل، وكان بطبيعة الحال غير ممكن أن يتفوق عليه. والأمر كذلك حتى في مملكة الجماد والنبات؛ فالبذرة الواحدة إذا زرعت في أرض بعينها سنوات متتالية، تأخذ البذرة من ثمرة هذا العام لتضعها نواة لشجرة العام المقبل، انحط الصنف أكثر الأحيان ما لم تلقح الأرض بسماد جديد، أو تلقح البذرة بطعم جديد. والتقليد عند الإنسان أقوى في هذه الناحية أثرًا. وهو كذلك بنوع خاص في مبادئ التفكير والبحث والعاطفة والإحساس. والتقليد في التفكير ليس على الحقيقة تفكيرًا، ولكنه محاكاة وترديد يمثل الإنسان ببناء لا أقل ولا أكثر. والتقليد في العاطفة وفي الإحساس لا شيء من العاطفة ولا من الإحساس فيه. والمقلدون في هذا وذاك مثلهم مثل الفونوغراف ينقل إليك الأصوات والنغمات والتأوُّهات بما قد يترك في نفسك من الأثر شيئًا غير قليل أول سماعك إياه، ثم يضعف بالتكرار والترديد أثره؛ لأنه لا جديد فيه، ولا إبداع ولا حس، بل إن التقليد في التفكير لَينتهي حتمًا آخر أمره إلى قتل الروح، وإلى حصر دائرة العقل في حدود أنانية ضيقة، وإلى جعل صاحبه يرى الفكرة كأنها شيء مادي محدود ككل محسوس مادي، لا على أنها صورة ذهنية قابلة للتجدد في لا نهايات المكان والزمن إذا أريد بها أن تثمر كل آثارها. وهذا هو لسوء الحظ ما انحدر إليه التفكير الإسلامي بعد أن طالت به عصور التقليد، وما انحدر إليه حتى فيما لا يحتمل التجديد، ولا يحتمل التصوير المادي. ارجع إلى كتب المتأخرين من الفقهاء تجد فيها هذه المادية صريحة واضحة ممتدة إلى الروح وإلى الكون، بل ممتدة إلى خالق الكون … تعالى عما يصفون. في كتب هؤلاء المتأخرين ترى وصفًا ماديًّا للعرش، وتصويرًا ماديًّا للملائكة الذين يحيطون به، وللألفاظ المادية التي تخرج من أفواههم في التسبيح بحمد الله وفي تقديسه، بينما يعتبر هذا في رأينا في الإسلام الصحيح وثنية وتجديفًا غير لائقين بمسلم، يقول الكتاب الكريم: (). فهل استطاع العلم الحديث على ما أبدع من أدوات البحث أن يصل إلى حدود السماوات إن كان قد استطاع أن يصل إلى حدود الأرض، وهل يستطيع العقل المؤمن بالله حقًّا أن يضع صورة مادية لهذا الكرسي، وما إذا كان من عقيق أو زبرجد كما يحلو للمقلدين الماديين أن يفعلوا؟ إن العقل المؤمن بالله حقًّا يسمو بهذا المعنى الكريم إلى صورة ذهنية تحيط بكل المكان والزمان، وبكل هذا الكون كوحدة من أزله إلى أبده، وقد رأينا شيوخًا من رجال الدين الذين ينعتون في زمننا هذا بأنهم من كبار العلماء يثيرون المناقشة والجدال حول مسائل ما نشك في أنهم يثيرونها للجدل ابتغاء الغلب اللفظي، ولا تؤمن عقولهم فيما بينهم وبين أنفسهم إن كانت لهم عقول تفكر فيما بينهم وبين أنفسهم بشيء منها؛ مثال ذلك: هذا الجدل الذي ثار حول ما إذا كان الرسل — عليهم السلام — يحيون في القبر حياة مادية يأكلون ويشربون ويتناكحون ويتناسلون، ومثال ذلك: هذا الجدل حول الشمس، وما إذا كانت ساعة مغيبها تختبئ تحت عرش الله العظيم حتى يؤذن لها أن تشرق في الصباح. إن مثل هذا الجدل الذي لا يقبل عاقل أن يشغل نفسه به لا مبرر له إلا هذه المادية الوثنية التي يهوي التقليد بأصحابها إليها، والتي تجعل منهم عباد ألفاظ لا مؤمنين بدين، وعباد صور مادية لا عبادًا لله الذي تنزه عن المادة، وعن الزمان، وعن المكان، وعن كل ما هو محدود من الصور. وقد يدهشك أن ترى هؤلاء الماديين يسوغون هذا النوع من التفكير في مسائل روحية تفكيرًا ماديًّا، بينما يقول الكتاب الكريم: ()، وذلك تنزيهًا للروح، ولكل ما هو من روح الله على أن تحيط به حدود أيًّا كانت. لكنك ملتمس لهؤلاء الماديين عذرًا في جناية التقليد على عقولهم وحدِّها في آفاق ضيقة لا تستطيع أن تسمو فوق ما هي محصورة فيه من حدود الزمان والمكان، بل البيئة وسلطان الحكم الذي تعيش تحت استبداده بها، وتسلُّطه عليها تسلطًا يحُول دون تحليقها وسموها إلى حيث يقتضيها الإسلام الوصول إليه من سمو ورفعة.

وقد شعر المسلمون منذ عشرات السنين بهذه الحال التي انحدروا إليها، وجعل كلٌّ يفكر في وسيلة مغالبتها والتغلب عليها، وزادهم شعورًا بذلك غزو المدنية الغربية إياهم غزو إذلال واستغلال. وما كان لغير المثقفين المهذبة نفوسهم أن يصلوا إلى معرفة السبب لما هوت الأمم الإسلامية إليه. ويكاد الإجماع ينعقد على أن التقليد هو السبب في هذا؛ يكاد ينعقد الإجماع على هذا في مختلِف أنحاء العالم الإسلامي من المغرب الأقصى إلى الهند، وإلى جزر الملايا في إندونيسيا، ومن خلال هذا الإجماع تبدو الثورة على التقليد قوية عاصفة محطمة؛ ولذلك يتراجع التقليد اليوم إلى أضيق الحدود ليدافع عن نفسه، ويحاول أن يتطور شيئًا فشيئًا ليقف من هذا الدفاع في خطوط تعصمه من الهزيمة ولو إلى زمن. ولعله وُفِّق إلى شيء من هذا بعد وقوفه موقف الحرب من تقليد آخر ليس خيرًا منه من الناحية العقلية، وإن يكن له من السلطان عليه أنه تقليد لحضارة الغرب الغالبة في الوقت الحاضر. فإن هذه القيود قيود التقليد الذي هوى إلى أسفل منحدر مادي قد أخذت صورتين واتخذت وجهتين؛ أما الصورة الأولى، فلم تستطع أن تخرج من التقليد إلى الاجتهاد، وإنما خرجت من تقليد شيء إلى تقليدٍ اعتقدته أقل سوءًا، فقد خرجت من تقليد هذه المادية الوثنية اللابسة لبوس الدين إلى تقليد الحضارة الغربية، وتقليد أساليبها العلمية في حرية البحث؛ وانتهت من ذلك إلى الإيمان الأعمى بهذه الحضارة الغربية، وإلى وجوب الأخذ بكل ما فيها، ولما كان الأخذ بحضارة ما غير مُجْدٍ ما لم تتأصل في النفوس قواعد هذه الحضارة ومبادئها، فقد اكتفى هؤلاء بالمحاكاة والنقل، واعتقدوا في ذلك خروجًا بأممهم وبالعالم الإسلامي وبالشرق من نكبته. لقد كنا نأكل فيما مضى كما يأكل المقلدون المسلمون، فنأكل مما يأكل الغربيون، ولنلبس كما يلبسون، ولنقرأ ما يكتبون، ولنكرر ما يقولون، ولنصل من اللباقة في ذلك إلى الحد الذي لا يستطيع الغرب منه أن يقول إنه تفوق علينا. وما دام باب الاجتهاد لم يُقفل في الغرب، وما دام علماؤه وكتَّابه يمدون الشرق بالجديد من تفكيرهم وأدبهم وفنهم أيًّا كان طراز هذا الأدب، وأيًّا كانت قيمته الذاتية، فلهؤلاء المقلدين لحضارة الغرب مدد متصل يجعلهم يقفون من نقد المقلدين للقديم موقف الساخر منه؛ لأنهم يواجهون نقدهم بالمدد الجديد الذي يقرءون؛ ولأن حكم الغرب للشرق يجعلهم يتصلون بالحاكمين في حياتهم، ويحاكونهم في تفكيرهم، وهذا لذاته مبعث غرور تتحطم على جوانبه وجوه نقد خصومهم، وإن بقي هؤلاء الخصوم معتزين بنقدهم مؤمنين بأنهم واصلون منه إلى اتقاء هزيمة محتومة ما كان لهم أن يتخلصوا منها، لولا هذا المرمى الذي يصوبون إليه سهام نقدهم، والذي يوجهون إلى أصحابه في شيء من الغبطة والرجاء في الظفر تهم المروق والإلحاد وعداوة الإسلام.

على أن هذه الحرب من ناحية ومن أخرى بين طائفتَي المقلدين كان من شأنها أن تقوِّي عضد أولئك الذين ثاروا على التقليد القديم الذي هوى إلى أسفل منحدر بالعقل وبالعاطفة وبالشعور الإنساني، والذين حاولوا أن يفتحوا من جديدٍ باب الاجتهاد الذي أُقفل في وجه المسلمين منذ قرون، هؤلاء بدءوا يفكرون ماذا يصنعون بأكداس الأحكام التي تناولت كل دقيقة وجليلة من الحياة، فنظمتها نظامًا عسكريًّا خاضعًا لسلطان الحاكم خضوعًا أعمى يشل التفكير، ويشل المعاني الإنسانية جميعًا في النفس. قال جماعة منهم: «لو أن الله أراد أن يتقيد المسلم بأكثر من أحكام القرآن الكريم، لأنزل على رسوله من الأحكام لتكون بعض القرآن ما شاء، أما وقد وقف القرآن عند كتاب الله الذي يقرر ما أتى الرسول من عند الله وما نهى عنه»، ثم قال: ()، فإن ما سوى القرآن من الحديث والسنة لا يمكن أن يزيد على أنه قدوة ومَثل، كما أن الإجماع والقياس قواعد في المنطق يمكن أن تختلف من زمن إلى زمن. وعلى أساس هذا التفكير تألفت من مسلمي الهند جماعة أهل القرآن، كما أن هذا التفكير قد امتد فيما وراء الهند، بل سبقها أحيانًا في تعاليم السيد جمال الدين الأفغاني، والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وترتب على هذا التفكير بالطبيعة أن خضعت كل الأحكام للقرآن وحده. فإذا لم يوجد في القرآن حكم لأمر ما جرى عليه حكم الحديث: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وأصبح النظر فيما سوى القرآن من الأصول يُقصد به إلى إنارة طريق التفكير، ولا يقصد به إلى أن يكون قيدًا لا يستطيع العقل تخطِّيَه. يقابل أهل القرآن من مسلمي الهند جماعة أهل السنة منهم، إن هؤلاء أكثر تقييدًا بتقاليد الماضي، وإن كانوا يأبون أن يرتبطوا بأكثر من حديث الرسول وسنته. وبين هؤلاء وبين الحركة الإسلامية الرسمية في مصر بعض وجوه الشبه؛ فقد كانت الحركة الإسلامية الرسمية في مصر مقيدة إلى عهد قريب بمذهب أبي حنيفة، فلما آن لباب الاجتهاد أن يُفتح — ولو بمقدار سَمِّ الخياط منه — تيسيرًا للناس لم تجد وزارة الحقانية، ولا وجدت وزارة الأوقاف بدعًا في الإسلام أن تأخذ في كثير من الشئون بأحكام المذاهب المختلفة بما يتفق وحاجات العصر. ولا بأس في أن نضع من الأحكام عن طريق التشريع المدني ما لا تراه يتعارض مع الدين؛ وهذه خطوة إلى ناحية الاجتهاد — لا ريب — ضيقة غاية الضيق، وهي خطوة لم يهد إليها التفكير ولا العقل، وإنما دفعت إليها ضرورات الحياة الملحة؛ وهي لذلك لا تعتبر في نظرنا شيئًا يُذكر إلى جانب الحركة الفكرية التي وضع الأستاذ الشيخ محمد عبده أساسها. وإن كنا نعتقد حركة الشيخ محمد عبده حركة ضيقة النطاق ضعيفة القوة هي الأخرى؛ بدليل أنها لم تثمر في الناحية التي أرادت توجيه التفكير الإسلامي إليها ثمرًا خصيبًا.

وفي رأينا أنه لا مفر للعالم الإسلامي كي ينهض النهضة الخليقة بالدين القيِّم من أن يحطم قيود التقليد الأعمى، وأن يفتح باب الاجتهاد. وأول ما يجب لذلك أن يُقضى في النفس الإسلامية على فكرة النظام الاستبدادي والحق المطلق في الحكم؛ فهذه الفكرة ليست إسلامية البتة، وإنما الحكم في السلام شورى، والحاكم في الإسلام معرَّض للنقد المستمر والتقويم المتصل، وعمر بن الخطاب الذي كان المثل في الشدة والبأس والبطش هو الذي خطب المسلمين فقال لهم: من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقوِّمه. فإذا أيقنت الشعوب الإسلامية أن من حقها تقويم القائم بأمر الحكم واعتباره وكيلها، وآمنت بأن الآية الكريمة: () ليس معناها الاستخذاء والمذلة، ولكن معناها النظام الحر في حدود الله يقيمها ولي الأمر منكم؛ أي ممن وليتم؛ ومن يتعدَّ حدود الله حاكمًا كان أو محكومًا فقد أثم قلبه؛ ومن أثم قلبه حاكمًا كان أو محكومًا، فقد حق عليه الجزاء، وإذا آمنت النفس الإسلامية بهذا، واعتبرت كرامتها الإنسانية بعض ما أوجب الله عليها احترامه، وأن العقل والقلب هما منار الهدى، وأنهما لا يكونان كذلك إلا إذا دأبا مجتهدَين في سبيل الكمال، وأن سبيل الكمال فسيحة تتناول العلم والفن والأدب والفلسفة والسياسة وكل ما في الحياة، وأن هذا الدأب يقتضي الإنسان أن يخلق من التفكير ومن الحس كل يوم صورًا جديدة ترمي إلى هذا الكمال، وإذا آمنت النفس الإسلامية بهذا فُتح أمامها باب الاجتهاد واسعًا، وإذا فُتح هذا الباب تخطى منه العالم الإسلامي محطِّمًا قيود التقليد وأغلاله، سائرًا على هدى الله إلى ما سار إليه المسلمون الأولون من باحات المجد والعظمة في حدود الحرية المنظمة، والخُلق الفاضل، والإيمان الصحيح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.