كانت السماء صفوًا كأصفى ما عرف الناس، وكان الجو صحوًا، كأصحى ما عرف الأحياء، وكانت الشمس مشرقة رائعة الإشراق، يترقرق ضوءُها الجميل في طبقات الجو؛ فيملأ الكون حياة ونشاطًا وبهجة وجمالًا ويفعم قلوب الناس، أمنًا وحبًّا للأمن وسلامًا وحرصًا على السلام.

وكان الناس فرحين مرحين، قد ارتسمت على وجوههم ابتسامات حلوة للحياة، تصور ما في نفوسهم من ثقة بالحياة واطمئنان إلى هذا الهدوء الذي أسبغه الله عليهم إسباغًا فغمر نفوسهم وقلوبهم وملأ ضمائرهم بالغبطة والرضا والاطمئنان. كان منهم المقبل على عمله محبًّا له وراغبًا فيه، وكان منهم المنصرف عن عمله يلتمس الراحة والاستجمام، ويتهيأ لاستئناف نشاط خصب جديد. وكانت أمور الحكم إلى قوم قد أحبهم الشعب وأحبوه، ورضي الشعب عنهم ورضوا عنه. يحملون الأمانة في قوة وحزم وجلد، وثقة بالله، واطمئنان إلى الناس. ويصرفون الأمر حراسًا على الحق والعدل لا يتوخَّون إلا أن يرضى الدستور والقانون، وأن ترتفع ضمائرهم عن كل ما يثير فيها ألمًا أو ندمًا أو حزنًا أو حاجة إلى الاعتذار. يثيبون المحسن ولا يشتطون في عقاب المسيء، ولا يبطشون إلا بمن يعد التغاضي عنه إثمًا وتفريطًا. والناس في هذا كله راضون مبتهجون. فإذا سحاب يظهر من بعيد، لا يكاد الناس ينظرون إليه؛ لأنهم لا يكادون يحفلون به، ولا يكادون يتوقعون منه مكروهًا. ولكنَّ السحاب يدنو ويدنو، ثم يسبقه أزيز خفيف ثم يشتد هذا الأزيز، وينتشر في الجو. ثم يدنو السحاب ويدنو؛ فيزداد هذا الصوت الذي يتقدم بين يديه قوةً وانتشارًا، وإذا هو جلجلة الرعد، وعصف الزوبعة وقصف الريح، وإذا صفو السماء قد استحال كدرًا، وإذا صحو الجو قد استحال قتامًا، وإذا الشمس الجميلة المشرقة قد استخفت فجأة وراء هذا السحاب المنكر البشع القبيح، وإذا الهول قد أخذ الناس من كلِّ وجهٍ. وإذا الشر قد سلط عليهم من كلِّ مكان، وإذا الرَّوع قد سلك إلى قلوبهم كلَّ سبيل، وإذا الأمن قد مُحيَ من قلوبهم محوًا، وإذا الأمل قد أغلق في وجوههم إغلاقًا. وإذا هم في ظلمة منكرة مطبقة كثيفة، لا يرون فيها شيئًا ولا يسمعون فيها شيئًا، ولا يعرفون فيها إلى أين يذهبون: أيقبلون أم يدبرون؟ نستغفر الله! فقد كانوا يرون أشباحًا منكرة مروعة، لا يعرفون من أين جاءت، أهبطت من السماء؟ فما كانت السماء قط منزلًا للشياطين. أم انشقت عنها الأرض؟ فقديمًا تحدث الناس بأن الشياطين تعيش تحت الأرض. أم امتطت متن الرياح والعواصف من أماكن بعيدة نائية حتى أقبلت على مصر، فأفسدت عليها وعلى أهلها كلَّ شيء؟ أخذ الناس لا يرون في هذه الظلمة إلا هذه الأشباح القباح. وأخذ الناس لا يسمعون في هذه الظلمة إلا أصواتها المنكرة تتأذَّن بأن عهد العدل قد انقضى، وبأن ظل الحق يجب أن يزول، وبأن سلطان الباطل يريد أن يبسط ظله على الأرض بسطًا، وبأن جنود الباطل قد أقبلوا يحتلون القلاع، ويغلبون على الحصون. ثم ما هي إلا لحظات حتى تأذنت أصوات الشر بأن صدقي باشا قد وثب إلى الحكم وثوبًا، وبسط عليها يده في غير عدل ولا حق، ولا نظام ولا قانون، ولا رعاية لمنفعة ولا احتفاظ بكرامة، ولا حرص على رضا الخلق والضمير.

غربت شمس الحق فجأة، وأقبل ليل الباطل فجأة، ونجم شياطين الباطل من كل مكان، وملئوا الجو باضطرابهم المنكر وصياحهم القبيح. ونشروا في الأرض فسادًا لم تعرفه الأرض من قبل، وألقَوا على الناس ذلًّا لم يعرفه الناس من قبل، وأقاموا الطغيان صرحًا كان الناس يظنون أنه لن يقام.

أتعرف هذا الليل الطويل الثقيل؟ أتعرف ما يقبل به الليل الطويل الثقيل من هموم وأوجال على الأيقاظ حين يأخذهم الأرق، وما يقبل به الليل الطويل الثقيل من خوف ورَوع، ومن جزع وفزع، ومن هلع واضطراب على النيام حين يغشاهم الكابوس؟ أتعرف هذا كله؟ أتصور لنفسك هذا كله؟ إذن، فقد أقبل هذا الليل الطويل الثقيل — ليل الشياطين — على الناس بشرٍّ من هذا كله، وأقبل على بعضهم بالموت يسعى سعيًا، وأقبل على بعضهم بالألم يسعى، مختفيًا حينًا وباديًا حينًا آخر، وأقبل على بعضهم بعذاب الضمير، وأقبل على بعضهم بفساد الخلق، وأقبل على بعضهم باجتياح الأموال، وأقبل على بعضهم بانتهاك الحرمات، وأقبل عليهم جميعًا بالذل الشامل، والظلم العام، وبالقيود والأغلال؛ لتقيد بها الحرية وتغل، ولتعقد بها الألسنة فلا تقول، ولتحطم بها الأقلام فلا تكتب، وليضطر الناس بها إلى السكون فلا يتحركوا وإلى التفرق فلا يجتمعوا، وليصغر بها الناس في أنفسهم وليصغر بها الناس في أنفس غيرهم، ولتصغر بها مصر في أعين البلاد المتحضرة. بهذا كله، وبشر من هذا كله أقبل على مصر والمصريين ليل الشياطين. فتح صدقي باشا بابه، واستقر صدقي باشا على منصة الأمر والنهي فيه. وأخذ صدقي باشا يأمر فتطيع الشياطين، ويدبر فتنفذ الشياطين، يعبس فتضطرب الشياطين خوفًا ووجلًا، ويبسم فترقص الشياطين رقصًا منكرًا مخيفًا. وقد استقرت من وراء صدقي باشا قوى تسيره، وتسخره، وتلقي على وجهه غشاء العبوس حينًا، وطلاء الابتسام حينًا آخر، والرجل يتلقى غشاء العبوس ويظن أنه يعبس، ويتلقى طلاء الابتسام ويظن أنه يبتسم، ويصدر الأمر الذي يتلقاه، ويظن أنه يأمر، ويعلن التدبير الذي يهبط إليه، ويظن أنه يدبر. تمثال ظن أنه إنسان، وصورة قدرت أنها شخص حي.

ما أشد الغرور، وما أعظم سلطانه على الناس! لقد اغتر صدقي باشا فظن نفسه شيئًا، واغتر أصحابه فظنوا أنفسهم وزراء، وما زالت العواصف تعصف، وما زالت الشياطين تعمل، وما زال صدقي باشا وأصحابه يتلقون ويلقون ويأتمرون ويأمرون إلى أن ضعف الرجل، حتى عن أن يكون أداة، وعجز حتى عن أن يكون صورة. أدركه المرض، ثم أدركه الفشل، ثم رغب عنه مسخروه، وقال قائلهم: إن هذا الرجل مغرور، فلننصرف عنه إلى رجل غير مغرور. وقال قائلهم: إن هذا الرجل يرى نفسه شيئًا فلننصرف عنه إلى رجل يرى أنه ليس شيئًا. وقال قائلهم: إن الرجل الطيب في باريس وجاءوا بالرجل الطيب، فأقاموه مقام الرجل العظيم. دَعَوه فاستجاب، وأقاموه فقام، وأمروه فأتمر. ومضى ليل الشياطين طويلًا ثقيلًا لا يكاد ينقضي، بل لا يكاد يتقدم. ولكنَّ الشمس أشرقت فجأة كما غربت فجأة. ولكنَّ السماء صفت ولكنَّ الجو صحا، ولكن السحاب قد أخذ ينأى وينأى، ولكن صوت الرعد قد أخذ يخف ويخف. وها نحن أولاء نرى السحاب ينأى ويغلو في النأي، ونرى جلجلة الرعد، وعصف الزوابع، وقصف الريح قد استحالت إلى أزيز يخفُّ ويخف. وترى الأمن قد أخذ يسلك سبله إلى القلوب، ثم تنظر فترى الرجل الطيب يصعد إلى القطار في الإسكندرية عائدًا إلى القاهرة؛ ليصرف الأعمال فيها حتى يتقدم إليه صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فيجهز على هذا العهد إجهازًا ويريح رجاله وأنصاره من هذا الاحتضار الطويل. أرأيت إلى الجند حين يقضى عليهم بالموت، وحين ينفذ فيهم القضاء؟ إنهم يصرعون، ثم يتقدم إليهم من ينفذون فيهم الحكم، فيريحونهم بطلقة أخيرة من نزع الموت وصراع الألم. فإن قضاء الله قد صدر على هذا العهد، وإن حكم الله قد نفذ في هذا العهد، وإن هذا العهد قد صرع، وإنه ينتظر الطلقة الأخيرة التي تلقي عليه ستار الفناء وتريحه من كل ألم، وتسلمه إلى التاريخ. وإن هذه الطلقة آتية لا ريب فيها، آتية اليوم أو آتية غدًا، آتية على كل حال. ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نراه يتخبط ويحتمل ثقل الآلام لسكرات الموت. فقد كان هذا العهد يجد اللذة الآثمة في عذاب الأبرياء، فليس على الأبرياء بأس من أن ترتاح ضمائرهم لنفاذ عدل الله وعلو كلمة الشعب.

إنا لنسمع صيحات ضئيلة تضطرب في أنحاء الجو يحسبها الناس دفاعًا عن هذا العهد، وجهادًا في سبيل الإبقاء عليه.

كلا، إنها لصيحات اليأس، إنها لأنات الاحتضار، إنها لنذر الفناء. إن المصريين خليقون أن ينظروا؛ فإن الصبح قد أخذ يسفر. إن المصريين خليقون أن يبتهجوا؛ فقد انجلى عنهم ليل الشياطين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.