لن أبيح لنفسي أن أتعمق الأحداث الطارئة في مصر، وبيني وبين الوطن بر شاسع، وبحر عريض، وإنَّما أصور ما تأثرت به في هذا المكان البعيد حين جعلت أنباء هذه الأحداث ترقى إليَّ من السهل، أو يحملها إليَّ البرق والأثير، فقد كان هذا التأثر أول الأمر تأثر القلق والإشفاق حين ألقى إليَّ التليفون من باريس الأنباء الأولى لحركة الجيش، وما هي إلا ساعات حتى استحال هذا القلق والإشفاق إلى شيء من الطمأنينة فيه ميل شديد إلى الاستطلاع والعلم بحقائق الأشياء، فقد حمل إليَّ التليفون من روما أنَّ قائد الجيش لم يتولَّ الحكم، ولم يصطنع العنف، وإنَّما طلب أن تكون أمور الحكم إلى رجل ثقة يطمئن المصريون إليه على اختلاف ميولهم وأهوائهم، ولم يكد يبلغني اسم هذا الرجل الذي أُسندت إليه شئون الوزارة من الغد حتى أحسست الرضى، وجعلت أحس شيئًا من التفاؤل يُمازجه شيء من الإشفاق أن تفلت الأمور من أيدي المشرفين عليها، وأن تفسد بعد أن همَّت بالصلاح، وجعلت الأخبار يتلو بعضها بعضًا بالبرق والتليفون من روما وباريس، ومن طريق الصحف والراديو.

وما هي إلا أن تثوب إليَّ الثقة، ويعود إليَّ الأمل، وأحس أنَّ مصر قد وجدت نفسها ولم يُخطئها التوفيق، ولم تحد عن قصد السبيل؛ وإنَّما ملكت أمرها، وضبطت نفسها، ومضت في طريقها إلى الإصلاح ثابتة رزينة، لم تسرف على نفسها وعلى غيرها في شيء.

ثم أُصبح ذات يوم فأقرأ في الصحف أنَّ الكتاب قد بلغ أجله، وأنَّ سلطانًا قد انقضى عهده، وأن سلطانًا جديدًا قد أخذ يستقبل الحياة، هل أستطيع أن أصور ما ثار في نفسي من العواطف، وما دار في عقلي من الخواطر، وما خفق به قلبي من الشعور، لقد ذكرت عهدًا مضى كان رئيس الوزارة القائمة فيه ناهضًا بأعباء الحكم حين زال سلطان، وجعل سلطان جديد يستقبل الحياة، هنالك نهض علي ماهر بالعبء كأحسن ما ينهض الرجل الثقة الجلد بالعبء الفادح الثقيل، لم يخرج عن طوره ولم تخرج مصر عن طورها؛ وإنَّما مضى الأمر في طريق مستقيمة حتى أقرَّ البرلمان ما أقر، وأجريت الانتخابات حرة كريمة هادئة مطمئنة، وانتهت إلى نتائج لم ينكرها أحد من المصريين، وإنَّما قبلها النَّاس جميعًا راضين بها مؤمنين لها، وخرجت مصر من ذلك المأزق دون أن تلقى كيدًا.

في ذلك العهد لم يكن الجيش في حاجة إلى أن يتدخل في أمر من الأمور، فظلَّ في مكانه مُؤديًا لواجبه منصرفًا إليه عن كل شيء، أمَّا في هذه المرة فالجيش هو الذي أثار هذه الأحداث، لم يُثرها عن طمع، ولا عن طموح، ولا عن رغبة في منفعة أو رهبة من مضرة؛ وإنَّما أثارها؛ لأنَّ المدنيين كانوا قد وصلوا من العجز عن تقويم المعوج وإصلاح الفاسد، إلى حيث لم يكن بد من أن يقوم العسكريون مكانهم بما حيل بينهم وبين القيام به.

والله عز وجل يقول: ().

فقد كان الجيش هذه الأمة التي دعت إلى الخير، وأمرت بالمعروف، ونهت عن المنكر، وسارعت في الخيرات، وأيَّدت هذا كله بالقوة التي خُلقت لتنصر الحق، ولم تُخلَق لتنصر الباطل عليه، وقد أُمرنا إذا رأينا منكرًا أن نغيره بأيدينا، فحيل بين المدنيين منا وبين تغيير المنكر بالأيدي، وأُمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا أن نغيره بألسنتنا، فحيل بين الألسنة وبين القول، وحيل بين الأقلام وبين الكُتَّاب، وأُمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا ولا بألسنتنا أن نغيره بقلوبنا، وقيل لنا: إنَّ هذا أضعف الإيمان، وقد أُلجئنا إلى ضعف الإيمان إلجاءً، واضطررنا إليه اضطرارًا، فجعلنا نغير المنكر بقلوبنا نستعين الله عليه، ونرجو أن يقيض له من أولي البأس والقوة قومًا لا يخافون في الحق لومة لائم، يستطيعون أن يقولوا، وأن يفعلوا، وأن يَعِدوا، وأن يوفوا، ولقد كنا ننكر بقلوبنا، وننكر بألسنتنا حين يَلقى بعضنا بعضًا، ثم لا نستطيع أن نتجاوز ذلك إلى الجهر بالدعوة إلى الحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

ولقد كنا نُفكِّر فنحاسب أنفسنا على ما نُفكِّر، ونكتب فندير الجملة أو الكلمة في رءوسنا قبل أن نُلقيها إلى القلم ليخطَّها على القرطاس، وكُنَّا نُرسل المقالة إلى الصحيفة ونحن نُقدِّر أنَّها لن تُنشر؛ لأنَّ الرقيب كان لها بالمرصاد، فإذا نُشرت منقوصة، أو كاملة جعلنا ننتظر أعقابها، ونسأل أنفسنا: أتمضي بسلام، أم تدفعنا إلى سجن من هذه السجون، وإلى معتقل من هذه المعتقلات، أو تُفسد علينا بعض أمورنا الخاصَّة، أو تحد من حريتنا في الحركة والانتقال؟ وأشهد لقد أحسست كأنَّ ثقلًا ثقيلًا قد وضِع عن عاتقي حين تحركت بي السفينة خارجة من مصر، وأشهد لقد تنفست ملء رئتي حين أحسست أنَّ يدَ السلطان قد قصرت دوني أثناء إجازة الصيف التي أقضيها بعيدًا عن مصر، وجعلت أحاسب نفسي حين أكتب لا مخافة السجن، أو المعتقل، ولكن مخافة الحذف والبتر والتغيير والتبديل والإساءة إلى الصحيفة التي تنشر ما أرسله إليها من فصول.

وقد وصلت إلى إيطاليا، ووصلت إلى فرنسا بعد ذلك، ولقيت النَّاس في روما وباريس، وفي غير روما وباريس، وأُقسم ما أحسست بالخجل قط، كما أحسسته في هذه الرحلة قبل أن تحدث الأحداث الأخيرة؛ فقد كان النَّاس يتحدثون إليَّ متحفظين يكرهون أن يُؤذوني في ذات وطني، يقولون لي قليلًا، ويضمرون في أنفسهم كثيرًا، وأحس منهم ذلك فأستحي وأمعن في الحياة حتى يضطرب قلبي، ويضطرب لساني قبل أن يتكلم، وحتى أجد لذعًا ممضًّا، كأنما كنت أجلس معهم على جمر الغضى، كانوا يعرفون من سيئات الحكم في مصر مثل ما كنت أعرف، كانوا يعرفون أنَّ مصر قد فقدت حريتها، وأن أبناءها يعيشون في ظل الخوف والهلع، وأنَّ حاكمها العسكري يستطيع أن يسوم أبناءها ما يشاء من الخسف دون أن يخشى بأسًا أو لومًا أو رقيبًا، وأنَّ أحكام القضاء فيها تصدر فلا تنفذ، ولا يحفل بها السطان، وأنَّ الحاكم العسكري قد حاول أن يحجر على القضاء، ويمنعه من النظر في بعض المظالم إن رُفعت إليه، كانوا يعلمون هذا كله، ويتجنبون التحدث إليَّ فيه إلا بالإشارة والتلميح، وكنت أتحفظ في إجابتي كما كانوا يتحفظون في أحاديثهم، كانوا يستحون مني رفقًا بي، وكنت أستحي منهم استخذاء مما صارت إليه الأمور في وطننا.

أما قراءة الصحف فكانت عذابًا أي عذاب، وما أكثر ما كانت الصحف تقول عن مصر، وما أكثر ما كانت تعيبها بالحق قليلًا وبالباطل كثيرًا، حتى نغصت عليَّ الحياة في أوروبا كما كانت منغصة في مصر، ولم أشعر بشيء من الراحة المرة، إلا حين أويت إلى هذه القرية البعيدة التي لا أعرف فيها أحدًا، ولا يعرفني فيها أحد، والتي لا أكاد أتحدث فيها إلا إلى الأهل والرفاق، في هذه القرية كظمت غيظي، وجعلت أجيله بيني وبين نفسي مصبحًا وممسيًا، أقرأ قليلًا في الصحف، وأقرأ كثيرًا في الكتب، أفرُّ إلى القدماء من المحدثين، وأحتمي بالتاريخ من حياتنا الحاضرة.

ثم تصل إليَّ الأنباء بأنَّ الأمور قد أخذت تتغير في مصر، فأتردد بين الشَّكِّ واليقين، فما أكثر ما تغيرت الأمور في مصر منذ أول هذا العام دون أن يُؤدي هذا إلى خير.

تَتَابَعُ الأنباءُ، وإذا ظلمة الشك تنجلي، وإذا نور اليقين يغمرني من جميع أقطاري، وإذا أنا أحس أن كرامة مصر قد رُدَّت إليها، وأن غمرة الطغيان قد انجلت عنها، وأنَّها قد أخذت تستأنف طريقها في ضوء مشرق من الثقة والأمل، لا تخشى أن يمكر بها الماكرون أو يكيد لها الكائدون؛ لأنَّ الجيش قد أمَّنها على حياتها الداخلية، ومن ذا يستطيع أن ينكر أنَّ الجيش إذا كان من الحقِّ عليه أن يُؤمِّن الوطن من العدو الخارجي، فإنَّ من الحقِّ عليه كذلك أن يؤمِّنها من العدو الداخلي؛ ذلك أنَّ فساد الأمر في داخل الحدود يُعرِّض الجيش نفسه لخطر أي خطر، وقد ذاق الجيش مرارة هذا، فصابر وصابر حتى أصبح الصبر جبنًا وإقامة على الذل، هنالك أقبل الجيش فقال للمواطنين: لا بأس عليكم ما دمت معكم أحميكم ممن يريد بكم السوء، سواء جاء من خارج الحدود أو من داخلها.

بارك الله للجيش فيما فعل، وبارك الله للجيش فيما يفعل، وبارك لمصر في الجيش، ووقى مصر كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وخيانة الخائنين، ووقاها مشيري السوء الذين يُفكرون في أنفسهم قبل أن يُفكروا في الوطن، والذين يتخذون الوطن وسيلة إلى إرضاء شهواتهم، وشفاء ما في نفوسهم من غلٍّ وجشع وحقد.

لقد ثابت مصر إلى نفسها في هذه الأيام الأخيرة، فعسى ألا تفقد مصر نفسها مرة ثانية، إنَّ الآمال أمامها لواسعة، وإنَّ الطريق لواضحة، وإنَّ وسائل الإصلاح فيها لمكفولة، فهل هي سالكة طريقها الواضحة المستقيمة إلى آمالها الواسعة الكريمة؟ وهل هي آخذة أمورها كلها بالحزم والجد والعدل والإنصاف؛ لتحقق في مستقبل أيامها القريبة مجدًا يُلائم أيامها البعيدة؟

بهذا كله تتحدث نفوسنا وتخفق قلوبنا، فاللهم اسمع واللهم استجب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Ragaa Fikry ·١٤ نوفمبر ٢٠١٣، ١٢:٥ م

    رجاء فكرى