منذ قيام الحملة الإنكليزية إلى بورسعيد في ٢٠ أغسطوس، أخذ الخديوي يسعى لتأليف حكومة، أو كما كانوا يقولون يومئذٍ: لتأليف شبه حكومة تحت رقابة السير مالت — قنصل إنكلترا — الذي عاد إلى مصر بعد نزول الجنود الإنكليزية على ضفة القناة.

ونشر شريف باشا برنامج وزارته فقال فيه: «إنَّا لا نذهب إلى أبعد من برنامجنا الذي نشرناه في شهر سبتمبر من العام الماضي، ولكننا لا نتقهقر عنه.»

وكان برنامج وزارته المنشور في ١٤ سبتمبر ١٨٨١ يتضمن «تأييد حُسن الاقتصاد وتنظيم المجالس المحلية، ووضع قوانين متناسقة، وتحديد القوة التشريعية والقوة القضائية والقوة التنفيذية، والقيامَ بالأعمال النافعة، ونشرَ المعارف، وتجديدَ مدة المحاكم المختلطة، وإبرامَ اتفاقات تجارية مع الدول.»

وجاء في رد الخديوي على هذا البرنامج الوزاري «أنه مصمِّم على أن يستخدم بعد اليوم سلطته في الجيش أكثرَ مما كان في الماضي.» وقد عدوا يومئذٍ قبولَ رياض باشا وزارة الداخلية من خصمه شريف مزاحمة، تضحيةً وطنيةً أكبروها. وهكذا اجتمع حول الخديوي توفيق في تلك الساعة الحرجة أكبرُ رجال الأمة، ما عدا نوبار الذي ظلَّ قابعًا في الآستانة ينتهز الفرصَ كعادته.

ولم يكن لدى شريف وزملائه ما يتولَّوْن إدارته غير مدينة الإسكندرية، ولكن هذه المدينة وحدها كانت كافيةً لتسبِّب لهم التعبَ والنَّصَب. وأكبر هذه المتاعب من المهاجرين الذين عادوا والذين استمر سيلهم متواصلًا، وكان بينهم من لا يملك قوتَ يومه، فكان هؤلاء المعدمون سببًا من أسباب الاضطراب.

وأرسل شريف باشا في ٢٧ أغسطوس منشورًا إلى القناصل قال فيه: إنه تفاديًا عن الخطر ونظرًا لانقطاع المياه عن المدينة، قد صمم على منع نزول العائدين إلى المدينة، لا سيما الذين لا يملكون موردًا، كذلك الفَعَلَة الذين لا عملَ لهم ولم يتعهد استخدامهم أحد المقاولين.

ولقلة المياه قرَّرت الحكومة أن توزِّع عشرين لترًا في كلِّ ثلاثة أيام على كلِّ شخص. وبما أن الأجانب ما كانوا يجدون الشيَّالين لحمل المياه إلى منازلهم، كانوا يبتاعون البلاصة الواحدة بخمسة قروش صاغ.

وكان هؤلاء الأجانبُ يعزون ذلك إلى الإنجليز لشدتهم في معاملتهم، وقال مراسل الطان في رسالة نشرتها جريدته في ٨ سبتمبر: «والظاهر أنه ليس هناك سوى غرض واحد، وهو إقناع الوطنيين بأن الإنجليز لم يأتوا مصر لعقابهم، بل للعفوِ عنهم، وكانوا يُظهرون الاشمئزازَ من كلِّ عمل من أعمال التأديب.»

ولما رأى البدو اللِّين أخذوا يَفِدون على أطراف المدينة، وأراد الجنرال هاملي الضربَ على أيديهم، ولكن أوامرَ القيادة العليا كانت تمنعه.

وفي أول سبتمبر تلقَّى الجنرال هاملي الأمرَ بأن يركب البحر إلى الإسماعيلية مع آلاي الجنرال آليزون السكوتشي، فلم يبقَ في الإسكندرية للدفاع عن الخطوط سوى الجنرال إفلن وود وبقايا أحد الآلايات في جهة الرمل والمكس.

لذلك تولَّى الخوف والفزع حاشيةَ الخديوي والأجانب وقلقت لندن ذاتها، فقرروا وصلَ بحيرة مريوط بالبحر ليرفعوا مستوى تلك البحيرة، ولتتمكَّن زوارق الأسطول من دخوله والإبحار فيه والدفاعَ عن الجهة الجنوبية. على أنهم عرَّضوا في الوقت ذاته تلك المنطقة الواسعة الخصبة لتلف الزراعة، ولكن الفتحة التي أخذوا بفتحها من جهة المكس لم تنتهِ إلا في ١٢ سبتمبر، فانكسر عرابي في ١٤ منه؛ أي قبل أن يفعل الماء المِلْحُ فعله في الأرض، فاتخذوا للحال الوسائل الفعَّالة لدرء الضَّرَر.

ولقيت الحكومة المصرية صعوبةً أخرى سياسية مع دولة النمسا؛ وذلك أنه في ٢١ أغسطوس خدع الناس تظاهر الإنجليز ضد أبو قير، فذهبت سفينة نمساوية إلى هناك وهي واثقة بأن أبو قير في قبضتهم، فنزل منها ضابط و١٢ جنديًّا إلى البر، فأخذهم الجنود المصريون أسارى؛ وكان الخوف على حياتهم شديدًا جدًّا، ولكنهم أطلقوا سراحهم في ٢٦ أغسطوس.

وكان من متاعب هذه الوزارة ظهورُ الهواء الأصفر، فإنه حدثت أربعُ إصابات في ٣٠ أغسطوس على ظهر باخرة قادمة من بومباي، فأمر مجلس الصحة البحرية الحجر على كل باخرة قادمة من بومباي أو عدن، فأوقع القرارُ الارتباكَ في أذهان الإنجليز؛ لأن الهند تمدُّهم بالرجال، ولأن عدن هي المخزن الهام العام للجيش، فاحتجَّت السلطة العسكرية، فاكتفوا بعد احتجاجها بالزيارة الطبية.

وهذا القرار الثاني كانت له أشد النتائج؛ لأنَّ إلغاء القرار الأول كان سبب انتشار الهواء الأصفر بمصر انتشارًا هائلًا مريعًا في سنة ٨٣، ثم انتقاله إلى أوروبا في سنة ٨٤. وكانت الجنود المصرية تراقب عند عودة الحجاج الحدودَ، وتمنع الحجاج من الدخول قبل تطهيرهم، ولكن عرابي الذي كان منهمكًا بإعداد معدات الدفاع تركَ الحجاجَ وشأنَهم.

ولم يكن باستطاعة الخديوي استخدامُ الجنود المصرية؛ لأن القوة التي ظلت معه هي الحرس الذي رافقه في سفره من القاهرة إلى الإسكندرية في ١٣ يوليو، ولم يكن بإمكانه أن يدعوَ أحدًا لحمل السلاح؛ لأن الوطنيين كانوا مسئولين على البلاد وأهلها.

كذلك قل من حبوط الوزارة في تأليف بوليس وطني للإسكندرية؛ لأنه ظهر بعد البحث أن بقايا المستحفظين هم ممن اشتركوا بمذبحة ١١ يونيو، فلم يكن بالإمكان استخدامهم.

ولكن الخديوي ووزارته كانوا يودون أن يجدوا نواةً عسكرية صغيرة، حتى إذا ما حان أوان تولي الحكم وإصلاح الشئون، كانت هذه النواة موجودة يُعتمد عليها، فأرسلوا في ٢٠ أغسطوس إلى تركيا من يجمع لهم المتطوعين. ولكن الخبر وصل إلى الباب العالي، فأصدر أمره بالقبض على الرسل والدعاة، وبمنع المتطوعين من السفر.

فخطر لهم حينئذٍ أن يستخدموا «المأجورين» من السويسريين والطليان والبلجيكيين وسواهم، ولكن عقبة المال قامت في وجههم؛ لأن الأموال المتحصَّلة حتى أول سبتمبر لم تكن تزيد على ٦٥٠ ألف جنيه، وقد قرب موعد دفع كوبونات الدين الموحد والدين الممتاز.

أما القاهرة فإنها ظلَّت هادئة ساكنة بفضل مأمور الضابطة إبراهيم فوزي، ولم تقع فيها سوى سرقة واحدة: هي سرقة منزل المستر بلنت المشهور، وقد ظَهَرَ أنهم سرقوه ليصلوا إلى السلاح؛ لأن المستر بلنت قال للإجبشيان غازت في ٢١ أغسطوس: «إنه كانت عنده كمية من بنادق ريشتر ومدفع صغير، وإن هذا السلاح أعده لحملة كان ينوي القيام بها في بلاد العرب في سنة ١٨٨١.»

أما الحادثة الثانية في القاهرة، فهي أن خدم أحد أساتذة الموسيقى من الفرنساويين قتلوا سيدهم ليسرقوا ماله.

على أن غضب الجمهور تحوَّل إلى تمثال البطل الفاتح إبراهيم باشا؛ لأن جماعة من العلماء حكموا بأن وجهه شبه وجه توفيق؛ فهو خائن مثله، ولأن القرآن يحرِّم نصب التماثيل، فأنزلوا هذا التمثال عن قاعدته في العتبة الخضراء بين التكبير والتهليل، ولكن إحدى قوائم الجواد انكسرت وأُصلحت بعد نصبه في ميدان الأوبرا.

ولما سُئل عرابي عن موافقته على ذلك قال: «إنه وافق على إنزال تمثال إبراهيم باشا تنفيذًا لفتوى العلماء، وإنه سمع أن الجمهوريين في فرنسا أنزلوا تمثال لويس السادس عشر في سنة ١٨٤٨ وحطموه. فأي عيب عليَّ إذا كنت قد نفَّذت الشريعة واقتديت بالجمهوريين؟!»

وبعد إنزال تمثال إبراهيم باشا تحوَّل الجمهور وهو صاخب يصيح وأمامه بعض العلماء إلى كوبري قصر النيل، فأنزلوا تمثالي الأسدين.

وفي خلال ذلك كان الإنجليز يفكِّرون بمصير العصاة، فكتب شكيرس وكيل جريدتهم في أول سبتمبر؛ أي قبل أسبوعين من المعركة الكبرى: «إن الجيش المصري سيحل ويحاكم الزعماء، ولكنه لا يُعدَم أحد منهم دون إذن إنكلترا، وإنكلترا لا تتدخَّل لمصلحة الذين أحرقوا الإسكندرية أو أساءوا استخدامَ الأعلام البيضاء في ١٢ يوليو وذبحوا الأجانب، أما الآخرون فتظل حياتهم سليمة.»

وبما أن إنكلترا تدَّعي أنها مندوبة الخديوي، فإنها تركت له التظاهرَ بعقاب الرعايا الثائرين، وأخذ مالت من الخديوي وعدًا بأنه لا يُعْدَمُ أحد دون إذنه هو، ووعد شريف بتأجيل العقاب إلى ما بعد انتهاء الثورة، وأنه يحول القضايا على مجلس عسكري يكون أحد الضباط الإنكليز من أعضائه.

وشكا الأسرى من سوء معاملتهم بالسجون، فأرسل غرنفل تلغرافًا شديد اللهجة إلى الخديوي.

وأراد الإنكليز أن يُظهروا جيشهم بمظهر القوة الدولية، فطلبوا من الخديوي أن ينتدب بعضَ الضباط ليرافقوا أركان حرب جيش ولسلي، فانتدب ثلاثة أوروبيين كانوا في خدمته وثلاثة مسلمين، وانتدب مندوبًا ساميًا ملكيًّا يكون لدى الجنرال ولسلي؛ هو محمد سلطان باشا — رئيس مجلس النواب — الذي رافقه إلى الإسكندرية وقام معه فيها. وللرجل صلات وثيقة بمشائخ العربان والأعيان، فبذل سلطان باشا المال واستمال الناس إلى الخديوي والإنكليز، وكان نجاحه كبيرًا حتى هنَّأه الجنرال ولسلي.

ولسلطان باشا مقام خاص يتطلَّب الإطالة في عمله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.