«عرائس وشياطين؟» أي نعم، لأن الأساطير «اتفقت» — كما يقول في التمهيد — على أن الشعر من وحي العرائس، أو من وحي الشياطين، فاختار الأوربيون أن يتلقَّوا وحيهم من عروس، واختار العرب أن يتلقَّوا وحيهم من شيطان، ولا نراهم اختلفوا كثيرًا في نهاية المطاف، وإن اختلفوا قليلًا في الخطوة الأولى، فنهاية العروس أن تعمل بشيطان، ونهاية الشيطان أن يعمل بعروس، وما نظنهما عملَا قطُّ منفردين في فؤاد إنسان.

ويسوق الأستاذ العقاد بيتين لرجاز يزعم فيهما أن شياطين الشعراء جميعًا — ما عدا شيطانه هو — إناث، ثم يقول: تُرَى هل إناث الشياطين جميلات كالعرائس المعشوقات؟ عند السعدي — الشاعر الفارسي — جواب يحسم الخطاب؛ فهو يقول إن الشيطان نفسه جميل يغوي القلوب بجماله، وإن أبناء آدم إنما مسخوه في الصور والتماثيل لأنه حَرَم أباهم الفردوس فحرموه الجمال، فالشيطانات إذن أحق بالجمال وأقرب إلى العرائس، وما هؤلاء وهؤلاء إلا كما قال المعري: «قريب حين تنظر من قريب».

ووقفت عند قوله في ختام التمهيد الوجيز: «وحسبنا منها (أيْ من هذه المجموعة) شرط واحد نرجو أن يتحقق لها جميعًا في رأي قرَّائها، وذلك أنها — وهي من وحي العرائس والشياطين — خير ما يقرب الإنسان إلى قلب الإنسان.»

ثم ذهبت اتصفح هذه النخبة المجموعة «من وحي العرائس ذوات الشياطين، أو من وحي الشياطين ذوي العرائس» فتذكرت مقالًا للأستاذ العقاد نشرته له مجلة «الاثنين» وفيه تناول طائفة من أدباء مصر، وأنا في جملتهم، فقال ما معناه أن أدب المازني من أدب الاعتراف، وعلل ذلك تعليله، وليس الذي يعنيني هنا هو التعليل، بل الوصف وهو صحيح، وقد كان الذين يلقونني يومئذٍ يستغربون منه وصفه لأدبي بأنه أدب اعتراف، ومني الموافقة على هذا الوصف، كأنما كان ينبغي أن أنكر صحة الوصف لأنهم هم لا يدركونها أو يخالفونه، وكنت أقول لهم إن الذي قاله العقاد عني صحيح كل الصحة، وإن كل أدب يمكن أن يقال فيه إنه في جوهره أدب اعتراف، وإن تفاوتت ألوانه واختلفت ضروبه؛ لأن الأدب في الحقيقة تعبير عن النفس، وليس المراد بالاعتراف أن يسرد المرء وقائع وحوادث مما مر به في حياته، لأن الحوادث تقع للناس جميعًا، والتشابه بينها أكبر مما يتوهم المرء، ولا عبرة بهذا في ذاته ولا قيمة له، فما يمكن أن يحيا إنسان محس مدرك ولا يقع له شيء، ولا تمر به تجارب شتى، ولا يجتاز امتحان الحياة، وإنما الذي له قيمة هو وقع التجربة في النفس، ونوع استجابة النفس لما يهيب بها، ويندر أن تجد اثنين يستجيبان للحياة على نحو واحد، ولو كانا أخوين شقيقين — وقد كدت أقول ولو كانا توءمين، ولكني أؤثر التحرز لجهلي فلا أذهب إلى هذا الحد، ومع ذلك يلتقي توءمان بفتاة واحدة فيحبها واحد، ولا يصغو إليها الثاني ولا يصبو.

وتعبير كل أديب عن وقع الحياة في نفسه، وإفضائه إلى الناس برأيه وخوالجه، وفهمه للناس والدنيا والصور التي ارتسمت في ذهنه، ولِمَا استقر في قلبه، واقتنع به عقله — كل هذا تعبير عن النفس أي اعتراف، ولكنه يجيء على صور شتى، فبعضهم لا يتحدث عن نفسه قطُّ، ولكنه يصور الحياة كما تتمثل له، وليس تصويره لها أو لجانب منها معناه أن هذه هي الحياة كما هي في الواقع، وإنما معناه أن هذه هي الحياة كما تبدو لعينه ولعقله، وأن هذا الذي يرسمه من شخصيات القصة المروية أو على طريقة الحوار، وما يكشف عنه من اعتلاج العواطف وتصارع الآراء، هو الذي يتخيله قياسًا على ما يعرف من نفسه، ويقدر أن يكون منها في مثل هذه المواقف. ويؤثر آخرون أن يتفلسفوا أو يدلوا بآرائهم دون أن يعلقوها على مشاجب إنسانية، وهم بهذا يعترفون — أيْ يكشفون عن آرائهم كائنة ما كانت، وعن مبلغ فهمهم للحياة وسنن الوجود وطبيعة الأشياء، ويتعرفون بشيء آخر أيضًا — ذلك أنهم يحاولون بالتعبير عن هذه الآراء أن يفهموا الحياة، وأن يجعلوا فهمهم لها — ولو كان خطأ — أقل غموضًا، وأكثر وضوحًا؛ ذلك أن الإنسان يجرب الأمر ويسجل التجربة في نفسه في الوقت ذاته، وقلما يدري أنه سجلها لأنه في الأغلب يكون في شاغل من معاناتها، أو قلما يكون داريًا على وجه واضح، ثم يجيء وقت يحس بمثل المخض من جيشان ذكرى هذه التجربة، ويشعر أنه صار كالحامل التي لا تدري ماذا عسى أن تلد؟ فيعالج أن يتبين ويستوضح ولا سبيل إلى ذلك إلا بالعبارة عنه، لأن الفكرة لا تستبين، والإحساس لا يُدرَك إدراكًا صحيحًا إلا بعد أن يُصَبَّ في قالب من اللفظ المعبر عنه، والثوب الذي يتسنى له أن يتبدى فيه، وكثيرًا ما نرى أناسًا يتكلمون ولا يصغون، ويسألون جلساءهم ولا ينتظرون جوابهم، بل يروحون يسحون بالكلام، والواحد من هؤلاء ينشد الجلساء ويزعم أنه يطيب له الحديث معهم، وينظر إليهم وهو يتكلم، ويوجه الخطاب إليهم ويدعوهم بأسمائهم، ويبدو على العموم كأنه يريد أن يدور الحوار بينه وبينهم، ولكنه في الحقيقة لا يبغي شيئًا من ذلك، وإنما مبتغاه أن يناجي نفسه ويحدثها بصوت عالٍ، والجلساء عنده أشبه بالدمى، أو تلك الشخوص التي يجرب الجنود فيها حرابهم فيتعلمون كيف يطعنون، وحاجة مثل هذا إلى الجلساء وليدة الحاجة إلى سماع صوته هو، وإلى تبيُّن ما تنطوي عليه نفسه، ويدور في رأسه من الخوالج، وذلك بالتعبير عنها، فإن الحاجة حين تكتسي لفظًا مسموعًا أو مقروءًا تكون أكثر وضوحًا منها حين تكون بعض ما يضطرب به الصدر مع سواه.

اقرأ مثلًا في هذه النخبة المجموعة من وحي العرائس والشياطين هذه القصيدة من شِعْر شاعر يوناني:

فهذه ثمرة تجربة ارجنتاديوس صاغها شعرًا يسخر فيه من المرأة وحبها، ومن الرجل وغفلته، وتجربته صحيحة ونظرته صادقة، وسخره في محله، ولكن ذلك كله لا يتعلق إلا بجانب واحد من جوانب الحياة هو الذي بلاه الشاعر، وللحياة جوانب أخرى عديدة ووجوه شتى لا آخِر لها، في بعضها العفة عن المال والاستخفاف به، ومروءة القلب، ووفاء النفس إلى آخر ذلك، وما أخطأ الشاعر لأنه إنما رأى الناحية التي أُتِيحت له أو كُتِبت عليه، وما من أحد يسعه أن يحيط بكل ناحية ويطَّلع على كل وجه، ويتصفح كل جانب، وغير هذا الشاعر يرى أن (كيمياء القناعة تسوي بين الجوهر والحصى في يديك)، وشبيه برأي الأول قول الشريف:

***

ولا داعي للإطالة؛ فإن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى بيان، وكل امرئ في هذه الدنيا يحاول جاهدًا أن يعرف غيره بنفسه على طريقته، وعلى النحو الذي هو أحب إليه وآثر عنده وأشبه به، وكثيرًا ما يعرفنا بما يجب أن نعرف عنه، لا بحقيقته، على أن الإنسان قلما يعرف نفسه على حقيقتها، وقد يغلط عفوًا، وقد يغالط عمدًا، والمهم أن كل إنسان يعنيه أن يرفع قِبَل عيوننا صورة من نفسه، كما يراها ويعرفها هو إذا كان مخلصًا، أو من الجانب الذي هو أحب إليه.

وهذه النخبة التي اختارها الأستاذ العقاد هي كما يقول: «قصائد من الشعر العربي أو العالمي، يكثر فيها الإيجاز، ويقل الإسهاب، ويندر فيهـا المشهور المتكرر على جميع الأسماع، ونجيز فيها الحذف والتبديل مداراةً لإسفاف في العبارة أو إسفاف في الذوق والأدب، وعلينا تبعة القليل الذي طرأ عليها من الحذف والتبديل.»

ولا نحتاج أن نقول إن الاختيار دليل على عقل المرء وذوقه كالابتكار؛ لأنه لا يختار إلا ما هو بسبيل من ذوقه وعقله. وهذه النخبة متعة عقلية ونفسية، ولا شك عندنا في أن أول وأسرع أثر لها سيكون حث القارئ على التوسع في الاطلاع على ذخائر الأدب، وجزى الله العقاد خيرًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.