عندما تقرأ أخبارًا عن علماء يتوصَّلون إلى صلة جديدة بين الجين (س) والمرض (ص)، تتباين الدراسات التي تقوم عليها تلك الاكتشافات تبايُنًا كبيرًا في جودتها؛ فتجد من ناحية أبحاثًا تثبت أنَّ إحدى صور الجين (س) منتشرة لدى مجموعة صغيرة من الأشخاص المصابين بالمرض (ص)، وليس لدى المجموعات الضابطة المستخدمة في الدراسة (أشخاص أصحاء) … وهذا هو مكمن الصعوبة؛ فأنت لا تعرف ما إذا كان الجين (س) مسئولًا بالفعل عن المرض (ص)، أو حتى إذا ما كانت النتيجةُ حقيقيةً وليست إنذارًا كاذبًا صدر عن عدد قليل من الأشخاص.

جينوم الشلل النصفي التشنُّجي الوراثي.
جينوم الشلل النصفي التشنُّجي الوراثي.

ومن ناحية أخرى، تجد دراسة استخدَمَتْ مجموعةً متنوعة من التجارب بهدف التعرُّف على «١٨» جينًا مسئولًا عن حالات الشلل السفلي التشنُّجي الوراثي، تلك المجموعة المتشعِّبة من الاضطرابات الوراثية تُلحِق جميعها ضررًا بالخلايا العصبية الطويلة الممتدة بين الدماغ والنخاع الشوكي؛ مما يؤدي إلى تيبُّسِ عضلات الساق وتعرُّضِها لانقباضات لاإرادية.

توصَّل العلماء بالفعل إلى أنه ثمة ٢٢ جينًا لها صلة بحالات الشلل السفلي التشنجي الوراثي، لكن تلك الجينات لا تفسِّر سوى نحو ٢٠ إلى ٣٠ في المائة من الحالات. يقول جوزيف جليسون من جامعة كاليفورنيا بسان دييجو: «كثير من الأطفال المصابين بتلك الحالات لا يمكنهم الحصول على تشخيص سليم، وليس ثمة علاج متاح لهم. كنَّا نرغب في معرفة المزيد عن أسباب المرض، ولعلَّ ذلك يقودنا إلى علاجات جديدة.»

وبهدف العثور على مزيد من الجينات المرتبطة بحالات الشلل السفلي التشنُّجي الوراثي، أجرى فريق جليسون اتصالات مع علماء في بلدان يزداد فيها شيوع تلك الحالات وتندر فيها الدراسات الجينية، منها مصر وباكستان وإيران؛ فوجدوا ٥٥ عائلة تعاني من تلك الاضطرابات، وحدَّدوا التسلسل الجيني لدى ٩٣ فردًا منها، وحدَّدوا جينات عدة بَدَا أنها تتسبَّب في حالات الشلل السفلي التشنجي الوراثي لدى أولئك الأشخاص، وربَّى الفريق سمكًا طافرًا للتأكُّد من أنَّ التخلُّص من تلك الجينات يُسفِر فعلًا عن أعراض ذات صلة بالمرض. وأنشئوا شبكة لإظهار ما تفعله تلك الجينات، وكيفية تفاعلها فيما بينها، واستخدموا تلك الشبكة للعثور على «المزيد من الجينات المسئولة عن حالات الشلل السفلي التشنجي الوراثي.»

كان نطاق العمل الذي قام به أعضاء الفريق — جايا نوفارينو وعلي فنسترميكر ومها زكي — مذهلًا. قال جليسون: «لقد ظللنا عاكفين على هذا العمل لمدة تقترب من ١٠ أعوام، كل ما في الأمر أننا لم نكن نشعر بالارتياح لنَشْره حتى ننتهي منه تمامًا. نأمل أن يعتبر الناس بحثنا بمثابة خارطة طريق لدراسة الحالات المتنوعة جينيًّا.»

تلك الجينات الثمانية عشر الجديدة، إضافةً إلى ٢٢ جينًا قديمًا، تفسِّر نحو ٧٠ في المائة من حالات الشلل السفلي التشنجي الوراثي لدى الأشخاص الذين استعان بهم الفريق في دراسته. يقول يوريس فلتمان عالم الوراثة في مركز نايميخن الطبي بجامعة رادباوت: «هذا اكتشاف عظيم الأهمية، ليس من أجل الفهم البيولوجي فحسب، وإنما أيضًا من أجل تقديم تشخيص أكيد للعائلات المصابة، والتعجيل بالأبحاث التي تهدف إلى الوصول لعلاج ممكن لتلك الاضطرابات المتفاقمة.»

كان العثور على العائلات أمرًا عسيرًا للغاية في حدِّ ذاته. يقول جليسون: «ليس من اليسير على أمريكي أن يدخل إيران.» لكن الأمر كان جديرًا بتلك المشقَّة؛ لأنه في تلك المناطق من العالم، يترتب على التقليد السائد بزواج الأقارب تشارُك أفراد العائلة في نسبة مرتفعة إلى حدٍّ بعيد من حمضهم النووي، ويؤدي ذلك إلى تيسير العثور على الجينات المتنحِّية التي لا تتسبَّب في الإصابة بالشلل النصفي التشنجي الوراثي إلا عندما يرث الناس نسختين من تلك الجينات.

حدَّدَ الفريق تسلسُلَ الإكسوم الكامل لدى كل متطوع، وهو جزء يمثِّل ١ في المائة من الجينوم، ويحمل شفرة البروتينات. وبمقارنة إكسومات أفراد العائلة المصابين بالمرض والأصحاء منهم، أثبت الفريق أنَّ ثلث الحالات كانت نتاجَ جينات ضالعة بالفعل في تلك الاضطرابات، ولكن يُحتمَل أن تكون نسبة ٤٠ في المائة أخرى هي نتاج طفرات حدثت في ١٥ جينًا جديدًا.

في الخطوة التالية، تحقَّقَ أعضاء الفريق من القائمة باستخدام الهندسة الوراثية لتخليق أسماك زرد صغيرة لا تحمل أيًّا من تلك الجينات موضع الدراسة. فلم يكن أي من الأسماك الطافرة قادرًا على السباحة على نحو ملائم؛ فبعضها على سبيل المثال كان ذيله ملتويًا بصفة دائمة نحو أحد جانبيه، فيما يشبه كثيرًا تيبُّس الأطراف لدى الأطفال المصابين بالشلل النصفي التشنجي الوراثي. يقول جليسون: «اضطررنا إلى إجراء تلك التجارب. فبالنسبة لكثير من الجينات، لم يكن لدينا سوى عائلة واحدة بها طفرات.» ولولا تجارب الأسماك، ما كان ليشعر بالارتياح وهو يزعم أن تلك الجينات لها صلة فعلًا بالشلل النصفي التشنجي الوراثي.

تحديد تسلسُلِ الإكسوم آخِذ في الصعود بسرعة ليصبح من أهم التقنيات التي يستخدمها باحثو الجينات، الذين لم يعودوا مضطرين إلى تركيز أبحاثهم على أجزاء محدَّدة من الجينوم؛ فصار بإمكانهم وضع تسلسل كلِّ جين وترقُّب ما قد يُسفِر عنه ذلك. يقول فلتمان: «الدارسة الحالية مضَتْ بوضوح تجاه مرحلة أكثر تقدُّمًا في ذلك النهج بتطبيقه على مجموعة كبيرة جدًّا، وإجراء دراسات متابعة وظيفية ممنهجة.»

حتى هذا لم يكن كافيًا، فحسبما يقول جليسون: «في بعض الأمراض، يجد المرء نفسه أمام خليط من الجينات دون مسار واضح يمضي فيه قدمًا، وقد حاولنا إيجاد قواسم مشتركة بين جيناتنا وفهم ما تخبرنا به.» لقد فعل الفريق ذلك عن طريق رسم خريطة للتفاعلات القائمة بين الجينات ذات الصلة بالشلل النصفي التشنُّجي الوراثي والبروتينات التي تصنعها تلك الجينات؛ حيث صمَّمَ الفريق شبكةً معقَّدةً يطلقون عليها «جينوم الشلل النصفي التشنُّجي الوراثي».

احتشدت الجينات في عناقيد مختلفة على أساس وظيفتها. يقول جليسون: «كان الأمر شبيهًا بإماطة اللثام، فقد صار بإمكاننا رؤية العوامل التي اكتشفناها كلها تتوافق معًا.» بعضها معنيٌّ بطَيِّ البروتينات على نحو سليم، والبعض الآخَر يساعد في تكوين اللبنات الأساسية للحمض النووي، بل إن هناك قسمًا ثالثًا منها يساعد الخلايا العصبية على النمو والانتقال إلى المناطق الصحيحة. يقول جون فينك من جامعة مشيجان إنَّ تلك العناقيد تدلُّنا على «نقاط الضعف الجزيئية» في الخلايا العصبية الواصلة بين الدماغ والنخاع الشوكي، التي تتلف في حالات الشلل النصفي التشنجي الوراثي.

بعد ذلك وسَّعَ الفريق نطاق الشبكة لدراسة الجينات الأخرى التي تفاعلت مع الجينات التي حدَّدها الفريق؛ «أصدقاء الأصدقاء». وبمسح القائمة بعد تمديدها، توصَّلَ الفريق إلى ثلاثة جينات جديدة ذات صلة بالشلل السفلي التشنجي الوراثي، كانت المتسبِّبة في الاضطرابات التي تعاني منها ثلاث عائلات أخرى، فبذلك وصل الإجمالي إلى ١٨ جينًا.

وقد تداخلت الشبكة بدرجة كبيرة أيضًا مع مجموعات أخرى من الجينات الضالعة في مرض ألزهايمر ومرض باركنسون ومرض لو جيريج (التصلب الجانبي الضموري). يشير ذلك إلى أنَّ الأمراض الدماغية المتباينة تلك ربما يجمع بينها قاسم مشترك، كما يشير إلى أنَّ العقاقير التي تستهدف تلك الجينات المتداخلة يمكن أن تساعد في علاج أمراض عدة.

يقول كريج بلاكستون أحد كبار الباحثين في معاهد الصحة الوطنية: «ذلك أمر مهم؛ لأن تطوير العقاقير عمليةٌ مكلِّفة للغاية، وكلما اتسعت السوق المحتملة زاد اهتمام الشركات الدوائية بمتابعة تلك النتائج.» في الواقع، من خلال ربط حالات الشلل السفلي التشنجي الوراثي بتلك الحالات التي نالت نصيبًا أكبر من الدراسة (والتمويل)، يأمل جليسون في تشجيع الاهتمام بتلك الحالات التي كثيرًا ما تُغفَل.

يقول فينك: «تلك أوقات مثيرة بالنسبة لإجراء الأبحاث، ليس فقط فيما يتعلَّق بأسباب الشلل السفلي التشنجي الوراثي وعلاجاته، وإنما في غيره من الاضطرابات العصبية التنكُّسية أيضًا.»

Now This Is How You Find Disease Genes by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. January 30, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.