لهذه الأيام شأنها في نفوس طائفة كبيرة من شبابنا الذين ترمق فيهم البلاد رجاءً وأملًا؛ وذلك لأنه من هذا الأيام يتألف موسم الامتحان الذي يتحوَّل فيه المعلمون إلى قضاة، تارة يتغلب في قضائهم العدلُ على الرحمة، وتارة أخرى تتغلب عواملُ الرأفة على الشدة في الحق؛ إذ يرى المعلم البصير ما من شأنه أن يغلب رحمة هي أصلح للنفس من صرامة العدل، ورب رحمة في فسحاتها خير وإصلاح، ورب عدالة ضيقة في صرامتها شر وجور. وفي موسم الامتحان قد يتحوَّل التلميذ المستأسد الشديد إلى حمل لين وديع، وذلك من عوامل الخوف والأمل.

وقد يتحوَّل في أيام الامتحان المزاج الهادئ السهل إلى مزاج عصبي حديد يتأثَّر من القليل، ويتأثَّر من الجليل. ولعل أهم الأسباب في ذلك ما يتخلَّف في الدم والأعصاب من عناءٍ عام في الدرس والتحصيل، ومعالجة في تلقين العلم والإفادة.

***

وقد يجد المرء في أيام الامتحان مظاهرَ السرور والبِشْر، وفيها يجد كذلك مظاهر اللوعة والألم. أما السرور فمصدره من جهة التلميذ النجاح في حسن الإجابة لما يلقى عليه، أما من جهة الأستاذ فسروره يكون إذا هو استعرض مظاهر الذكاء والنجابة، ولا نريد أن نمر على ذكر المغتبطين والمسرورين في أيام الامتحان دون أن نسأل الله لهم أن يزيد في شأنهم، ويوسع لهم في أسباب الغبطة والسرور.

لكنا نوجِّه كلمتنا تلك لطائفة المحزونين، إلى هؤلاء الذين يحسبون أنهم إذا فقدوا الامتحان يفقدون كل شيء، إلى هؤلاء الذين يحسبون خطأً أن الامتحان معيار لا يتخلَّف عدله في تقدير ذكاء الناشئ وكفاءته للفلاح في الحياة، إلى هؤلاء الأبناء الذين يذهب بهم الفشل في الاختبار الدراسي إلى الألم الشديد، واليأس الشديد، حتى يستهينوا بحياة أنفسهم، إلى هؤلاء نقول: لا تحسبوا أن النجاح المدرسي فيه كل الدليل على النجاح في الحياة، وأن في الرسوب كلَّ الدليل على الفشل فيها، فطالما دلَّت التجارب على أن الحياة العملية لها اختباراتها، وقد يؤدِّيها بفلاح من يفوته فلاحُ المدرسة، وقد يفشل فيها من كان في المدرسة من الفائزين. كم نابغٍ ظهر نبوغه في سماء المدرسة، وكم نابهٍ في فسحاتها خمل ذكره في فسحات الأيام والسنين!

كل إنسان يكاد يكون في كل يوم من أيام حياته ممتحَنًا وممتحِنًا:

إنا نمتحن الأصدقاء في صداقتهم ويمتحنوننا، ونمتحن الناسَ في معاملاتهم ويمتحنوننا، ونمتحن الحكام في صدقهم وإخلاصهم ويمتحنوننا في صدقنا وإخلاصنا. وتكاد تكون الحياة الاجتماعية سلسلةً من الامتحانات تُتبادل بين الناس فيما بينهم، ولكن ربما لا تُحدِث نتائجها من الآلام الحادة مثلَ ما تُحدِث نتائج الاختبارات المدرسية في تلك القلوب الغضة، وفي نفوس أبنائنا الرطبة؛ لأنها لم تُمرَّنْ بعدُ على تحمُّل آلام الحياة.

***

ولعلَّ أشدَّ ما يُكسِب أيام الامتحان هيبتَها هو فيما تظهر به من سلطة اجتماعية ذات رهبةٍ وخطر، وأعني بذلك أن أيام الامتحان تظهر في صورة كأنها شبح الأمة ينادي بصوتٍ علني جهوري أهل الفلاح ليدخلهم في حظيرته المكرمة، وأهل الفشل ليخرجهم عن مواضع الكرامة. لكن لو جردنا الامتحانات عن مظاهرها الاجتماعية لهان الأمر، وخفَّ عن التلاميذ آلامها؛ ولذلك قد يكون من الخير في الامتحانات المدرسية أن تتخذ التدابير للوصول إلى تقدير ما يحصل التلميذ من المدرس من غير وسائل الإرهاب الاجتماعي، والعلانية المفزعة، وقد أخذتْ بعضُ البلاد تطبيق هذا المبدأ في نظمها المدرسية.

وسواء اتُّخِذَ هذا المبدأ عندنا أو لم يُتَّخذ، فيُخيل إليَّ أن في قدرة الأساتذة الذين يحسنون صناعتهم أن يهونوا على المتعلم أمرَ الامتحان في حالتي النجاح والفشل، فلا يكون النجاح مدعاةً للغرور، ولا يكون الفشل مدعاةً لليأس وخيبة الرجاء.

ونختم القول بكلمة نوجِّهها لمن رسبوا في امتحاناتهم بألا يجزعوا، ولا ييأسوا؛ فليس ضياع الامتحانات بمضيِّع عليهم ما يمكن أن يصيروا إليه في المستقبل من الكفاءة والجدارة، وما يمكن أن يُهيِّئوه لأنفسهم بين الناس من الكرامة والتوفيق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.