تتهيأ مصر في هذه الأيام لإحياء العيد الثاني من أعياد ثورتها بعد أن أحيت في الشهر الماضي العيد الأول من أعياد جمهوريتها.

وقد ينبغي أن ننتهز فرصة هذا العيد من أعياد الثورة لنفكر فيها تفكيرًا عميقًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة، ومن الشوائب المطامع والمنافع بوجه خاص.

فالمطامع الضخمة أو النحيفة، والمنافع القريبة أو البعيدة، تؤثِّر في تفكير الناس — على غير إرادة منهم — تأثيرًا أقلَّ ما يوصف به أنه جدير بأنه يجور بهم عن القصد، وينحرف بهم عن طريق الإصلاح إلى ما يلائم مطامعهم ومنافعهم.

وأحب أن يشهد المواطنون على أني حين أكتب ما أكتب، لا أبتغي مطمعًا عظيمًا أو ضئيلًا، ولا أطلب منفعة نائية أو دانية.

فقد بلغت والحمد للَّه من السن ما ينبغي أن يبرأ معه الإنسان من المطامع والمنافع جميعًا، وصدق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين قال: «وإذا بلغ المرء ستين عامًا فقد أعذر اللَّه له في العمر.»

فهذه الأحاديث التي أوجهها إلى قادة الثورة، وإلى رئيس الوزراء بنوع خاص؛ خالصة إذن لوجه اللَّه ثم لوجه الوطن، لا يعنيني أن يرضى عنها الراضون أو يسخط عليها الساخطون؛ وإنما يعنيني أن تبلغ قلوب المواطنين وعقولهم، وأن تُثير فيهم الشعور القوي بما يحتملون من تبعات وتدفعهم إلى التفكير العميق في الطريق التي يحتملون بها هذه التبعات على أحسن وجه ممكن؛ بحيث لا تضيع الأعوام المقبلة من حياتنا هباءً، وبحيث لا تذهب دون أن تترك آثارًا خالدة تقدرها الأجيال المقبلة، فتذكرنا حفية بنا مُكْبِرة لنا معترفة بأننا قد صدقنا ما عاهدنا الوطن عليه؛ فلم نضيع وقتنا عبثًا، ولم نُؤْثِر أنفسنا بالبر من دون الناس، ولم يُلْهِنا التفكير في اليوم الذي نعيش فيه عن التفكير في الأيام الكثيرة المقبلة التي ستعيش فيها الأجيال من بعدنا.

وما أعرف شيئًا يعين على حسن التفكير وسداد الرأي وصواب الحكم، كالبعد في الزمان أو في المكان عن الموضوع الذي نحاول أن نفكر فيه أو نحكم عليه، فنحن حين نعيشه في مصر مثلًا نتأثر بالأحداث اليومية التي تحدث من حولنا وبآراء الناس في هذه الأحداث وأحكامهم عليها، ويشغلنا ذلك عن التفكير فيما هو أعظم منها خطرًا، وأبعد منها أثرًا؛ لأنه أعمُّ منها عمومًا وأشمل شمولًا وأطول بقاءً.

فإذا بعدنا عن مصر ونأينا عن أحداثها اليومية ولم تصل إلينا من هذه الأحداث إلا أصداؤها، أعاننا ذلك على أن نتجرَّد من هذه الأعراض التي تلم اليوم لتزول غدًا، وعلى ألا نفكر إلا فيما هو جدير بالبقاء والاستمرار.

وأنا أكتب الآن من باريس التي تتهيأ هي أيضًا لإحياء عيد من أعياد الثورة الفرنسية، فأذكر ما كان في تلك الثورة من هول، وأحمد اللَّه من أعماق نفسي على أن ثورتنا ما زالت إلى الآن مبرأة من كل قول، وعلى أن ما مسَّ بعض الناس من أخطارها ما زال يسيرًا قابلًا للتدارُك. وأتمنَّى أن تظل ثورتنا — كما بدأت — نقية من كل إثم، بريئة من كل شر لا سبيل إلى تداركه أو إصلاحه.

وأذكر كذلك ما امتازت به تلك الثورة من خصب، وما أحدثت في الحياة الفرنسية والأوروبية والإنسانية من آثار رائعة باقية، وأتمنى لثورتنا أن تُحدث في حياة المصريين — بل في حياة العرب، بل في حياة الشرق كله — مثل ما أحدثت الثورة الفرنسية في الحياة الأوروبية والعالمية من الآثار؛ فقد حرَّرت الثورة الفرنسية وطنها من ظلم الملوك ومن دائرة الإقطاع، وأشعرت شعبها بحق الإنسان وكرامته وبما ينبغي للناس من الحرية والإخاء والمساواة، وأذاعت هذا الشعور في أوروبا ثم في كثير من أقطار الأرض، وكان لهذا كله أثره في حياة الإنسانية الحديثة، وهي بعد ذلك قد استحدثت من النظم في الوطن الفرنسي ما غيَّر حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعقلية تغييرًا يوشك أن يكون شاملًا.

وثورتنا التي لا تزال في طور الطفولة قد أخذت تُحدث في حياتنا المصرية آثارًا خطيرة، فهي قد حرَّرت الشعب من ظلم الملوك، وهي قد سلكت طريق العدل في توزيع الثروة الوطنية على المواطنين مما شرعت من الإصلاح الزراعي، وهي قد أشعرت المصريين بحقهم في الحرية والكرامة والاستقلال، وهي قد أشاعت هذا الشعور الخصب فيما حولها من الأقطار، وهي تحاول — موفقة إن شاء اللَّه — أن تحرر الوطن من الاستعمار وآثاره القريبة والبعيدة، وهي تحاول — موفقة أيضًا إن شاء اللَّه — أن تستحدث من النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ما يكفل للمصريين حياة تلائم مجدهم القديم وآمالهم الواسعة العراض.

وأول ما يجب على المثقفين من المصريين في هذا الطور من أطوار ثورتهم، إنما هو أن يخلصوا لها النصح وأن يمنحوها من ذات نفوسهم ما يُنير أمامها الطريق ويبين لها معالم الخير؛ لتسير إلى غايتها ثابتة الخطى، معصومة من الخطأ بقدر ما يُتاح للناس أن يُعصموا من الخطأ. وقد أُمرنا أن نقول الحق وأن ندعو إلى الخير، وأن نأمر بالمعروف مهما كلفنا ذلك من عناء، ومهما يُعرضنا له من مكروه.

ولا خير في ناصح غير منصف ولا في مشير غير أمين، وشر الناس من أسرع إلى الإنكار وأمعن في العيب، ولم يعرف الإحسان لأصحاب الإحسان، ولم يشهد بالخير للذين قدَّموا الخير. ومن الإساءة إلى الحق والظلم للتاريخ أن يُنكر منكر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر الإحسان كله حين غيَّرت نظامها السياسي، وأدالت للجمهورية الملكية، وردت إلى الشعب حقه السياسي كاملًا، وأراحته من هذا النظام السخيف نظام الملك الموروث الذي لا يعتمد على أصل من حق أو عدل أو دين؛ وإنما يعتمد قبل كل شيء على الأَثَرَة والظلم والاستعلاء، وتقديس أسرة بعينها أو فرد بعينه، مع أن الإنسان — مهما يكن — لا حق له في التقديس ولا في الاستعلاء ولا في الاستئثار بالحكم من دون غيره من الناس.

ومن الظلم للتاريخ أيضًا والانحراف عن الحق والعدل، أن ينكر مُنْكِر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر حين شرعت ما شرعت من الإصلاح الزراعي الذي يشيع الملكية بين طبقات الشعب، ويُقرب الآماد بين هذه الطبقات، ويُلغي الفروق بين الذين يملكون فيُسرفون في الملك، ويُنفقون فيُسرفون في الإنفاق، ويستأثرون من دون غيرهم بالخير، والذين لا يجدون ما يملكون ولا ما ينفقون ولا ما يدفعون به عن أنفسهم العاديات.

في هذين الأمرين أحسنت الثورة إلى مصر إحسانًا لا شك فيه، ولكنه مُحتاج إلى كثير من الوقت، وإلى كثير من الجهد، وإلى كثير من الصبر؛ ليُحدث آثاره ويبلغ ما ينبغي أن يبلغه من الغايات.

فإقامة الجمهورية مكان الملكية خير لا شك فيه، ولكن الجمهورية محتاجة إلى الوقت والجهد والصبر لتثبت وتستقر وتتصل بقلوب المواطنين جميعًا، وتستأثر بنفوسهم، وتظفر منهم بهذا الإيمان الذي يدفعهم إلى أن يمولوها بالعناية والرعاية، ويفتدوها بأنفسهم وأموالهم، ويضحُّوا في سبيلها بأعز ما يملكون. وكل هذا لا يُتاح في عام أو في عامين، وكل هذا لا يُتاح بمجرد إعلان النظام الجمهوري، وإنما هو محتاج إلى أن توضع النظم التي تكفُل للجمهورية أن تُشعر المواطنين إشعارًا عميقًا بأنها هي النظام السياسي الذي يكفل لهم حقهم في الحرية والكرامة، وفي أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم ولأنفسهم لا لمصلحة هذه الطبقة أو تلك، ولا لمصلحة هذا الفرد أو ذاك، بل لمصلحتهم جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وحظوظهم من الثراء، لا فرق في ذلك بين الغني القوي وبين الفقير المعدم، وبين من هو في منزلة بين المنزلتين.

ولجنة الدستور ماضية في إعداد هذه النظم، وهي ستفرغ من إعدادها غدًا أو بعد غد، ولكن يجب أن نقنع أنفسنا بأن إعداد الدستور وقبول الشعب له، وإعلانه والأخذ في تنفيذه، لن يكون كافيًا لتثبيت الجمهورية، بل سيحتاج تثبيتها إلى تجربة طويلة لهذا الدستور حتى يظهر للمواطنين بعد التنفيذ أنه هو الدستور الذي يلائم حاجتهم وطاقتهم وآمالهم.

فليس الدستور إلا عملًا إنسانيًّا، والأعمال الإنسانية ليست مبرَّأةً من الخطأ ولا مضمونة الكمال؛ وإنما هي في حاجة إلى أن تُجرَّب وتُنقح ويُعاد النظر فيها بين حين وحين.

فالخطأ كل الخطأ والخطر كل الخطر، أن نظن أن إعلان الجمهورية قد منحنا النظام الجمهوري حقًّا، وأن نظن أن إعلان الدستور الجمهوري قد ثبَّت الجمهورية وكَفَل لها الأمن والبقاء.

والإصلاح الزراعي الذي شرعته الثورة خيرٌ ما في ذلك شك، ولكنه في حاجة إلى وقت طويل وإلى جهد عنيف ليتم تنفيذه وليُؤتِيَ ثمراته، وليس يكفي أن يعلن قانونه ويذاع في الناس، ولا أن توزَّع الأرض على الذين لم يكونوا يملكونها، بل ليس به بعد هذا كله أو أثناء هذا كله من تنظيم التعاون بين المُلَّاك ليستطيعوا أن يجدوا ما يحتاجون إليه من الأدوات والوسائل المختلفة لاستثمار الأرض التي وُزِّعَتْ عليهم، استثمارًا يتيح للاقتصاد القومي ما ينبغي له من النمو والازدهار، وهذا كله لا يتم في عام أو عامين أو أعوام.

وإذا تمَّ هنا الإصلاح الزراعي على أحسن وجه ممكن، فقد يحتاج إلى ألوان أخرى من الإصلاح غير الزراعي؛ ليستقيم اقتصادنا القومي، وليتحقق العدل الاجتماعي بين المواطنين، ولتتضاءل الفروق بين الطبقات. فليس بد من الإصلاح الصناعي، ومن الإصلاح التجاري، ومن تمكين الشعب كله من أن ينتفع في حدود الحق والعدل بما تغل الزراعة والصناعة والتجارة، وبما يغل النشاط القومي كله من الثمرات.

وهذا كله يحتاج إلى الوقت والجهد والصبر والمثابرة في ثقة وأمل وفي قوة وعزم.

ومعنى هذا كله أن الثورة يجب أن تتغلغل في قلوب المواطنين جميعًا، وأن تمتزج بدمائهم وتستقر في نفوسهم، وتصبح ثورتهم كلهم حين يجتمعون وثورة كل واحد منهم حين يخلو إلى نفسه، وذلك أجدر أن يُمكِّن الثورة من بلوغ غاياتها في أسرع وقت ممكن وفي غير تعرُّض للأخطاء المنكرة التي تنشأ عن اختلاف الرأي وتفرُّق الهوى وتبايُن المذاهب، وإقامة فريق من الشعب على حب القديم البالي والمحافظة على النظم العتيقة، وإسراع فريق آخر إلى التجديد المتطرف المسرف، وتذبذب فريق ثالث بين الفريقين الآخرين، وما ينشأ عن هذا كله من الصراع بين أصحاب المذاهب المختلفة والأهواء المفترقة والميول المتنافرة.

والشعب الرشيد هو الذي يُحسن الانتفاع بتجارب الشعوب من قبله وتجارب الشعوب من حوله، فيتعجَّل الخير من هذه التجارب ويتجنَّب الشرَّ منها، ويَتَّقِي بذلك ما لم تُحسن الشعوب الأخرى اتِّقاءه من الزلل والخطل والخطأ.

وقد رأينا ما نشأ من خلاف الشعب الفرنسي في أهوائه أثناء ثورته من الأهوال، وما نشأ كذلك عن اختلاف الشعوب الأخرى أثناء ثوراتها من الكوارث والخطوب التي لم تجعل تاريخ هذه الثورات نقيًّا ناصعًا؛ وإنما صبغته بحمرة الدماء، وأشاعت فيه الحزن والخوف والكآبة التي لا تنقضي.

فأحرى بنا أن ننتفع بما عرفنا من هذا كله، وأن يبصر العلماء منا غيرهم من الذين لم يُتح لهم العلم، وأن نتعاون جميعًا على البِرِّ والتقوى، وألا يتعاون فريق منا على الإثم والعدوان، وأن نحفظ على ثورتنا الناشئة ما تهيَّأَ لها من الصفاء والنقاء، وأن نجتهد في أن نمحو عنها ما علق بها من بعض الأوضار والأذى.

وليس هذا كله كافيًا لتبليغ ثورتنا غايتها لتهيئ لشعبنا ما ينبغي له من السعادة والرُّقِيِّ والاستقلال بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها وأعمقها.

فقد رأينا أن الثورة في حاجة إلى وقت طويل لتحقق ما تريد أن تحققه من الأغراض، وما أكثر ما نقرأ في كتب الفرنسيين المعاصرين من أن ثورتهم لم تنته بعد؛ لأنها لم تحقق كل ما أرادت تحقيقه من الأغراض!

فلا بد إذن من أن نهيئ لثورتنا الصفوة من أبناء الشعب الذين يستطيعون أن ينهضوا بأعبائها ويعينوا قادتها ويضيفوا إلى جهودهم جهودًا وإلى نشاطهم نشاطًا، ولا يكون ذلك إلا بالتعليم الصحيح الذي ينتهي بفريق من أبناء الشعب إلى أرقى وأوسع ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من ذكاء العقل وحصافة الرأي ودقة العلم بحقائق الأشياء؛ ليستطيعوا أن يفهموا حاجات الشعب وآماله ومنافعه، وأن يقدروا هذا كله في الظروف التي تحيط بالشعب في حياته الداخلية والخارجية.

والحديث عن هذا كله يطول ويتشعب، فلنرجئه إلى مقال آخر قريب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.