كانت مدينة فارسوفيا أول عاصمة من عواصم الحلفاء احتلتها ألمانيا بعد حربها الخاطفة في سبتمبر سنة ١٩٣٩. وقد أعلن الماريشال ستالين أمس أنها حُرِّرت، وأن الألمان قد أُخرِجوا منها.

وفيما بين ذلك احتملت مدينة فارسوفيا من الآلام والأهوال والكوارث ما لا يستطيع العقل أن يتصوره، ولا يستطيع القلم أن يُصوِّره. وقد ثارت فارسوفيا غير مرة فقُمِعت فيها الثورة قمعًا عنيفًا، وكان آخر عهدها بالثورة في أغسطس الماضي حين انتصر الحلفاء في غرب أوروبا، وأخذت فرنسا في تحرير نفسها بمعونة حلفائها. في كل ذلك الوقت كان الروس ينتصرون في شرق أوروبا، وهمَّت بولندا أن تسير سيرة حليفتها الغربية فتحرر نفسها بمعونة حلفائها الروس، كما تحرر فرنسا نفسها بمعونة البريطانيين والأمريكيين. وثارت فارسوفيا لتحرر نفسها كما ثارت باريس لنفس هذا الغرض، ولكن الأمر كان يختلف بين فرنسا وبولندا اختلافًا عظيمًا؛ فلم يكن في فرنسا انقسام ولا افتراق ولا تبادل في الأهواء والميول، ولم يكن لفرنسا إلَّا حكومةٌ واحدةٌ هي حكومة الجنرال ديجول.

أقبل رئيسها من أفريقيا الشمالية فشهد الثورة وشارك فيها، وأشرف على أعمال التحرير من قريب. أمَّا بولندا فقد كانت لها حكومة مقيمة في لندرة متصلة بالشعب البولندي، وكانت لها لجنة تحرير مقيمة في لوبلن متصلة بالشعب البولندي أيضًا.

وكان الاختلاف بين الحكومة واللجنة واضحًا بعيد المدى، فكان انقسام الشعب البولندي ملائمًا لهذا الاختلاف، وكان من الطبيعي أن يجد تحرير بولندا من المصاعب والعقبات ما لم يجد تحرير فرنسا.

ولم يكن بين فرنسا وحلفائها خلاف في حقائق الأشياء ودقائقها، فمضت فرنسا إلى غايتها، ومضى معها الحلفاء إلى غايتهم. أمَّا الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، فقد كان الخلاف بينها وبين الحكومة الروسية عنيفًا عميقًا، نشأ قبل أن تُثار مسألة الحدود، ثم أُثيرت مسألة الحدود فازداد سعةً وعمقًا. والناس جميعًا يعلمون أن العلاقات السياسية قُطِعت بين الدولتين قبل أن تُثار مسألة الحدود. وبمقدار ما كان من الاختلاف بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة وحكومة موسكو، كان الاتفاق بين لجنة لوبلين والحكومة الروسية في موسكو.

فليس غريبًا أن تخفق الثورة البولندية، وليس غريبًا أن تخفق المحاولات الرائعة التي بذلها أهل فارسوفيا ليحرروا عاصمتهم؛ فكل هذا الاختلاف كان خليقًا أن يُضيِّع الجهود، وأن يبعد الشقة بين الخطط التي كان يرسمها الروسيون للحرب، والخطط التي كان يرسمها البولنديون للتحرير.

ومهما يكن من شك، فقد كان إخفاق فارسوفيا في الصيف الماضي كارثة ليست أقل خطرًا ولا هولًا من احتلال فارسوفيا سنة ١٩٣٩، والناس جميعًا يعرفون الجهود الهائلة التي بذلتها بريطانيا العظمى للتوفيق بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة والحكومة الروسية، ويعرفون أن هذه الجهود قد أخفقت بعد أن كادت تنتهي إلى غايتها. وفي أثناء ذلك عَظُم النفوذ الذي كانت تستمتع به لجنة لوبلين، حتى أعلنت هذه اللجنة أنها أصبحت حكومة مؤقتة، ثم اعترفت بها روسيا، ثم كان هذا الهجوم الهائل الخاطف الذي بدأته روسيا منذ أيام، وإذا هي تكتسح به أجزاء واسعة من أرض بولندا، وتحرر العاصمة، وتحرر مدينة خاركوف ومدنًا وقرًى أخرى لا تُحصى.

وليس من شك في أن روسيا لم تبدأ هجومها هذا إلَّا وقد استوثقت من حكومة لوبلين واتفقت معها، وتحقق بينها وبين هذه الحكومة والشعب البولندي هذا التعاون الذي لا بدَّ منه لإنجاح الأعمال العسكرية الخطيرة.

والذي يعنينا الآن هو أن هذا الفوز الذي ظفرت به روسيا أمس قد ردَّ إلى بولندا عاصمتها المجيدة. وأكبر الظن أن هذا الهجوم لن يقف قبل أن يتم تحرير بولندا كلها. فستنقل الحكومة المؤقتة إذن من لوبلين إلى فارسوفيا، وستباشر سلطتها على جميع الأرض البولندية متعاونةً مع روسيا حتى تضع الحرب أوزارها، وستزداد المشكلة البولندية بين الحلفاء بهذا الانتصار وما سيتبعه من النتائج صعوبةً وتعقيدًا؛ فالروسيون هم الذين حرروا بولندا، وحكومة لوبلين هي التي يسَّرت هذا التحرير وأعانت عليه، والروسيون يعترفون بحكومة لوبلين وينكرون الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة لوبلين مستقرة في أرض الوطن، وستنتقل إلى عاصمته وتباشر منها سلطتها الشاملة.

فهذه هي سياسة الحقائق الواقعة، وسياسة الحقائق التي تؤيدها القوة الساحقة الماحقة، ولكن الحكومة المقيمة في لندن هي التي يعترف بها الحلفاء البريطانيون والأمريكيون وغيرهم من الأمم المتحدة، وهي تعتمد على أنها الحكومة الدستورية، ولها جيوش تعمل في ميادين الحرب المختلفة، فكيف يكون التوفيق بين هاتين الحكومتين البولنديتين من جهة، وبين الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة موسكو من جهة أخرى؟ هذه هي المشكلة الخطيرة التي سيواجهها اجتماع الثلاثة أو اجتماع الأربعة الذي سينعقد في وقت قريب. وليس من شك في أن المارشال ستالين سيشهد هذا الاجتماع، وسيعالج فيه هذه المشكلة وقد ملأ يديه فوزًا وانتصارًا.

وللسياسة تقلباتها وأطوارها المختلفة المتباينة، ولكن مِن وراء هذه التقلبات، بل فوق هذه التقلبات وحقائقها الواقعة حقائق أخرى معنوية أعظم منها خطرًا، وأبقى منها أثرًا؛ وهي أن الشعب البولندي قد ذاق ألوان العذاب، واحتمل من الخطوب ما يطاق وما لا يطاق، ولكنه صبر وصابر حتى أتيح له الفوز ورُدَّت إليه الحرية، وتأذن الله أن العاقبة دائمًا للصابرين الذين لا يفشلون، ولا يهنون، ولا ييأسون من روح الله.

وإذا كانت المشكلة البولندية شديدة التعقيد، فإن المشكلة اليونانية لم تُحل بعد، ويظهر أن حلها ليس قريبًا؛ فقد عقدت الهدنة بين الثائرين والإنجليز، ولكنها لم تُعقد بين هؤلاء الثائرين والحكومة اليونانية الجديدة، ويظهر أن الاتفاق بين أولئك وهؤلاء ليس يسيرًا؛ فالثائرون يريدون من الحرية والنظم الاجتماعية ما قد يميل غيرهم إلى مقاومته جهرًا أو سرًّا، والبريطانيون بين أولئك وهؤلاء يريدون أن يجدوا سبيلًا إلى التوفيق، والبرلمان البريطاني يشدد على حكومته في أن تلتزم الحيدة المطلقة على أقل تقدير.

وآية ذلك هذه المناقشة العنيفة التي اتصلت أمس في مجلس العموم، والتي لم يخلص منها وزير الخارجية إلَّا بإحالة على المناقشات التي ستدور اليوم، والتي سيتكلم فيها رئيس الوزراء، فلننتظر نحن أيضًا هذه المناقشة، على أن هناك مشكلة ثالثة معقدة كمشكلة بولندا واليونان، وهي مشكلة يوجوسلافيا؛ فقد أبى الملك بطرس، ملك هذه البلاد، إقرار الاتفاق بين رئيس وزرائها والمارشال تيتو، وأبى تعيين مجلس الوصاية، ولكن وزراءه خالفوه وأعلنوا أن البلاغ الذي أصدره منكرًا فيه هذا الاتفاق مخالفٌ للدستور؛ لأن الملك لا يستطيع أن يُمضِيَ شيئًا إلَّا إذا أمضاه معه الوزراء والمسئولون.

فليس إذن الخلاف بين الملك والماريشال تيتو فحسب، ولكنه بين الملك ووزرائه، والوزراء لم يستقيلوا، إنما أقروا رئيسهم على اتفاقه، وأصروا على تنفيذ هذا الاتفاق. وقد تدخلت الحكومة البريطانية بين الملك ووزرائه، وأكبر الظن أنها ستقنع الملك بقبول ما يعرض عليه. وقد كان بعض النوَّاب البريطانيين يأخذ المستر تشرشل في شيء من الدعابة العنيفة بأنه يغلو في محاباة الملوك على حساب شعوبهم؛ فقد ظهر أن المستر تشرشل سيقيم البرهان لخصومه على أنه لم يتردد في تأييد الشعوب على حساب ملوكها حين تقتضي مصلحة الحرب والسلم والمصالح البريطانية هذا التأييد، فهو قد أقنع ملك اليونان بقبول وصاية البطريرك، وهو يحاول إقناع ملك يوجسلافيا بقبول نظام الوصاية.

والشيء الذي ليس فيه شك هو أن حوادث السياسة تحدث وتتعقد ويركب بعضها بعضًا، حتى يكاد الناظرون في أمور العالم أن يستيئسوا من حلها، ولكن يدًا خفية تدبر هذه الحلول وتظهرها شيئًا فشيئًا حتى تفرض نفسها على الناس والساسة فرضًا. وهذه اليد الخفية هي يد الحق والعدل اللذين يأبيان إلَّا أن تكون العاقبة للشعوب حين تجاهد وتصبر وتحتمل ما يُصَبُّ عليها من الهول، ثم تريد بعد ذلك أن تجني ثمرة الجهاد، وأن تجنيها كاملةً حلوةً لا يشوبها شيء من المرارة مهما يَقُم في سبيلها من المصاعب والعقبات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.