أما إحداهما فهي هذه التي شبَّت نارها قريبًا منَّا في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهي مظهر خطير من مظاهر اليقظة وحياة الشعور وقوة الإيمان بالحق وصدق الطموح إلى العدل وشدة اليقين؛ لأن أوان إذلال الشعوب العربية قد انقضى، وبأن هذه الشعوب قد استردت كرامتها فاستردت الغضب لهذه الكرامة، وكرهت أن تُسام الخسف وأن يُفرض عليها الهوان.

فالشعب اللبناني إنما يثور في هذه الأيام؛ لأنه يريد أن يكون أمره صريحًا واضحًا، ليس فيه التواء ولا غموض، يريد أن يكون أمر الحكم فيه جليًّا، لا يُراد به إلا إمتاع الشعب بحريته كاملة، واستقلاله موفورًا، وحقه في أن يوجَّه سياسته كما يشاء هو لا كما يشاء رؤساؤه وحكَّامه.

وهو قد عرف أن الديمقراطية الصحيحة تقتضي أن يكون أمر الشعب إلى الشعب، وأن تكون إرادة الشعب فوق إرادة الرؤساء وفوق إرادة الوزراء، وأن يكون الشعب هو الذي يصادق من يشاء، ويُعرض عمن يشاء، لا تُفرَض السياسة الخارجية عليه فرضًا ولا يُفرض عليه حب دولة أو دول بعينها وبغض دولة أو دول بعينها، وإنما يختار لنفسه الأصدقاء الذين يطمئن إليهم، ويعتد بهم ويجد في مودتهم مصلحته، ويُعرِض عن الذين يتخذونه وسيلة إلى الأهواء والمنافع وأداة لتحقيق المآرب والمطامع. ومن أجل ذلك لم تكد نار هذه الثورة تشب حتى شُغل بها العالم الخارجي كلُّه، فأشفق منها المشفقون ورضي عنه الراضون، ثم لم يلبث إشفاق المشفقين أن تطور إلى الغضب والحفيظة والاستعداد لاصطناع البأس والبطش والعدوان؛ ليحموا أولياءهم في لبنان، ويكفلوا لهم البقاء في مناصبهم والاستمتاع بألوان الامتيازات، ولا عليهم إن بذل الشعب، بل لا يعنيهم إلا أن يخضع الشعب ويستكين.

فهذه الولايات المتحدة الأمريكية تستجيب لدعوة أوليائها في سرعة مذهلة؛ فترسل إليهم الأسلحة، لا ليذودوا بها عن حدود لبنان، ولا ليردوا بها كيد الأعداء المغيرين؛ بل ليسفكوا بها دماء الأحرار من أبناء الشعب، ويزهقوا بها نفوس الأبرياء من الشباب المجاهدين ومن ضعفاء الشيوخ والنساء والولدان.

وهذه الحكومة البريطانية تأبى أن تسبقها الولايات المتحدة إلى حماية الأولياء والعملاء؛ فتتخذ الأُهْبة للتدخل حين ترى أن ليس من التدخل بُد.

وكذاك يتأهب الغرب المستعمر لحماية ما بقي له من فتات الاستعمار في هذا الجزء من الأرض، لا يؤذيه ولا يسوءه أن يُذلَّ شعب أو أن تُراق دماؤه وتزهق نفوس أبنائه، وإنما يعنيه أن يبقى أولياؤه في مناصبهم؛ ليُسخِّروا هذا الشعب الحر كما يشاء المستعمرون رضي هذا الشعب أم كره.

وأغرب ما في هذا الأمر أن هذا العالم الذي يسمي نفسه بالعالم الحر، والذي يسفك الدماء ويزهق النفوس في الجزائر وقبرص وكينيا، ويملأ أجزاء من الأرض مكرًا وكيدًا وائتمارًا.

هذا العالم الحر — فيما يزعم — قد أقام الدنيا وأقعدها منذ حين؛ لأن حكومة المجر دعت روسيا السوفييتية إلى معونتها على قمع ثورةٍ أثارتها مؤامرات المستعمرين أنفسهم، فشغلوا هيئة الأمم المتحدة بهذا الموضوع، واتهموا روسيا السوفييتية بأنها تدخلت بالقوة والبأس في شئون دولة مستقلة. وهم الآن يصنعون ما لم تفكر [فيه] روسيا السوفييتية في بلاد المجر. فروسيا لم تتدخل في بلاد المجر، وإنما أعانت الشعب المجري على قمع ثورة أثارها الأجانب؛ لينكلوا بهذا الشعب ويفرضوا عليه ما لا يريد. وروسيا السوفييتية لم تُعنْ هذا الشعب إلا حين طلب إليها معونتها، فمتى طلب البرلمان اللبناني إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو إلى الحكومة البريطانية معونةً أو شيئًا يشبه المعونة؟! وإنما هو رئيس الجمهورية ووزراؤه الذين لا يريدهم الشعب والذين يثور الشعب لإزالتهم من مناصبهم.

هذا الرئيس ووزراؤه هم الذين يستعينون بالغرب على الشعب، جعلوا أنفسهم أعداء لهذا الشعب، وأرادوا أن يستذلوه وأن يسخروه لما يشاءون لا كما يشاء، وهم يستعينون بالعالم الحر على إذلال هذا الشعب وإكراهه على ما لا يريد.

ومجلس الأمن لاهٍ عن هذا التدخل، وهيئة الأمم المتحدة لا تستطيع أن تصنع شيئًا؛ لأن أحدًا لم يدعها إلى أن تصنع شيئًا. وكذلك يُزدرى الحق والعدل وتُنصر عدة ضئيلة من الأفراد على شعب بأسره، ثم ننظر فإذا روسيا السوفييتية تغضب لشعب لبنان، وتنذر المعتدين عليه أو الذين يتأهبون للاعتداء عليه، ولا تدخل نفسها بين الشعب وحكومته، وإنما تريد أن تمنع العالم الحر من هذا التدخل؛ لِيُخلَّى بين الشعب وبين حكامه، فأمرُ العالم لن يفسد ولن يضطرب إذا أُزيل هؤلاء النفر من حكم لبنان عن مناصبهم، ولكن أمر العالم سيفسد وسيضطرب أشد الاضطراب وأخطره إذا تدخل العالم الحر بزعمه في شئون لبنان، فهذا الإنذار الروسي ليس ضربًا من اللعب، وإنما هو حديث الجادين. فإذا وقع الاصطدام بين الغرب الذي يريد التدخل وبين الشرق الذي يريد أن يمنع هذا التدخل، فمن الذي يستطيع أن يُقدِّر عواقب هذا الاصطدام؟!

سيكون الخطر كل الخطر على هذا الجزء من الشرق العربي، وإذا شبَّت الحرب في جزء من الأرض، فمن ذا الذي يستطيع أن يكف نارها عن أن تنتشر وتستطير.

والغريب أن ساسة الغرب ليسوا من الغباء بحيث تخفى عليهم هذه العواقب، ولكن المصالح والمطامع وحب الاستعلاء وبسط السلطان؛ كل ذلك يعميهم ويصمهم ويدفعهم إلى هذه الحماقات التي قد تعرض العالم لشر عظيم، ومن يدري لعل عقول الساسة الغربيين أن تثوب إليهم؛ فتكفهم عن هذا الشر العظيم قبل أن يتورطوا فيه ويورطوا العالم كله فيه أيضًا.

هذه إحدى الثورتين، أما الثورة الأخرى فهي تلك التي تشب في غرب البحر الأبيض المتوسط، ويشبُّها الفرنسيون المستعمرون في الجزائر؛ لأنهم يخشون أن تجنح الحكومة الفرنسية الجديدة إلى السلم في هذا الجزء من العالم العربي في المغرب، يخشون هذا فيخرجون على حكومتهم، ويؤيدون الجيش الذي يرابط في الجزائر منذ أعوام، والذي أسرف في سفك دماء جنوده ودماء الثائرين من أهل الجزائر عامًا وعامًا وعامًا دون أن يخمد الثورة أو يضعفها. هذا الجيش يأبى أن يضع السلاح وأن يؤثر العافية وأن يدَّخر نفسه وعدته لحماية وطنه إن تعرض للشر، يأبى هذا كله لا لشيء إلا لأنه ظمئ إلى الدماء، وإلى الدماء العربية بنوع خاص، قد شرب منها فاستعذبها، فهو يريد أن يستزيد؛ لأن هذه الدماء لا تشفي غليل الذين يشربونها، وإنما تزيدهم ظمأ إلى ظمأ، فيشربون حتى تقتلهم هذه الغُلَّة التي لا تريد أن تهدأ ولا أن تبرأ.

يثور هذا الجيش، وتضطرب لثورته الحكومة في باريس، ويتملكها الجزع؛ فتفزع إلى البرلمان الذي لم يكن أقل منها جزعًا واضطرابًا، فيمنحها هذا البرلمان قانون البطش والبأس والتحكم في أشخاص الفرنسيين وأموالهم ومصالحهم وحقوقهم كلها؛ لتتقي الجنرال دي جول الذي لا ينتظر إلا الدعوة للنهوض بالحكم وإعلان الدكتاتورية الهتلرية.

والغريب أن الثائرين الفرنسيين في الجزائر لا ييأسون من الغارة على فرنسا نفسها؛ ليخلصوها من حكوماتها الضعيفة المتهافتة، وليولوا عليها هذا الدكتاتور العسكري الذي ينتظر أن تُدفع إليه أعنَّة الحكم؛ ليعلم الفرنسيين كيف يسيرون سيرة الجد والعمل، وكيف يستردون ما أضاعوا من عظمة وطنهم.

وإذا كانت يقظة الضمير الوطني، وقوة الإيمان بالحق والعدل، وشدة الحرص على أن يكون الشعب ولي أمره وسيد نفسه، إذا كانت هذه الخصال كلها هي التي أشعلت نار الثورة في لبنان، فإن خصالًا أخرى تناقضها أشد المناقضة هي التي أشعلت نار الثورة على فرنسا، وعرَّضت نظامها القائم للانهيار؛ فقد نام ضمير الفرنسيين، وأدرك الفتور شعورهم الوطني، وشُغلوا بأنفسهم عن وطنهم، وانصرفوا إلى حياتهم يرفِّهونها ويملئونها بالترف والملذات. حسبُ أحدهم أن يأكل حتى تدركه التخمة، وأن يشرب حتى يأخذه الدوار، وأن يأخذ في لذاته القريبة والبعيدة، وأن يجمع من المال ما يمكنه من هذا كله.

ولأمرٍ ما هُزمت فرنسا في الحرب العالمية الثانية، ولأمر ما دُحرت في الهند الصينية، وفقدت مستعمراتها وتقلص نفوذها حتى انكمش إلى حدودها، وكذلك تستيقظ شعوب فتثور وتنام شعوب أخرى؛ فيأخذها الضعف ويشيع فيها التحلل حتى يُشرف بها على حافَّة هُوَّة بعيدة القرار.

وإلى الله وحده تصير الأمور.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.