الأستاذ خير الدين الزركلي أديب شاعر، وبحَّاثة صبور، وسياسي بعيد الغور، ووطني مجاهد. عرفته في رحلة الحجاز على ظهر الباخرة (مالودي)، وكان من فضل بطئها وضيقها — عليَّ — أن كشفت لي منه عن جوانب محببة وأخرى رائعة، فتعلَّقت به، ولم أكن قد سمعت حتى باسمه، وهذا غريب ولكنه الواقع، فكان سلوكي حياله بعد التعارف سلوك الأديب المشهور حيال واحد من خلق الله والسلام، أعني — وإن كان الأمر لي يحتاج إلى إيضاح — أني كنت أنظر إلى نفسي كأني بطل هذه الرحلة، وإليه كأن وجوده غير مفهوم. ولكنني لم أعنِّ نفسي بالأمر، وقلت إن لي في البحر متصرَّفًا عن كل ما لا أفهم أو لا أحب، ولكني مع هذا توخيت معه الأدب والتواضع — على عادتي — غير أن حديثه على المائدة أيقظني ففتحت عيني جدًّا وأرهفت له سمعي، وأنا رجل لا يقبل على الجليس حتى يعرف من هو وكيف هو، وقد أتبسَّط حتى مع الغرباء كراهة مني للتكلف الذي لا موجب له، غير أني بعد ذلك أنساهم وأطوي صفحتهم طيًّا ليس له من نشر فكأنهم ما كانوا. أما الزركلي فقد جذبني إليه بعنف، ولم أكد أسمع منه كلمات حتى أيقنت أن أمره أكبر مما يبديه تواضعه، وأن شأنه فوق ما توهمت لأول وهلة، وجعلت وكدي بعد ذلك أن أوثق ما بيني وبينه، وأن أغض من كبريائي من غير أن أدعه يفطن إلى انهزامي.

ولما كنا في وادي فاطمة — في قلب الصحراء — دنا من الزركلي صبي في الثانية عشرة من عمره أو حوالي ذلك، وقال له: «أنت الأستاذ الزركلي؟»

قال: «نعم، وكيف عرفتني؟»

قال الصبي: «رأيت صورتك.»

فسأله: «وأنت ما اسمك لأعرفك؟»

فقال الصبي: «إني ما زلت صغيرًا فلا قيمة لاسمي؛ أما أنت فمشهور معروف.»

فسرَّنا من الفتى هذا الإحساس، ومضينا عنه معجَبين به، ورحت أنا أفكر في هذا الزركلي المشهور الذي سار اسمه في الشرق وجاب القفار والفدافد حتى بلغ هذه الواحة النائية؛ ومع ذلك لم أكن أعرفه ولا كنت قد سمعت به! وأحسب هذا من ذنوبي، فإني أسير في هذه الحياة كالذاهل عنها، كثيرًا ما يخيَّل إليَّ أني كالجواد المشدود إلى مركبة لا يستطيع أن يبصر إلا ما هو أمامه، أما ما يكون إلى يمينه أو يساره فهذا يحجبه عن عينيه ما ركبه له صاحبه على جانبي وجهه؛ ذلك أن ما يدور في نفسي يستغرق خواطري ويستبدُّ بانتباهي، ولهذا مزيَّته ولكن له أيضًا مساوئه، وقد تأخذ عيني الشيء وأنا غير شاعر بذلك، وترتسم الصورة في صدري — أو لا أدري أين ترتسم — من غير أن أفطن إلى ما حدث، ولا أراها أو أحسها أو أتنبَّه إليها إلا حين أخلو إلى نفسي وأدير عيني في قلبي … وليس هذا بعذر ولكنه الواقع.

وبعد عام من اتصالي بالصديق الزركلي — فقد صار صديقًا أحب إليَّ وأعز عليَّ وأكرم عندي وأجل من كثيرين من أصدقاء العمر — أهدى إليَّ كتابًا له اسمه «الأعلام» في ثلاثة أجزاء، يقع كل منها في أكثر من أربعمائة صفحة من القطع الكبير؛ فلما تصفحته سألته في كم سنة وضع هذا الكتاب، فقال إنه سلخ فيه من عمره خمسة عشر عامًا!

وليست خمسة عشر عامًا بالزمن الذي يستكثر على كتاب كهذا هو عبارة عن معجم لتراجم الرجال والنساء من العرب والمستعربين في الجاهلية والإسلام والعصر الحاضر، مع العناية بضبط الأسماء — وتلك وحدها تستنفد العمر — والتوفيق بين التاريخين الهجري والميلادي على الرغم من إغفال أكثر المؤرخين ذكر الشهر بل العام الذي ولد فيه أو تُوفِّيَ صاحب الترجمة، وحسبك شاهدًا بما لقي من العناء والبرح في هذا وحده قوله: «كنت أقف أمام المولود أو المتوفى في سنة ٤٣٥هـ (مثلًا)؛ فأرى سنة ١٠٤٣ الميلادية تنتهي في جمادى الأولى، وهو الشهر الخامس من السنة، فلا أدري أكانت الولادة أو الوفاة أول السنة فتطابقها سنة ١٠٤٣م أم في آخرها فتطابقها سنة ١٠٤٤، فلم يكن أمامي بعد إطالة البحث عن الشهر غير الترجيح مع فقد المرجح، ولم (أغن) عن الإشارة إلى ذلك هنا مخافة أن أتهم بارتجال التاريخ في عصر كثر فيه مرتجلوه.»

وقد نبَّه في المقدمة إلى كثرة التحريف في كتب التراجم وإلى التعارض الذي لا يسهل معه تمييز الصحيح من العليل، فقال: «فاختلاف المؤرخين، وتضارب رواياتهم وتعدد نزعاتهم، واختلاف النسخ من الكتاب الواحد، وكثرة الأغلاط في المطبوع والمخطوط، وتداخل أخبار القوم بعضها ببعض، وفقدان العدد الأوفر من مصنفات الأقدمين، ومنع بعض الفرق كتبها أن يطلع عليها غير أبنائها. ذلك، وما هو باليسير، كافٍ لأن يجعل تأليف كتاب «الأعلام» عملًا شاقًّا تكتنفه المصاعب.»

ولذلك دعا أهل العلم إلى نقد ما عسى أن يكون قد وقع فيه من خطأ وبيان ما يبدو لهم من مواطن ضعفه. وقديمًا قال إبراهيم الصولي:«المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل فيه من منشئه.»

وقد آثر أن يجعل ميزان الاختيار، أن يكون لصاحب الترجمة علم تشهد به تصانيفه أو خلافة أو ملك أو إمارة أو منصب رفيع — كوزارة أو قضاء — كان له فيه أثر يُحمد، أو رياسة مذهب، أو فن تميَّز به، أو أثر في العمران يذكر له، أو شعر؛ أو مكانة يتردد بها اسمه، أو رواية كثيرة، أو أن يكون أصل نسب أو مضرب مثل، وضابط ذلك كله: أن يكون ممن يتردد ذكرهم ويسأل عنهم.

«أما من أغدق عليهم بعض مؤرخينا نعوت التمجيد وصفات الثناء إغداقًا، كما صنع أصحاب «الريحانة» و«اليتيمة» و«السلافة» و«سلك الدر» وعشرات أشباههم، من إطرائهم قائل بيتين واهيين من المنظوم بما لا يُطرَى به صاحب ديوان من الشعر، ورصهم صفات الإمامة والعلم والهداية والتشريع لراوي حديث أو حديثين، أو لمتفقه لم تسفر حياته عن أكثر من حلقة وعظ تغص المعابد بأمثالها كل يوم — فقد تعمدت إغفال ذكرهم اجتنابًا للإطالة على غير ما جدوى، ورغبة في الوقوف عند الحد الذي رسمته لنفسي في وضع هذا الكتاب.»

من هذه العبارات التي نقلتها من مقدمة «الأعلام» يرى القارئ الغرض من الكتاب، والطريقة التي جرى عليها في تأليفه، والعناء الذي كابده في جمعه وترتيبه، وضبط مادته. وهذا التيسير يكثر عادة في مفتتح النهضات القومية لشدة الشعور بالحاجة إليه. والواقع أن درس الأدب العربي والتاريخ الإسلامي يحتاج إلى تيسير كثير. وما أكثر من انصرفوا عنهما، واجترءوا بالإلمام السطحي أو رضوا لأنفسهم الجهل التام به لشدة المشقة التي يعانونها في تحصيل ذلك وكثرة ما يضيع من العمر في سبيله بلا جدوى أو عائدة تستحق الذكر، وهذه المشقة هي العلة فيما هو ملحوظ من الجهل الفاشي بالأدب العربي والتاريخ الإسلامي في الجيل الناشئ، ولا يسع المنصف إلا أن يعذر أبناء هذا الجيل؛ فإن السهولة التي يحصل بها الشاب آداب الغرب وتاريخه وكل ما عنده من علوم وفنون، تجعل صعوبة الأدب العربي والتاريخ الشرقي أبرز وأبعث على الإحجام عن المعاناة، والمرء مفطور على إيثار ما هو أسهل، بل كل شيء في الحياة يتوخَّى الطريق الأسهل؛ فالعود النابت إذا صادفته حصاة يدور حولها وينفذ من التربة اللينة، ولا يكلف نفسه أن يخترق الحصى، والماء المنحدر يحيد عن الصخور إلى الأرض الدمثة، وهكذا في كل شيء. ومن هنا كان الجري على المألوف أيسر من افتزاع الطريق البكر، وكان الابتكار أقل من التقليد، والمحاكاة أكثر شيوعًا وأشد إغراءً للنفوس؛ فالذي صنعه صديقنا الأستاذ الزركلي خدمة جليلة للأدب العربي والتاريخ الشرقي كله لا الإسلامي وحده.

وصديقنا الزركلي شاعر فياض أيضًا، مشرق الديباجة، رقيق الحاشية، محكَم الأداء، وهو فوق ذلك من الوطنيين المجاهدين الذين يقاسون وحشة النفي عن وطنهم الذي تتحرق عليه نفوسهم، وإن كان يلقى في منفاه من الإيناس والتقدير ما يخفف وقع هذه الوحشة، وإن كان غير حقيق أن يمحوها. ومن الظواهر التي تلفت النظر أن الأدباء هم الذين رفعوا راية الحركات الاستقلالية في الشرق، ولا يزالون يغذونها ويؤرِّثون نارها ويستحثونها، وليس في هذا وجه معجب، فإن الأديب بطبيعته أحسُّ من سواه وأدق شعورًا، فمن حقه أن يكون أسبق إلى نشدان الحرية التي هي حياة كل أدب صادق. والتاريخ شاهد بأن كل حركة قومية تسبقها دائمًا نهضة أدبية، وإلا كانت مفتعلة، وهذا هو الذي يطمئننا على النهضة المصرية وأخواتها في الأقطار الشرقية. وعندي أن لرجل مثل حافظ إبراهيم بك من الفضل على الحركة القومية في مصر فوق ما لكثير من الزعماء الذين صار قياد هذه الحركة في أيديهم مهما كان الرأي في شعره، ومن هنا كان شعر حافظ وثيق الصلة بالتاريخ القومي ملحوظ الأثر على خلاف شعر شوقي الذي نرجو أن نتناوله في الأسبوع المقبل لمناسبة ظهور الجزء الثاني من ديوانه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Omar Khaled Mohamed Taha ·٣١ يناير ٢٠١٧، ٢٣:٢ م

    رائع.. .. ..، كلام فى منتهى الروعة