من المعلوم أن علماء التاريخ الطبيعي الأقدمين يُقدِّرون العمر الطبيعي للإنسان بنحو مائة وثلاثين سنة، ويبنون هذا التقدير على قاعدة يستخرجونها من ملاحظة أعمار الحيوانات، وهي في العادة تبلُغ من العمر ستة أمثال المدة التي تقضيها من ولادتها إلى نضجها وتمام تكوينها. وقد قلتم في اليوميات إن علماء العصر الحاضر لا يقدرون للإنسان عمرًا أطول من مئة وخمسين سنة … فهل يقدرون هذه المدة بناء على قاعدة علمية متَّفق عليها غير القاعدة المأثورة عن علماء العصور الماضية؟

شفيق رياض، المنيا

أما «قاعدة علمية» فالواقع أنها قواعد كثيرة صالحة لبناء التقدير عليها، وهم يُعوِّلُون فيها جميعًا على المعلومات التي أصبحت ميسورةً لهم، ولم يكُن ميسورًا منها للأقدمين غير القليل المشكوك في مصادره وأسانيده.

وأما القاعدة «المتَّفق عليها»، فلا نعلم أنهم وصلوا إليها؛ لأنهم يُدخلون في حسابهم أمورًا كثيرة يصعُب الاتفاق عليها مع تفرُّق الباحثين فيها.

فمنهم من يُعنى بتحقيق الروايات التاريخية عن المُعمَّرين، ومنهم من يُعنى بالمقارنات بين الأخبار المصحَّحة التي حققها علماء الأجناس البشرية «أثنولوجي» وعلماء الإنسان «أنتروبولوجي» وعلماء الحفريات.

ومنهم من يُعنى بامتحان العظام والأنسجة في حالتَي التكوين والانحلال. ومنهم من يعتمد على ملاحظات الخبراء بأحوال العمر في شركات التأمين.

وأسلم تقديراتهم من الخطأ والمبالغة ما كان من قَبيل التحقيقات السلبية التي تَنفي مبالغات الرواة عمَّن جاوز المائة من معمَّري العصر الحاضر أو العصور التاريخية.

وبعد الكلام في يوميات هذا الأسبوع عن دستيفسكي ومايكوفسكي تَتِمُّ التشكيلة بالطريقة الروسية التي يختارها أشهر العلماء الطبيعيين والحيويين من الروس المعاصرين، وهي طريقة لازاريف Lazarev الذي يَبني تقدير العمر على تقدير المدة الكافية لتكوين حاسة البصر وحاسة السمع ونُمُوِّهِمَا إلى الغاية من الدقة والقوة، ثم تقدير أطوار الضعف والمُدَد التي تمُرُّ بها إلى الغاية من العجز والتوقُّف، ويرسم لهذه الأطوار خطوطًا ترتفع وتستقيم وتنحني وتنحدر على حسب السنوات، وتظهر منها نسبة الدرجة إلى السنة بانتظام مُطَّرِد عند المقابلة بين الأحوال المتعددة، مع اختلافها في الظروف والملابسات.

ومتى عرفت المدة الكافية لحدوث أعراض الشيخوخة، عَرَفت بالقياس إليها مدة العمر الباقية إذا انتهى العمر قبل تمام العجز والتوقُّف في وظيفة الأذن أو العين.

وعلى حسب هذه التقديرات يرى لازاريف أن الإنسان يعيش مائة وخمسين سنة، وقد تزيد إلى مائة وثمانين إذا تمكَّن العلماء من حصر جميع العوامل، ومنع جميع العوائق وعوارض الانحراف والاستثناء.

وكل تقدير يقوم على أكتاف «إذا» فهو دليل يهدف إلى طريقين، وقاعدة يختلف عليها القائل الواحد، فضلًا عن القائلِين المختلفِين.

***

والنقلة من نهاية الحياة إلى عالم الأرواح قريبة جدًّا، كالنقلة بين نهاية حدود الدنيا وبداية حدود الآخرة.

ولكن الاتفاق عليها ليس بأهونَ من الاتفاق على أمد الحياة، بل الاتفاق على أي شأن من شئون الحياة.

فمن الرسائل الكثيرة التي أتلقَّاها من المحضِّرين للأرواح والشاكِّين في تحضيرها رسالة طريفة في أسلوبها بتوقيع «المقدس سامي بولس بحلمية الزيتون» يتخللها هذا الحوار بين وسيط ومتحدِّث من عالم الخفاء يبادله الآراء باسم أحد الأرواح!

الوسيط: يا إلهي. إني في حيرة. روح تتكلم من العالم الآخر وتقول إنها ليست من أرواح البشر … روح مَن هذه تكون؟الروح: اسمع واعرف … أنا شيطان … أنا روح من الجان، أتحدث معك، وهكذا تفعل الشياطين دائمًا عندما يقال بتحضير الأرواح … وتنتحل روح الميت وهو لا يعلم شيئًا.الوسيط: إذن تحضير الأرواح خرافة.الروح: ولا شيء غير ذلك.

ويمضي الحوار على هذا النسق إلى ختامه. ويختمه الروح الشرير قائلًا: إلى اللقاء في عالم الأرواح! …

والمشكلة الجديدة — بعد مشكلة التحضير — هي مشكلة هذا الشيطان «الطيب» الذي يُفشي سر المهنة، ويتطوع لتحذير بني آدم وحواء من أكاذيب الشيطان.

ولا يحزن أنصار التحضير بعد ذلك؛ فإن هذا الشيطان أقدَر من الآدميين على تفنيد أباطيل الماديين، وتبديد شكوك المترددين … لأنه يتكلم على أية حال من وراء المادة ومن عالم الغيب … وليس وراء ذلك شوط مقصود للمحضِّرين الواصلين أو التائهين بين مجاهل الطريق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.