ذهبت منذ أيام لزيارة صديقي الفاضل أميل أفندي زيدان صاحب «الهلال»، فوجدت بين يديه كتاب «المواكب»، وكنت في شوق كبير للاطلاع عليه، فسألته أن يعيرني إيَّاه فأجاب سؤالي. وحملت الكتاب للبيت، ولما فرغت من تلاوته قمت للقلم لأكتب هذا المقال الصغير عن ذلك الكتاب النفيس، شارحًا للكُتَّاب ما أحدثه جبران أفندي في الأدب العربي من التغيير والتبديل. وجبران أفندي من كتَّاب العربية وشعرائها الذين انتهجوا لأنفسهم منهجًا جديدًا تجلَّت فيه شخصيتهم كالشمس في رابعة النهار.

جبران أفندي خليل جبران شاب سوري غادر مسقط رأسه إلى أميركا كما فعل كثير من السوريين، وعاش في وطنه الجديد إلى يومنا هذا محترفًا حرفة القلم، فكتب في جرائد أميركا السورية. وما لبث أن عرفه قراء العربية في كل بقعة من بقاع الأرض، عرفوه كاتبًا بعد أن قرءوا كتبه: «الأجنحة المتكسرة» و«الأرواح المتمردة» و«دمعة وابتسامة» و«يوحنا المجنون». ثم عرفوه شاعرًا بعد أن قرءوا كتابه الجديد «المواكب». ولكننا لا نرى فيما كتبه جبران أفندي من نثر وشعر غير قصائد خيالية أوحاها إليه خياله الراقي وروحه الثائرة المتمردة، فهو في نظرنا شاعر، وما نثره المتداول بين أيدينا إلا قصائد منثورة لم يجاره فيها شاعر آخر. وإلى القارئ شيئًا من نثره — بل من شعره المنثور:

خيم الليل بجنحه فوق المدينة، وألبسها الثلج ثوبًا، وهزم البرد ابن آدم من الأسواق، فاختبأ في أوكاره، وقامت الرياح تتأوه بين المساكن كمؤبن وقف بين القبور الرخامية يرثي فريسة الموت.

ألا يرى القارئ في هذه الجمل المتناسقة التي يطلق عليها القراء كلمة نثر شعرًا خياليًّا يهز أوتار القلب ويوقظ النفس النائمة؟

هذا هو الأمر الأول الذي نراه فيما كتبه جبران.

ولم يكتفِ بأن يكون شاعرًا خياليًّا ينظم القصائد المنثورة ويودعها ما بقلبه من ثورة وألم، وما في مآقيه من دموع، وما في نفسه الطاهرة من سخط على العالم الإنساني، وما فيه من أوهام وأكاذيب، بل عمد إلى أسلوب جديد ملأه بالاستعارات والرموز لم يقتفِ فيه آثار أي كاتب قديم، ولا نغالي في القول لو قلنا: إنه نسيج وحده وقريع دهره في هذا الباب. فإذا أتيت لأي قارئ بجملة من جمل جبران غير مذيلة باسمه لقال لك على الفور: هذه جملة من جمل جبران.

هذا هو الأمر الثاني الذي نراه فيما كتبه جبران.

ولم يكتفِ جبران بأن يكون شاعرًا خياليًّا ذا أسلوب جديد، ولكنه سار في كل ما يكتب وراء شخصيته، وقليل من كتاب العربية من هو على هذه الصورة.

تراه لا يكتب إلا ما يعتقد، ولا يخط على القرطاس إلا ما يوحيه إليه وحيه، وإن خالف في ذلك ما يعتقده القراء والكتاب؛ لهذا ترى شخصيته واضحة جلية في جميع كتبه، فهو في هذا الباب كبيير لوتي من كتَّاب الغرب.

هذا هو الأمر الثالث الذي نراه فيما كتبه جبران.

وابتدأ جبران حياته الأدبية بدموع وابتسامات: ظل يذرف الدمع على آلام الإنسانية، ويبتسم لجمال الطبيعة إلى أن مرت عشر سنين من حياته القلمية، تكونت فيها نفسه واضطرمت فيها ثورة قلبه، فوجدناه — فيما بعد — متمردًا ساخطًا صارخًا، يصيح بين ضجيج العميان، ويحدق في الشمس بعينيه المفتوحتين، ويقف بين القبور الصامتة وعلى قمم الجبال الشاهقة لينشد قصائده الخالدة. ولكننا نرى بين غيومه السوداء برق الأمل، ونسمع من رعده القاصف صوت الرحمة، ونشعر عندما تهب عواصفه بحلاوة الحب؛ حب الحياة الهادئة الساكنة التي تتجلَّى فيها الطبيعة ويُنصب فيها ميزان العدل.

هذا هو الأمر الرابع الذي نراه فيما كتبه جبران.

كتابه «المواكب»

ثم عالج جبران باب الشعر الموزون المُقفَّى، فكتب كتابه «المواكب»، وهو الكتاب الذي من أجله نكتب هذا المقال.

الأشياء التي تسترعي النظر عند رؤية الكتاب: إذا أمسكت بكتاب «المواكب» في يدك وقلَّبت صفحاته؛ بدا لك لأول وهلة أمر غريب لم تره عيناك من قبل بين صفحات الكتب العربية المؤلفة في عصرنا الجديد، ألا وهو أنك ترى لأول مرة كتابًا عربيًّا جديدًا في قالب خيالي منظومًا من أوله لآخره. وقد كنا نعيب على شعرائنا الشرقيين إيثارهم القديم على الجديد؛ لأننا لم نجد لهم غير قصائد ساروا فيها على طريقة الشعراء السالفين دون أن يبتكروا لهم طريقة جديدة، أما اليوم فقد أتى جبران بما كنا في حاجة له. ولم يقتصر جبران على اختيار موضوع فلسفي نظمه في قصيدة طويلة، ولكنه فعل أكثر من ذلك باختياره القوافي المتعددة والأوزان المختلفة، فخالف بذلك الشِّرعة القديمة، وابتكر طريقة جديدة نأمل أن يتبعه فيها الشعراء الشرقيون.

وهناك أمر آخر يسترعي نظرك عند رؤية الكتاب؛ ألا وهو الصور العديدة التي نقشتها يد الكاتب مصورًا ما كتبه في كتابه. لا ننكر أن رأينا كتبًا عصرية مملوءة بصور فوتوغرافية، ولكننا لم نجد كتابًا حَلَّاه مؤلفه بصور مبتكرة من مخيلته نقشتها يده؛ لتصوير ما أملاه عليه ضميره. ونظرة منا لهذه الصور تكفي لأن تثبت لنا قدرة الكاتب وعبقريته في فن التصوير. ولقد قرأنا عنه أنه سافر خصيصًا لباريس لدرس هذا الفن، وشهد له كبار المصورين في فرنسا بالنبوغ.

غرض المؤلف من تأليف الكتاب

أراد جبران بتأليف هذا الكتاب نقد المجتمع البشري وما حواه من عادات وشرائع وقوانين. لم يجد جبران في المجتمع الإنساني إلا أكاذيب تُضل الناس عن الطريق السوي، وما الطريق السوي إلا العودة إلى الطبيعة وبساطتها، تلك البساطة التي لا تكلف الناس شيئًا، بل تقربهم بعضهم من بعض، وتمحو من نفوسهم ما ألصقته بها حياة المجتمع وقوانينه من الأدران والأوهام. وما أجمل قوله:

ليت شعري أي نفع

في اجتماع وزحام

وجدال وضجيج

واحتجاح وخصام؟!

يرى جبران في المجتمع الإنساني قوانين وعادات يسود بها البعض، ويذل بها الآخرون. فأين إذن سعادة النفس وهناء القلب والناس كالذئاب لا تسعى إلا في ضرر غيرها؟ فالسعيد في الحياة هو من بنى له قصرًا على قبور إخوانه المساكين الذين داسهم بأقدامه الضخمة دون أن يرحمهم أو تأخذه بهم الشفقة والحنو. أما في الغاب حيث تتجلَّى الطبيعة وتجلس البساطة على عرش الرحمة والتآخي، فالحياة فيها كما قال:

ليس في الغابات راعٍ

لا ولا فيها القطيع

فالشتا يمشي ولكن

لا يجاريه الربيع

خُلِقَ الناس عبيدًا

للذي يأبى الخضوع

فإذا ما هب يومًا

سائرًا سار الجميع

أعطني الناي وغنِّ

فالغنا يرعى العقول

وأنين الناي أبقى

من مجيد وذليل

واختار جبران لتصوير فكرته شخصين: الأول شيخ عاش في المدينة طول عمره، وخبر ما فيها من العادات والقوانين والشرائع والأوهام والأكاذيب. ثم خرج إلى الغاب بعد تجربته وخبرته؛ ليستريح من وعثاء سفرته الطويلة التي قضاها جائلًا في أنحاء المدينة، فيلتقي في الغاب بشاب لم ترَ عيناه غير أشجار الغاب، ولم يتنفس غير هوائه الطلق، ولم يسمع غير ألحان طيوره. فالأول شيخ ضامر التجاليد محدودب الظهر مرتجف الأنامل، والثاني فتًى جميل الصورة قوي البِنْيَة حاملًا نايه في يده ليحيي الطبيعة بأناشيده الخالدة. يلتقي الرجلان في الغاب، ويبدي كل منهما آراءه في الحياة: الأول لم يجد في حياة المجتمع الإنساني غير التشاؤم والشقاء، والثاني لم يجد في حياة الغاب غير السعادة والهناء. هذا هو ملخص ما أراد جبران إثباته في كتابه. ومن هذه المحاورة الشيقة التي خطتها يده تظهر لك آراؤه الفلسفية في الحياة وفي الشرائع والأديان. على أنه لا يقصد في كتابه أن يدعو الناس إلى عيشة الغاب وهجر المدن، ولكنه يريد أن يتبسط الناس في حياتهم، وأن يتركوا الروابط الكاذبة التي تربطهم في مجتمعنا البشري. وما الغاب الذي كتب عنه جبران إلا رمز البساطة لا ينتج عنها إلا الهناء والسعادة.

قيمة الكتاب: لا نبالغ في القول لو قلنا: إن الكتاب هو من خيرة ما أخرج للناس في عهدنا الحاضر، ففيه تتجلى عبقرية جبران، وفيه نسمع صراخ وحيه القادر؛ ذلك الوحي الإلهي المتمرد الذي ظهر لنا في هذا الكتاب ساخطًا على قوانين البشر على لسان الفتى ابن الغاب بعد أن يشرحها ويحللها على لسان الشيخ؛ شيخ المدينة. فجبران كتب لنا هذا الكتاب منتهجًا خطة جديدة في أسلوبه الشعري، وشارحًا لنا أفكارًا فلسفية جديدة أيضًا، ولقد نجح نجاحًا كبيرًا يغبطه عليه كل أديب.نقد الكتاب: حاول جبران أفندي أن يأتي في نثره بأسلوب جديد فنجح نجاحًا كبيرًا، ثم حاول أن يأتي لنا بأسلوب جديد في شعره فنجح، ولكنه لم ينجح النجاح الذي يريده له كل محب لشعره شغوف بما تخطه يده؛ فتراكيبه في النظم غير متناسقة كما هي في النثر. ولكن ذلك لا ينقص من قيمة الكتاب، ونحن على يقين تام أن ضعف أسلوبه في النظم سيزول على مر الأيام، وسوف يكتب لنا الكاتب فيما بعد كتبًا منظومة خالية من كل وهن. ويكفينا منه الآن شاعريته الكبيرة وعبقريته التي ليس لها حد، ووحيه المتمرد الذي يغور في خفايا القلوب ليضيء ظلماتها، ويفرج عنا الهموم والكروب.

أمثلة من شعره:

على لسان الشيخ:

الخير في الناس مصنوع إذا جبروا

والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا

وأكثر الناس آلات تحركها

أصابع الدهر يومًا ثم تنكسر

فلا تقولن: هذا عالم عَلَم

ولا تقولن: ذاك السيد الوقر

فأفضل الناس قطعان يسير بها

صوت الرعاة ومن لم يمشِ يندثر

على لسان الفتى:

ليس في الغابات حزن

لا ولا فيها الهموم

فإذا هب نسيم

لم تجئ معه السَّموم

ليس حزن النفس إلا

ظلُّ وهمٍ لا يدوم

وغيوم النفس تبدو

من ثنايها النجوم

أعطني الناي وغنِّ

فالغنا يمحو المحن

وأنين الناي يبقى

بعد أن يفنى الزمن

على لسان الشيخ:

والدين في الناس حقل ليس يزرعه

غيرُ الأُلى لهم في زرعه وطر

من آملٍ بنعيم الخلد مُبْتشرٍ

ومن جهولٍ يخاف النار تستعر

فالقوم لولا عقاب البعث ما عبدوا

ربًّا ولولا الثواب المرتجى كفروا

كأنما الدين ضرب من متاجرهم

إن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا

ومن أحسن ما قاله قوله على لسان الفتى:

ليس في الغابات سكر

من خيال أو مُدام

فالسواقي ليس فيها

غير إكسير الغمام

إنما التخدير ثدي

وحليب للأنام

فإذا شاخوا وماتوا

بلغوا سن الفطام

أعطني الناي وغنِّ

فالغنا خير الشراب

وأنين الناي يبقى

بعد أن تفنى الرضاب

وليس لنا في الخاتمة إلا أن نقول: إن جبران أفندي جبران عبقري في نثره، وعبقري في شعره، وعبقري في صوره، ونحن ننصح لجميع القراء أن يقرءوا كتبه؛ ليعرفوا مذهبه الجديد في الأدب، ويقفوا على أفكاره السامية، وينشدوا معه قصائده الخالدة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.