أيسر شيء على بعض النَّاس في هذا البلد أنْ يُرمى الرَّجُلُ بالإلحاد في دينه، والمروق من إيمانه، إنْ أَنْكَرَ بدْعَة معروفة أو جحد خُرافة مألوفة، كأنَّما مَفَاتِيح الجِنَان في يدِ فُلانٍ يُدْخِل فيها من يشاء ويذود عنها من يشاء.

كذلك من الميسور إباحة المحظور، والتماس الحيلة في كل مستغلق من الأمر، كأنما الدِّينُ إطار مَرِن يستطيع أن يُحيط بكل شيء حتى المتناقضات.

كل هذا يسير لا بأس به ولا بدع فيه، وإنما القصد في الدين والاعتدال في الإباحة والخطر؛ هما الأمران اللذان قد بلغا من العُسر أقصاه، ومن الحرج مُنتهاه حتى ضاق بهما التأويل، ولم يسعهما النص والدليل، فاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا.

ليس الإيمان مِلْكًا لأحدٍ مِنَ النَّاسِ إنْ شَاءَ وَهبني إيَّاهُ، وإنْ شَاءَ استرده مني، وإنما هو سبيل واضحة إلى رضى الله، قد مهدت للناس كافة يسلكها منهم القاصدون ويصدف عنها الجائرون؛ فمن يهدي الله فما له من مُضل ومن يُضلل الله فما له من هادٍ.

لا يعرف الإسلام لأحدٍ من الناس حق السيطرة على العقيدة والهيمنة على القلوب، وإنَّما ذلك حق الله وحده يستطيع أنْ يجزي الناس بما يُضمرون من خير وشرٍّ، فيُثيب المُحسن ويُعاقب المسيء. () (البقرة: ٢٥٦).

الدين الذي ينطق بهذه الآية الكريمة لا ينبغي أنْ يُرْغَمَ عليه الناسُ إرغامًا، وأن يُذادوا عنه كارهين، كما أنَّه لا يَصِحُّ أن يحال بينهم وبينه بأسوار من الوهم والخُرافات، بل يجبُ أنْ يَظَلَّ كعهده أيام النبي لا زيغ فيه ولا عوج، فما بال فريق من أولئك الذين سُدَّت عليهم مَصَادِرُ الحيلة في هذه الحياة وأعياهم طلب الرزق قد رَكبوا رِقَابَ النَّاسِ باسم الدِّين، واستلانوا كواهلهم أكثر مما استلان شيطان الأساطير كاهل السندباد البحري في أقاصيص ألف ليلة وليلة. ما بالهم يصرفون الناس إلى كل منكر، ويوقعونهم في كل محظور ويفتحون في وجوههم من أبواب الحيلة والرياء في الدين شيئًا كثيرًا.

بُعدًا لذلك اليوم الذي يُصبِح فيه الدين مَصدرًا للنضار وحبالة للدينار وأُلعوبة في يد الماكرين.

ماذا يقول القُرَّاء لو علموا أنَّ الذي بعثني على أنْ أكتُب هذه الكلمة إنَّما هي قضية شَرْعِيَّة ذات شأن؛ ما أظن مُسلمًا يسمعها إلا ويذوب قلبه أسفًا، ويتقطع حسرة ولهفًا على هذا الدين الذي أصبح على الناس هينًا يسيرًا.

كرهت فلانة زوجها وأظلمت في عينها سُبُل الحيلة للنجاة من عِشرته؛ فلجأت إلى تُجَّار الدين تسألهم مَذْهبًا في أمرها فباعوا دين الله بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزَّاهدين.

أغروها بالردة فمرقت من دينها وبقيت على مُروقها ليالٍ وأيامًا، ثم عادت إلى الإسلام، واتخذت لها قرينًا آخر لم يلبث بعد حين أن خاصمها إلى القاضي الشرعي؛ لأنَّها قد نشزت عن طاعته وخرجت عليه.

وما هي إلا أن سمع القاضي دعوى القرين ودعوى القرينة، ثم أصدر حكمه بفسخ العقد الأول؛ لأنَّ الرِّدَّة فسخٌ في الحال لا يحتاج إلى القضاء.

قضية مُدهشة وقضاءٌ غريب ليس بينه وبين الدعوى سبب ولا اتصال.

أي سبب بين نشوز المرأة عن طاعة زوجها، وبين عقد قد كان لها مع زوج قديم، يا لله وللإسلام تُؤمر المرأة بالمروق من دينها لتنجو من قرينها، ويقضي القاضي بحكم بينه وبين الدعوى بُعد ما بين السماء والأرض.

أتى اليوم الذي يجهد فيه المرسلون من أبناء النَّصرانية أنفسهم ليُدخلوا الناس في دينهم راضين أو رَاغمين، يعمل رجال الإسلام لإخراج المُسلمين من دينهم طوعًا مرة وكرهًا أخرى.

أتى اليوم الذي تكثر فيه المطاعن على هذا الدين الحنيف، ينهض قضاتنا الشرعيون لتأييد تلك المطاعن بالأدلة والبراهين. كلا إنَّ الإسلام لبريء مما يعملون.

اتضح أمر القضية لنظارة الحقَّانية؛ فحاسبت القاضي حسابًا يسيرًا، وجعلت حساب الوكيلين المُحتالين إلى مجلس تأديب من قُضاة كلية الجيزة؛ فليثأر هؤلاء القضاة لدين الله، وليعلموا أنَّ مِثل هذه الحادثة هي التي تظهر فيها الكفاءة الحقيقية، وليعدلوا إنَّا لعدلهم مُنتظرون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.