كنت في السنة الثالثة الابتدائية حين سمعت الشيخ سلامة حجازي يغني لأول مرة في حياتي، وكانت فرقته تمثل إذ ذاك رواية (البرج الهائل) في تياترو إسكندر فرح بشارع عبد العزيز، وانتهت الرواية يومئذٍ بعد الساعة الثانية صباحًا، ولم يساور النوم جفني مع ذلك؛ لأنني كنت مغتبطًا أشد الاغتباط بما أرى على خشبة المسرح، كنت أستمتع أعظم المتاع بصوت الشيخ سلامة، حتى لقد ظل هذا الصوت الملائكي يداعب أذني بعد أن عدنا إلى منزلنا، وبعد أن أويت إلى فراشي استغرقت في نومي.

وكان صوت الشيخ سلامة ملائكيًّا حقًّا، وكانت نغماته تصل إلى أعماق النفس وتهز المشاعر. كان صوتًا قويًّا يسمعه الناس حتى خارج التياترو، وكان إلى قوته رقيقًا مبدعًا، فكأنما كانت حنجرة الشيخ آلة موسيقية كاملة الأوتار يوقِّع عليها ما شاء من الأنغام فإذا هي تملأ الجو حولها، وإذا المنصتون إليه في نشوة من الطرب تفُوق كل نشوة.

ولما تخطيت الدراسة الابتدائية إلى ما بعدها، كنت شديد الحرص على أن أسمع الشيخ سلامة كلما أتيحت لي فرصة سماعه، فلما عرف الناس الفونوغراف في أوائل هذا القرن العشرين كانت أسطوانات الشيخ سلامة خير رفيق لي ولإخوتي وأهلي في الريف أثناء إجازاتنا الدراسية.

ولم أكن أنا وإخوتي وأترابي بِدعًا في ذلك بين الناس، بل كان المصريون جميعًا مثلنا في الإعجاب بصوت الشيخ والإذعان له، وكان تياترو إسكندر فرح مقصد المئات والمئات ممن يريدون سماع الشيخ، فلما انتقل بفرقته إلى مسرح الباب البحري بحديقة الأزبكية، انتقل الناس معه يستهويهم صوته الساحر.

وبقي الشيخ سلامة معبود الجماهير سنوات طويلة، ولست أقصد بالجماهير سواد الناس، فقد كان العلية من القوم يتساوون في عبادته مع سائر من يستمعون إليه، ومن يبلغ منهم الطرب حد الخروج على مألوف وقارهم.

ثم إن الشيخ مرض بالفالج فانزعج أهل مصر جميعًا لمرضه وتمنوا له الشفاء، لكن المرض لم يستمع لدعائهم، فلم يبرأ الشيخ من علته إلا قليلًا، وتأثر صوته فلم يَعُدْ هذا الصوت الرفيع الذي يهز القلوب، بل صار صوتًا خانقًا، ولم يكن للشيخ مع ذلك بُدٌّ من الاستعانة به على حياته. كان يقف بين فصول الرواية التي تمثلها فرقته مستندًا إلى كرسي فيغني مقاطع بصوت خانق، حتى لقد قال أحدهم يومًا متوجعًا لحاله: هذا صوت من قبر.

وكنت يومًا من أيام الحرب العالمية الأولى أجلس على مقهى بشارع عماد الدين قريب من المسرح الذي تمثل فيه فرقة الشيخ، وكنت مع اشتغالي إذ ذاك بالمحاماة كثير الكتابة في الصحف، وجاء صديق رآني في مجلسي فقال لي: هل لك في خير ساقه الله إليك؟ قلت: وما ذاك؟ قال: لقد رأيت الشيخ سلامة حجازي الساعة جالسًا في أحد الألواج من هذا المسرح الذي يجاورنا، وقد غلبته الكآبة لحاله، حتى لقد طفر الدمع من عينه، فلو أنك صعدت إليه وسكنت روعه بكلمات طيبة كان ذلك بعض ما يثيبك الله به، قلت: وهل ترى يعرفني الشيخ؟ قال: وكيف لا يعرفك وقد كان حريصًا على قراءة ما تكتب في الصحف، قم معي. ولم أتمالك وقد سمعت ما قصَّه عن كآبة الشيخ إلا أن أجيبه إلى ما طلب، وصعدت معه إلى حيث يجلس الشيخ، فرأيته مهمومًا بادي الأسى، فقال له صاحبي: هذا الدكتور هيكل جاء يسعى إليك حين عرف أنك هنا يا سيدنا الأستاذ، قال الشيخ: الدكتور هيكل يجيء إليَّ أنا؟! هذا تنازل وشرف عظيم، فقلت: بل الشرف لي يا أستاذ، وما لي أراك مهمومًا؟ قال: أَوَلَا يؤدي ما حل بي إلى ما هو أكبر من الهم؟ قلت: كلا، أنا أفهم أن تتألم لمرضك، لكنك يجب أن تذكر أن لك على أهل هذه البلاد كلها فضلًا عظيمًا، لقد أسعدتهم سنوات طويلة، وهم مدينون لك بهذه السعادة ولن ينسوا ما لك عليهم من دَين أبدًا. إن مرضك يا سيدي الأستاذ يبعث إلى نفوس الناس الألم لك ولهم؛ لقد حللت من نفوسهم أرفع مكان … وبقيت أسوق للشيخ مثل هذه الألفاظ فأراه تنفرج أساريره ويتلاشى همه، فلما اطمأننت إلى أنه استراح استأذنته في الانصراف، فقال: شكرًا لك يا سيدي، لقد سريت عني، فإذا صح ما تقوله من أن الناس مدينون لي فأنا اليوم مدين لك، ولن أجحد هذا الدَّين أو أكفر به وإن جحد الناس أن الله أسعدهم بي زمنًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.